الرسوم تقف حاجزاً.. السودانيون في مصر يصارعون لاستعادة وثائقهم

المحقق- نازك شمام
بحي الدقي بالعاصمة المصرية، القاهرة، تقف ابتسام إبراهيم متكئة على أحد الجدران المقابلة لمبنى سفارة السودان بمصر والذي يضم القسم القنصلي.
تحاول إبتسام حماية وجهها من أشعة الشمس التي تجاوزت الأربعين درجة بواسطة فائل بلاستيكي يحتوي على شهادتها الجامعية التي ترغب في توثيقها. ومع ذلك، فوجئت برسوم التوثيق المحددة بقيمة 765 جنيه مصري أيّ ما يعادل 15.4 دولار.
ليست ابتسام وحدها، فهناك العشرات من السودانيين يتوافدون يومياً على السفارة لإجراء معاملاتهم الخاصة بالقسم القنصلي. من خلال هذا التحقيق، سيسعى “المحقق” إلى استكشاف تفاصيل المعاملات القنصلية ورسومها، بالإضافة إلى العقبات التي يواجهها السودانيون المقيمون في مصر أثناء إجرائها، وما إذا كانت الرسوم المفروضة عادلة أم لا.
بداية النشاط
بدأت سفارة السودان في مصر نشاطها بعد نيل السودان استقلاله في يناير 1956، وشغل السفير حسن الأمين منصب أول سفير سوداني بها. وتعاقب على منصب السفير بعد ذلك العشرات من قيادات وزارة الخارجية، أو من الوزراء والمسؤولين السابقين.
يحتوي المبنى الحالي للسفارة بحي الدقي، على القسم القنصلي الذي يقدم خدمات متنوعة للمواطنين السودانيين في مصر، وتشمل هذه الخدمات نحو عشرين معاملة، منها شهادة القيد العائلي، إفادة شهادة الميلاد، معاملات الزواج (موافقة الزواج، إصدار وثيقة الزواج، إفادة صحة الزواج)، معاملات الطلاق (إفادة صحة الطلاق)، الوفيات، خطاب لفتح حساب مصرفي، إفادات سكن لإجراءات الإقامة، خطاب المرور لإصدار رخصة قيادة مصرية، إخطار مولود للإفادة بمولود وُلد في مصر، إصدار التوكيل، إصدار قرار مشفوع باليمين، عدم ممانعة سفر الأفراد، بلاغات الشرطة، شهادة لمن يهمه الأمر، إفادة تجديد إقامة خاصة، الحريات الأربع (الإقامة، التنقل، العمل، التملك)، خدمات السجل المدني، وخدمة توثيق الشهادات.
تقدم القنصلية بسفارة السودان في مصر نوعين من الخدمات: خدمات مجانية وخدمات برسوم. الخدمات المجانية تشمل بلاغات الشرطة، إفادات السكن، الوفيات، إخطار المولود، وتجديد الإقامة الخاصة. بينما تتطلب الخدمات الأخرى رسومًا محددة.
طلب الخدمات
ويشهد شارع أحمد الشاطوري بحي الدقي في القاهرة زحامًا كبيرًا بسبب تدفق السودانيين يوميًا لطلب الخدمات القنصلية. بعد اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، استقبلت مصر نحو مليون و200 ألف سوداني، بالإضافة إلى المقيمين منذ سنوات. هذا العدد الكبير أدى إلى ضغط كبير على السفارة، مما أثار استياء المواطنين بسبب الازدحام وارتفاع الرسوم وسوء الخدمات.
ارتفاع الرسوم
ويعبر المواطن معتز الشيخ عن استيائه من ارتفاع رسوم الخدمات التي تقدمها القنصلية، قائلاً: “أرغب في استخراج شهادة ميلاد لإبنتي لتسجيلها في المدرسة للعام الجديد”. وأوضح في أفادته لـ”المحقق” أن قدومه إلى مصر كان بسبب الحرب، ولم يتمكن من حمل شهادات أبنائه والمستندات الخاصة بهم بسبب ظروف الخروج الصعبة. وشكا الشيخ من أن رسوم شهادة الميلاد تصل إلى 765 جنيه مصري، وهو مبلغ كبير في ظل الظروف المالية الصعبة التي يعاني منها معظم السودانيين، خاصة مع عدم وجود موارد مالية ثابتة أو عمل يدر دخلاً، واعتمادهم على المساعدات الخارجية.
ازدحام وعدم نظام
تتفق سارة هارون مع صهيب في أن أسعار المعاملات القنصلية مرتفعة، حيث ترغب في استخراج إفادة صحة الطلاق برسوم محددة بـ 765 جنيه. وتؤكد في حديثها لـ”المحقق” أن الرسوم عالية في ظل الظروف الراهنة، مشيرة إلى أن المشكلة لا تقتصر على الرسوم فقط، بل تشمل أيضًا الازدحام وعدم النظام. وتحمل سارة المسؤولية للطرفين، موظفي السفارة والمواطنين الراغبين في إجراء المعاملات، وتشير إلى ظاهرة المحسوبية التي تعيق النظام.
