نحو نظام تربوي وتعليمي مواكب للقرن الواحد والعشرين

رمضان أحمد
يجادلني ابني عرفان البالغ من العمر 15 خريفاً أنه لا يريد أن يدرس الجامعة، ويقول أنه يكره النظام التعليمي والتربوي! وحجته في ذلك أنه يدرس أشياء لن يستفيد منها في حياته على الإطلاق مع أنها تأخذ زمناً طويلاً من عمره، ويحتج بأن أستاذه الذي يدرسه الرياضيات كان من أميز الطلبة في نفس المدرسة ولما أكمل الدراسة الجامعية اختير معلماً في مدرسته السابقة وأنه يعيش على مرتب ثابت بالكاد يغطي احتياجاته فضلاً عن أنه يملك سيارة قديمة وما إلى ذلك. ثم يطرح علي سؤالاً لم أستطع الإجابة عليه: “هل تريدني أن أدرس الجامعة لمدة 4 سنوات لأعود موظفاً يتقاضى راتباً بالكاد يسد الرمق؟” يرى عرفان أنه يمكن أن يخضع لدورات تدريبية في المجالات التي يحبها ومن ثم يشق طريقه في الحياة دون أن “يبدد” جزءاً عزيزاً من عمره في دراسة لا جدوى منها.
هذا الحوار الذي تكرر بيني وبين ابني عرفان أثار في نفسي تساؤلات عن جدوى نظامنا التعليمي والتربوي الذي ينفق عليه أولياء الأمور من دم قلبهم لـ”تعليم” أبنائهم وبناتهم، لتكون النتيجة في نهاية المطاف “وظيفة” يحصل عليها هذا الخريج بعد سنوات من الانتظار ويكون الراتب شيئاً تافهاً لا يكافئ ربع ما أنفق عليه. فهل هذا أمر طبيعي؟ وإذا كان التعليم استثماراً أليس هذا استثماراً خاسراً ومع ذلك يصر عليه الناس؟
في هذا المقال سنتطرق لجذور النظام التعليمي والهدف منه، والتطور الذي طرأ على الحياة بفضل دخول العصر الرقمي، ثم نختم بما يجب أن يكون عليه النظام التعليمي في العصر الرقمي بغية الخروج من النفق المظلم الذي نحن فيه.
*جذور النظام التعليمي*
النظام التعليمي المطبق في السودان هو النظام الموروث من الاستعمار الإنجليزي، وكان هدفه الرئيسي توفير قوى عاملة مدربة تساهم في إدارة الإنتاج لصالح القوى الاستعمارية. وبعد “الاستقلال” حصل توسع في التعليم من خلال بناء الجامعات والمعاهد العليا وما إلى ذلك. ولكن ظل الهدف الأسمى هو “إيجاد” موظفين للدولة، حتى مع التوسع الكمي الذي حصل في عهد الإنقاذ. بمعنى أن الطالب يدرس المرحلة الابتدائية والمتوسطة والثانوية ثم الجامعة ويظل همه “الحصول على وظيفة”. حتى الذين يواصلون الدراسات فوق الجامعية يظل هدفهم هو “تعزيز فرص التوظيف”. يظل الطالب بعد التخرج ينتظر سنوات ربما أطول من السنوات التي قضاها في الدراسة انتظاراً لفرصة التوظيف التي إن حصل عليها لا تسمن ولا تغني من جوع!!
ربما الوضع في الدول المتقدمة أفضل بكثير لأن هناك ربطاً ما بين التعليم والسوق وبالتالي من يتخرج يتوظف لأن مكانه في السوق يظل شاغراً. ولكن مع ذلك تظل الوظيفة في الدول المتقدمة هي الاسم الأرقى لكمة “عبد”، لأن الموظف يدفع ضرائب ويتقولب على “العبودية” ويحصل على الحد الأدنى من المعيشة ولا يمكن أن يحلم بأن يصبح وضعه المالي أفضل.
هذا النظام التعليمي يقوم على أساس البحث عن المعلومة، وبالتالي مجرد الحصول على المعلومة من خلال الاطلاع على أمهات الكتب، في حد ذاته يكفي لينال الطالب على أساسه الدرجة العلمية.
*تطور الحياة في العصر الرقمي*
ظلت الحياة تسير سيراً بطيئاً منذ الاستقلال إلى بداية الألفية حيث أصبح الانترنت المكتشف في 1996 أصبح ينتشر في العالم ويحدث تحولات متسارعة في الحياة. من أهم تجليات الانترنت على الحياة:
انتفاء الحدود الزمانية والمكانية: لم تعد الحدود الزمانية والمكانية حائلة لحركة الناس كما كان من قبل، حيث يمكن الآن عقد اللقاءات الافتراضية وتنفيذ مشاريع مشتركة مع أناس في أي بقعة من العالم. هذا فضلاً عن ظهور مفهوم المواطن العالمي بحيث أنك تكون مقيم في دولة وتشتغل في دولة أخرى دون أن تسافر إليها.
اختلاط الأجيال: كان الفرق بين جيل وجيل آخر قبل ظهور الانترنت 40 سنة وهذه هي المدة التي تستغرقها التحولات العالمية التي تستغرق جيلاً أو جيلين أو أكثر. ولكن أصبح الفرق بين الأجيال يقاس بحجم المعرفة الرقمية والمهارات الرقمية، فحصل اختلاط بين الأجيال. لذلك أصبحت التحولات الكبرى تحدث في فترات متقاربة جداً يكون صانعوها ما زالوا في قمة عطائهم.
