رأي

بين العودة واللاعودة !!

محجوب فضل بدري

زرتُ جزيرة غُورِي الواقعة على سواحل المحيط الأطلسي على بعد ثلاثة كيلومترات بحرية من داكار عاصمة السنغال، ووقفت في (باب اللاعودة) الرمز القوي لتجارة الرقيق والباب يقع على صخرة عالية ويفتح مباشرةً على المحيط، حيث ترسو السُفن، ومن يخرج من باب اللاعودة يجد نفسه في قلب السفينة بين أكداس البضاعة البشرية بحيث تبحر بهم السفينة لدنيا العبودية الفظيعة في(أمريكا رائدة العالم الحر !!).

وقد انتابني شعور مزيج من الحزن والغضب والاشفاق، والدروس غير المستفادة!! فما زال معظم أهل الضحايا يثقون فى إنسانية الرجل الأبيض الذي سامهم الخسف، ولم يعتذر بل يحاول مواصلة ممارساته القديمة باسلوبٍ عصري يجعلنا نُسَبِح بحمده ونتمنى أن نهاجر إليه طوعاً هذه المرة!!

العودة للوطن نغم يتردد صداه فى وجدان كل مواطن- ليس السودانيين وحدهم – فأهل فلسطين الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق على يد العصابات الصهيونية – وما أشبه الهاغانا والأرغون وشيترن بالجنجويد – اذاً خرج الفلسطينيون وهم يحملون مفاتيح أبواب بيوتهم على أمل العودة يوماً ما بل وجاهدوا في سبيل ذلك ما وسعهم الجهاد، وحتى اليوم.

وعندما يتحدث الناس عن العودة اليوم فإنما يقصدون العودة إلى الخرطوم وتنشط الكثير من المبادرات فى هذا الشأن وبالمقابل هناك ناشطون يثبطون همة كل من يرغب في العودة تحت دعاوىٰ عدم اِستتباب الأمن وانعدام الخدمات، ولهم فى ذلك مآربَ أُخرىٰ !!

عند الحديث عن العودة ينصرف الذهن إلى مَن هم في مصر من لاجئين أو مهاجرين، يُطْلِق عليهم الرئيس السيسي لقب (ضيوف مصر) وللضيافة أجل معلوم، وعلى الضيف التزامات، منها، قِصَر مدة الضيافة ومراعاة حقوق المضيف، ومصر المضيافة نفسها تعاني من مشكلات اقتصادية تُحَتَّم على الضيوف تَحَمُّل بعض تَبـِعات طُرق الحل، تماماً مثل المواطن المصري، فمصر التى كانت تتيح للطالب السوداني الدخول إلى جامعاتها بميزة تفضيلية، بحيث يُدفع للطالب مصروفاً شهرياً ويُوفر له السكن الجامعى، تراجعت إلى أن يَدفع الطالب السودانى نسبة 10% من الرسوم الجامعية زادت الانٓ إلى 70% غير السكن والاِعاشة وكان هناك قرار بمعاملة السوداني مثل المواطن المصري في كل المؤسسات العلاجية الحكومية، ضاع هذا القرار وسط، انتشار المؤسسات العلاجية الخاصة باهظة الكُلفة وكذلك ارتفعت أسعار وايجار العقارات ولم تَعُد مصر تتحمَّل الصرف على ملايين (الضيوف) من مختلف الجنسيات وأغلبهم سودانيين !!

السؤال المنطقي الذي يفرض نفسه هو أيُّ الخيارين أفضل؟ العودة للوطن أم اللاعودة؟
وبعيداً عن المثاليات كالعودة للاِسهام فى اِعادة تعمير ما دمرته الحرب مثلاً، أو للوقوف فى خندق واحد مع الجيش والمستنفرين فى حرب الكرامة، وهذه واجبات، أو لمجرد الحنين للدار والأهل وشم عبق طين الجروف وريحة الدُعاش، وغير ذلك وهذا من كلام الشِّعِرْ.

بحساب الربح والخسارة تَرْجَح كفةُ العودة على كفة اللاعودة،أو فلنقل تأجيل العودة، وليبقىٰ حبنا لمصر كما هو، ولكن ليس للإقامة الدائمة فيها فالتكاليف أصبحت لا تُطاق، وقد عايشنا ظروفاً صعبة لنا وللآخرين، فكم من الأُسر الكريمة قد (اِتبهدلت)!! تحت ضغط الحاجة وهى العزيزة في وطنها، ألا لعنة الله على الظالمين من قحاطة وجنجويد ومن دويلة الشر .

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم﴿كُتِبَ عَلَیۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهࣱ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰۤ أَن تَكۡرَهُوا۟ شَیۡـࣰٔا وَهُوَ خَیۡرࣱ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰۤ أَن تُحِبُّوا۟ شَیۡـࣰٔا وَهُوَ شَرࣱّ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ یَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ صدق الله العظيم

الأوطان تُبنَىٰ بأيدى أبنائها، عودوا إلى وطنكم يرحمنا ويرحمكم الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى