رأي

لكي لا يصبح الخير مخلفات حضارية وأبنية تذكارية!

 

الدكتور الخضر هارون

والمتبقي لجيل الشباب السوداني الذي ولد أخريات عقد أربعينيات القرن العشرين وعقد خمسينياته مما يعرف بالمخلفات الحضارية كثير ومثير للأشجان وللأحزان أيضاً لزمان تسرب من بين الأيدي بخيره وشره . والمخلفات الحضارية ترجمة للكلمة الانقليزية survivals عرفها الأنثربولوجي البريطاني سير إدوارد تيلار في القرن السابع عشر بأنها العادات والممارسات والمعتقدات والأساطير التي سادت في حضارات سبقت وبقيت بعد زوال تلك الحضارات لكنها بقيت بلا عمل ولا وظيفة بل كثيرا ما يجهل الناس مصدرها، من ذلك (الهيوب) .قال صديقنا الأستاذ الحسين علي محمد إبراهيم الباحث في القضايا والموضوعات الاجتماعية والشعبية ، أنها (الحي ووب) عبارة الثاكلات علي الموتي في السودان . وقد ظلت باقية منذ أيام الدولة الفاطمية الشيعية ( 909-1171م) في مصر والتي تركت بعض آثار في الولاية الشمالية في السودان حتي سبعينيات القرن العشرين .

كان الشباب في الجيل الذي سبقنا يحيون عاشوراء بحمل حبل غليظ مصنوع من ألياف النخيل يسمي (اللالس) يشعلون النار في طرفه يجوبون به البيوت ثم ينتهون به إلي النيل ثم يضربون أبشارهم بجريد النخل الأخضر الغليظ حتي تدمي . الغريب أنهم كانوا يفعلون ما يفعله شباب الشيعة في البلدان التي يوجد فيها شيعة ندماً واعتذارا علي تفريط أسلافهم في مناصرة وخذلان الحسين بن علي سبط النبي دون معرفة الغرض مما يفعلون، فبالنسبة إليهم لم يكن (الهيوب) طقساً دينيا بل عادة بقيت معزولة عن مغزى وجودها الذي كان . فهي إذن من سواقط حضارة سادت ثم بادت . وقريب من ذاك كنت أسمع الجدات يقلن في صلواتهن يطلبن البركة من تسعة وتسعين ولياً أولهم محمد وآخرهم علي. بقي من آثار الدولة الفاطمية اسم عاصمة مصر القاهرة الذي أطلقه عليها المعز لدين الله الفاطمي أول حكام تلك الدولة كما بقي اسم الأزهر وهو مشتق من اسم فاطمة الزهراء رضي الله عنها وقد أسس ليكون مركزا لتعاليم المذهب الشيعي فصار مركزا لتعاليم مذهب أهل السنة وذلك بفضل مثابرة الدولة الأيوبية . ولعل أسماء النساء عندنا مثل زهرة علاها التصحيف فهي وراء الزهراء وليس وراء الزهرة فنحن لم نكن نحفل بالزهور والورود. وفي المغرب العربي يكون ذات الاسم بضم الزاي وراء كوكب الزهرة . ومن المخلفات الحضارية كذلك أخذ الرضيع إلي النيل وغمسه في مياهه، قالوا ذلك مما بقي من طقوس التعميد في العصر المسيحي من تاريخ السودان .

والأبنية والأعيان المادية كالاهرامات والمعابد التي كانت تخدم أغراضا في السابق ثم انقطعت الحاجة لعملها هي بالقطع ينبغي أن تكون في زمرة المخلفات الحضارية لكن علماء علم الإنسان في فرعه الثقافي لا يعتبرونها كذلك ويطلقون عليها اسم s s artifact , بقايا مادية، مصنوعات أو تحف وأبنية تذكارية memorials. لكن بعض هذا الجماد أكتسب حياة من نوع آخر فالأهرامات والمعابد في مصر هي قبلة السياح تدر دخلا لا بأس به والتاج محل في الهند وآثار اليونان وآثار الرومان تقتات علي ريع زيارتها أعداد مقدرة من البشر حول العالم.توقفت وظائفها الأصلية ولم ينقطع رفدها.