*تعدد المصادر المعرفية:*
كانت الدولة عبر منافذها الإعلامية الرسمية ونظامها التعليمي هي المصدر الوحيد للمعلومة. ولكن بعد ظهور الانترنت تعددت مصادر المعلومة لدرجة أن الآباء لم يعد بإمكانهم التحكم فيها. لذلك عندما يناقشك ابنك حول مسألة ما يجب أن تكون أميناً وصريحاً معه. إذا لم تعرف الإجابة فلا تجتهد، فهو قد يعرف الإجابة ويريد منك التأكيد فقط. لذلك كثيراً ما نشهد شقاقاً بين الآباء الذين ما زالوا يحتفظون بالعقلية التقليدية في التربية وبين أبنائهم. أصبح البون شاسعاً بين الدولة وبين المواطن مما أدى إلى اندلاع الثورات ضد الأنظمة أو إلى اضطرابات سياسية في كثير من البلدان.
*النظام التعليمي المواكب للعصر الرقمي*
النظام التعليمي المطلوب لزوم مواكبة العصر الرقمي لا يستهدف إعداد موظفين، ولا يركز على التلقين، ولا يبحث عن معلومة، ولا يجبر الطالب على إضاعة جزء مقدر من عمره في دراسة مواد لا يحتاج إليها في حياته إطلاقاً. النظام التعليمي المطلوب في العصر الرقمي يستنهض في الطالب إمكاناته الذاتية ثم يعمل على صقلها وتوجيهها بما يفيد الفرد والمجتمع. إذاً، من أهم خصائص هذا النوع من التعليم ما يلي:
1. يبني في الطالب روح الإبداع والابتكار والتفكير النقدي والتعاون والتواصل. وذلك من خلال دمج الذكاء الاصطناعي والروبوتات وتغير المناخ والدراسات الإعلامية وريادة الأعمال، مع مناهج مرنة ونموذجية تتكيف مع احتياجات الدارسين والاتجاهات المهنية.
2. يكون تعليماً مشخصناً وشاملاً، عبر منصات التعلم التكيفية التي تتكيف مع وتيرة وأسلوب الطالب الفردي ومحتوى شامل وتصميم يدعم الدارسين المتنوعين (من حيث اللغة والقدرة والثقافة) وأدوات تعتمد على البيانات لتحديد فجوات التعلم وتقديم الدعم المستهدف.
3. ينطلق من منظور عالمي ومتعدد التخصصات، بحيث يشجع التعاون عبر الحدود من خلال برامج التبادل الافتراضي وتعزيز التعلم متعدد التخصصات (مثلاً الجمع بين الفنون والعلوم والتكنولوجيا) وإعداد الطلاب للمواطنة العالمية في عالم رقمي مترابط،
4. يركز على التعلم مدى الحياة، من خلال بناء عقلية التطوير المستمر للمهارات، ورفع القدرات عبر دورات تدريبية عبر الإنترنت ومسارات غير تقليدية، ودعم المتعلمين البالغين والمهنيين من خلال نماذج التعلم المرنة
5. يعمل على تعزيز الصحة النفسية والرفاهية الرقمية، من خلال معالجة إرهاق الشاشة والتنمر عبر الإنترنت والعزلة وتعزيز عادات الاستخدام الرقمي المتوازن، ودمج التعلم الاجتماعي والعاطفي في المناهج الرقمية.
لا شك أن هذا التعليم الرقمي المواكب لمتطلبات القرن الواحد والعشرين له أشراط ضرورية تقع على عاتق الحكومة متمثلة في الآتي:
أولاً: البنية التحتية الرقمية المتاحة، بحيث توفر الوصول الشامل إلى الأجهزة (أجهزة الكمبيوتر والأجهزة اللوحية والهواتف الذكية)، وشبكة انترنت قوية وموثوقة في المناطق الحضرية والريفية على حد سواء، والفصول الدراسية والمنصات الرقمية (مثل أنظمة إدارة التعلم مثل Google Classroom و Moodle)، والتقنيات المساعدة للطلاب ذوي الإعاقة.
ثانياً: تدريب المعلمين وتطويرهم مهنياً، من خلال التدريب المستمر في تكنولوجيا التعليم (EdTech)، والمهارات التربوية لتقديم التعلم المختلط والهجين، وأدوات التقييم والتغذية الراجعة الرقمية، والمهارات الرقمية التي تسهل التعلم المستقل القائم على التفاعل بين المعلم والطالب.
ثالثاً: سياسات واضحة لدعم الشراكات بين القطاعين العام والخاص، بحيث يكون هناك استثمار حكومي في التحول الرقمي للتعليم، والتعاون مع شركات التكنولوجيا والمنظمات غير الحكومية والمؤسسات البحثية، مع وجود سياسات واضحة بشأن الإنصاف، والوصول وضمان الجودة والأخلاق. كلمة “الأخلاق” هذه مسألة في غاية الأهمية نظراً لغياب هذا العامل في العصر الرقمي مما ينذر بعواقب وخيمة عالمياً.
*الملخص:*
الطالب الذي يخضع للنظام التربوي الرقمي المواكب لمتطلبات القرن الواحد والعشرين لا يحتاج إلى إضاعة الوقت في دراسة لا يستفيد منها، وإنما يكفي أن يكمل المرحلة الثانوية، وهي مرحلة كافية لتحديد مساره في الحياة، ثم يبذل وقته وجهده في المجال الذي اختاره. مثل هذا الطالب سيكون مبدعاً ومبتكراً، وبالتالي لن ينتظر الوظيفة وإنما سينتهي بمشروع صغير يصنف ضمن ما يعرف بالمشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تشكل عصب الاقتصاد في الدولة. وبهذا نستطيع أن نكافح البيئة التي يتكدس فيها ملايين العطالى من الخريجين وحملة الشهادات العليا الذين يضطرون لأداء وظائف هامشية ليبقوا على قيد الحياة.