عدم التدخل في الرسوم
من جهة أخرى، حمل “المحقق” هذه الشكاوى إلى مصدر مسؤول داخل السفارة، والذي فضل عدم الكشف عن هويته. وأكد في حديثه أن السفارة لا تتدخل في تحديد رسوم الخدمات، وأن هذه الرسوم تأتي من وزارة المالية السودانية. وأشار إلى أن الرسوم القنصلية في مصر أقل بنسبة 50% مقارنة بدول أخرى، خاصة وأن مصر ليست من دول العمل (الإغتراب) بالنسبة للسودانيين. وأوضح أن العديد من السودانيين المقيمين في دول الخليج يأتون إلى مصر لإنجاز بعض الخدمات، مثل تجديد الجواز.
وأكد المصدر المسؤول أن الخدمات القنصلية التي تتطلب رسومًا هي تلك المرتبطة بجهات خارجية مثل الجوازات والتوثيقات، بينما تُقدم المعاملات الداخلية مجانًا. وأشار إلى أن النظام المالي بالسفارة يخضع لمراقبة دقيقة من قبل مراجعين من وزارة المالية، الذين يقومون بمراجعة الحسابات مرتين سنويًا على الأقل. وأكد أن كل المعاملات المالية تتم عبر التحصيل الإلكتروني وتخضع لمراجعة دورية ودقيقة، وأن أي تجاوز من قبل الموظفين يعرضهم للإيقاف الفوري.
محدودية الموظفين
فيما يتعلق بعدم النظام والازدحام أمام السفارة، برر المصدر المسؤول ذلك بسبب الأعداد الكبيرة لطالبي الخدمة مقابل محدودية عدد الموظفين. وأشار إلى أن السفارة تعمل على إنشاء بوابة رقمية لتسهيل الأمور على المواطنين من خلال الحجز المسبق، مما يهدف إلى تقليل الازدحام وتحسين تجربة تقديم الخدمات.
مسح “المحقق”
وفقًا للمسح الذي أجراه “المحقق”، فإن رسوم الخدمات القنصلية في مصر موحدة في معظمها، حيث تبلغ 765 جنيه مصري، باستثناء استخراج الجواز الذي يصل إلى 8000 جنيه مصري للبالغين و4000 جنيه للأطفال.
وهنالك وثائق يتطلب إصدارها تدخل وزارة الداخلية المصرية متمثلة إدارة الجوازات والهجرة مثل شهادة المواليد سوداني الجنسية الذين ولدوا على الاراضي المصريه فإستخراج هذه الشهادة يتطلب إفادة من المستشفى المصري الذي ولد به المولود وبحسب أسر المواليد الذين تحدثوا لـ”المحقق” فإن رسوم هذه الشهادة تضمن مع رسوم المستشفى وتوثق هذه الافادة بختم المستشفى وتوخذ للسفارة لإستخراج شهادة إخطار مولود ومن ثم التوجه إلى إدارة الجوازات والهجرة بالعباسية لإستخراج شهادة قيد عائلي برسوم تقدر ب 200 جنيه مصري.
الفيش
ويُعرف الفيش بأنه صحيفة الحالة الجنائية والتي تبحث في سجل الجنائيات، ما إذا كان طالبه متهم في أي تهم جنائية ، ويطلب الفيش من المواطنين السودانيين المقيمين في مصر في حال الرغبة في الدراسة خارج مصر أو العمل وبحسب مصدر – فضل حجب اسمه – تحدث لـ”المحقق” فإن الشرطة المصرية لا تستخرج الفيش للمواطنيين السودانيين إلا في حالة الاقامات الطويلة لجهة أن الفيش مربوط بقاعدة البيانات للمصريين وليس الأجانب وأوضح المصدر إن السفارة هي المسؤولة من إصدار خطاب الفيش برسوم تقدر ب 3000 جنيه مصري ما يعادل 60 دولار وأشار إلى أن السفارة تصدر الخطاب وتقوم بإرساله إلى إدارة الأدلة الجنائية ببورتسودان عبر الحقيبة الدبلوماسية مبيناً إن هذا الاجراء يستغرق فترة طويلة قد تتعدى الشهر وكشف المصدر على أن السفارة تقوم بتخيير طالب الفيش في إرساله عبرها أو التصرف بصورة شخصية لتوثيقه ببورتسودان.
وبمقارنة هذه الرسوم بالرسوم المطبقة في السودان، نجد أن رسوم استخراج شهادة الميلاد لغير المواليد تبلغ 56 ألف جنيه سوداني، ورسوم الرقم الوطني 45 ألف جنيه سوداني، ورسوم توثيق الشهادات 42 ألف جنيه سوداني. أما رسوم استخراج الجواز في السودان فتختلف باختلاف الولاية، حيث تبلغ 180 ألف جنيه سوداني بولاية البحر الأحمر و150 ألف جنيه سوداني بولاية الخرطوم (سعر الجنيه المصري يساوي 56 جنيه سوداني وقت إجراء التحقيق).
ويتمنى السودانيون في مصر، مثل ابتسام، أن تعيد الحكومة النظر في الرسوم الباهظة للخدمات القنصلية، معتبرين أن هذه الخطوة ستخفف من العبء المالي الذي يثقل كاهلهم. ويرون أن الرسوم الرمزية ستكون خطوة إنسانية تساعدهم على استعادة وثائقهم المفقودة بسبب الحرب، وتخفف من معاناتهم التي طال أمدها.