ولجيلنا وفي السودان غدت أكثر أسماء الأشياء معلقة في الهواء بلا محتوى ولا معنى، فجل أسماء أجزاء الساقية وملحقاتها من مصطلحات الزراعة المرتبطة بسقيا الساقية مجرد أسماء . والشلوخ علي الخدين (علامات تشرط بالموسي) التي كانت تدل علي الانتماءات للقبائل المختلفة والوشم كدرب الطير تلاشت بسرعة فائقة كأن لم تكن وكانت بالنسبة لنساء المدن ذات معان جمالية تلهم الشعراء وأهل الغناء لدرجة الزراية بمن لا تحمل شلوخاً فيطلق عليها (المرهاء) تعير بذلك بأنها (كرتا) كأنما أزيلت شلوخها بآلة حادة! والمرهاء فصيحة لكنها تطلق على التي لا تتزين أو تكتحل فكأنهم أرادوا بها فيمن لا تحمل شلوخا كأنها خالية من كل زينة ! وماذا عن منازل العمال في محطات السكك الحديدية ذات السقف المخروطي المزين بطلاء أبيض (القطاطي) و إرشادات سائقي القطارات مثل (صفَر) مثلا. وسندة! عندما تجدها مكتوبة قرب خطوط السكة حديد قد تحار في معناها إذا لم تكن قد أدركت زمانها . كلمة حملتها لافتة في فلاة: ماذا تعني ؟ وهي هنا لا صلة لها بالسند والمساندة بل هي محطة قصيرة للقطار خالية من الأبنية ليس فيها ما يميزها سوي لافتة مكتوب عليها (سندة) وفي الذاكرة سندة (المطمر) في منطقة الجعليين وأنت قادم إلى الخرطوم أو خارج منها بالقطار الذي قد تكون وجهته وادي حلفا أو كريمة وربما مدائن الشرق في بورسودان ونواحيها جبيت ، هيّا وسنكات، وربما سواكن انطلاقا من عطبرة التي كانت واسطة العقد ورئاسة سكك حديد السودان. فهي بهذا الوصف من صميم ما أطلقنا عليه مخلفات حضارية. والسندة من كل شي فعل قصير فكأن المراد هنا وقفة قصيرة وهي بالفعل كانت تستقر نحو دقيقة واحدة.

وكان يغلبني الحنين كل ما حللت بمدينة كريمة يسوقني الشوق للمرور علي أبنية محطة السكة الحديد أتملى ظلال نيماتها الوارفات حيث كنا ننتظر أياماً عندما يكون هناك اضرابا لعمال السكة الحديد.

وفي الخرطوم توجد بنايات تحكي قصصا، فمثلا مبنى سينما كولوزيوم الذي لا يزال صامداً في مكانه يحكي قصة دار للسينما كانت عامرة بالرواد كما كان سميها الروماني،
Colosseum مبني الألعاب
الشهير في روما والذي رغم توقف عمله يستقبل آلاف السياح كل يوم في طوابير طويلة. وبنايات السينما في
السودان أصبحت جميعا أطلالا ومخلفات حضارية ربما تزال بعد حين ويطويها
الزمان وتصبح بعد حين
مبهمات تتساءل أجيال عن
معناها إذا ذكرها الذاكرون،
وسكك حديد الترام في الخرطوم الكبرى وآثار أعمدة الكهرباء التي كان يستمد منها الطاقة في الخرطوم القديمة و.. و.. و… ويواصل الزمن التسفار السريع المتسارع وتتغير طبائع الأشياء ويجثم علي صدورنا الخوف من زوال عادات حميدة ومعتقدات مقدسة لا تستقيم الحياة السليمة بغيرها وشواخص أبنية تعمق غراسها في الوجدان نرجو ألا تصبح كحائط المبكي تذرف عنده العبرات.
ذلك كله مغزي هذه الكلمة بأخذ الحيطة والحذر بألا تتوانوا في الحفاظ علي الوطن من غوائل الزمان فلا بديل للوطن سوي الوطن لأنه ليس مجرد مكان بل هو ما يوصف وما يجل عن الوصف!. فهل أبنت؟ أرجو أن أكون قد فعلت!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى