منشور البنك المركزي .. صكّ الإفلاس للقطاع الخاص

مهند عوض محمود
بينما كان السودان كله يشتعل، والمواطن يُطرد من بيته، ويُحرق متجره، وتُنهب سيارته، وتُقصف عماراته، ويُهجّر عنوة من عاصمته، لم يكن أمامه من سند سوى قواته المسلحة؛ فلبّى النداء حينما دعا القائد العام الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى التعبئة العامة، فهبّ الشعب برجاله ونسائه، بشبابه وشيوخه، فتحوا بيوتهم للمجاهدين، وطبخوا بدموعهم للمرابطين، وجمعوا الأموال، وباعوا ما يملكون من ذهب ودواب، دعمًا واستنفارًا .. المستنفرون الذين تركوا وظائفهم وأعمالهم وتجارتهم وأهاليهم، المجاهدون الذين تسابقوا على الخطوط الأمامية، المواطنون الذين احتموا بالأمل لا بالجدران، هؤلاء جميعًا دفعوا ضريبة بقاء الدولة، ثم لم يطلبوا شيئًا إلا أن تبقى الدولة دولة، لا غولًا مالياً يُكمل عليهم ما عجزت عنه المدافع.
لكن بنك السودان المركزي كان له رأي آخر، فهو لم يُقاتل في الخنادق، ولم يُطارد على الطرقات، ولم يُهجّر من وطنه، بل ظلّ على مكاتبه، يعدّ ما تبقى من أرصدة، ويتربّص بالمواطن، وينتظر اللحظة المناسبة ليرسل أقسى ضربة في خاصرة الاقتصاد السوداني الجريح ؛ فقد أصدر البنك منشورًا في 25 يوليو 2024، عمّمه رسميًا يوم 21 أبريل 2025، تحت عنوان “معالجة خسائر الحرب وتكوين مخصصات التمويل”، فخيّب الآمال، وخان التوقعات، وكشف عن رؤية مالية بلا بُعد إنساني أو وطني .. اعتبر المنشور أن الأزمة المالية التي أصابت الشركات، الأفراد، القطاعات المنتجة، هي مجرد تعثّر عادي، لا حرب، لا دمار، لا ظروف قاهرة، لا حرائق ولا نهب، لا توقف مصانع ولا شلل في الموانئ ولا انقطاع في التوريد … وحدد مهلة معالجة لا تتجاوز 18 شهرًا تبدأ من أكتوبر ٢٠٢٤م.. تلتزم فيها المؤسسات المتضررة بالسداد الكامل أو تواجه تنفيذًا قانونيًا شاملاً.
أيُّ استخفافٍ هذا؟ أيُّ عقلٍ ماليٍّ يتعامل مع نتائج حرب وجودية وكأنها خطأ محاسبي؟ أيُّ منشورٍ أعمى يصدر من مؤسسة يُفترض أن تكون الملاذ الأخير للمواطن، فإذا بها تتحول إلى ضاغطٍ ومُنفّذٍ وعدوٍّ داخلي؟
العالم كله حين واجه الأزمات الكبرى، قدّم دروسًا في كيفية صون الاقتصاد دون سحق المواطن. ففي الأزمة المالية العالمية 2008، أطلقت الولايات المتحدة خطة TARP بتمويل مباشر بلغ 700 مليار دولار لدعم البنوك والشركات، لا لإعدامها ؛ وفي الإمارات، مُدّ أجل تعافي الشركات لأربع سنوات، مع حزم تحفيز وتمويل بضمانات حكومية ؛ وفي أوروبا، خُصصت 750 مليار يورو بعد كورونا لدعم القطاع الخاص، وتحملت الدول رواتب العاملين في الشركات المتوقفة ؛ حتى في السودان نفسه، حين وقعت أزمة أنفلونزا الطيور، وتمت إبادة ملايين الدواجن، أصدر بنك السودان المركزي قرارًا بتمديد مهلة سداد الشركات المتضررة إلى ثلاث سنوات، واعتُبر ذلك آنذاك قرارًا حكيمًا. فكيف، بالله، تكون الدواجن أحق بالتقدير من الإنسان السوداني وشركته ومصنعه ومتجره وموظفيه؟!
المواطن السوداني الذي حمى العاصمة من السقوط، وصمد، واستبسل، وكان الأمل حين غابت مؤسسات الدولة، يُجازى اليوم بهذا المنشور المجحف الذي فتح الطريق أمام البنوك التجارية للانقضاض على ما تبقى من عقاراته وأصوله المرهونة، عبر قانون الأموال المرهونة لدى المصارف ؛ منشور فتح شهية نيابة المصارف التي تم تفعيلها في الخرطوم، وجهّزت وكلاءها، ورُفعت إليها الملفات، واستُعيد مسجل الأراضي، واستُكملت كل الأدوات القانونية لتنفيذ أكبر عملية ابتزاز جماعي بحق المتضررين من الحرب.
محافظ البنك المركزي الحالي، لم يصدر عنه أي خطاب وطني، ولا خطة مالية استثنائية، ولا مؤتمر شفاف يشرح للناس ما ينوي فعله، بل اختار التنصل الكامل، وأدار للحرب ظهره، وترك المؤسسات تنهار والمواطنين يُسحقون، وهو مستمر في أداء دور “المُراقب المالي”، وكأن البلاد لم تمر بأبشع حرب حضرية في العصر الحديث. ولذلك، فإننا نطالب بعزله فورًا، وتعيين شخصية وطنية تملك الحس الوطني والإرادة الاقتصادية لمعالجة الكارثة.
إننا نناشد رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان بإصدار قرار سيادي عاجل بجدولة ديون القطاع الخاص المنكوب لمدة لا تقل عن عشر سنوات، وبضمان حكومي، مع إلزام بنك السودان المركزي بسد العجز لدى البنوك التجارية، عبر إنشاء نافذة تمويلية خاصة تحت مسمى “تسهيلات دعم الملاءة المصرفية للبنوك التجارية المتأثرة بالحرب”، وهو أمر معمول به عالميًا في الأزمات الكبرى.
كما نناشد وزير العدل الدكتور عبد الله درف، ونناشد النائب العام، بتفعيل قانون الظروف القاهرة، وهو قانون ساري المفعول في كل مناحي القانون السوداني – العقود، العمل، التأمين، التجارة – لكنه عُطّل عمدًا في ملفات التمويل، لتمكين البنوك من البطش بالضحايا، لا الشركاء ؛ إن التراخي في تفعيل هذا القانون هو تواطؤ قانوني لا يليق ببلد يسعى للعدالة.
وليتحمّل اتحاد أصحاب العمل السوداني مسؤوليته التاريخية، فقد أثبت عجزًا، وصمتًا، وتحوّل إلى جسد بيروقراطي أجوف لا يحمي عضويته، ولا يدافع عن القطاع الخاص الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد السوداني ؛ ونطالب بإعادة تفعيله أو حله وإعادة تشكيله على أسس تمثيلية حقيقية.
إننا أمام لحظة مفصلية: إما أن تنتصر الدولة لمواطنيها، أو تُعلن رسميًا تحالفها مع الفوضى الاقتصادية. هذا القرار — إن لم يُجمّد فورًا — سيؤدي إلى تسونامي اقتصادي لا يرحم، وسيهدم ما تبقى من ثقة المواطن في وطنه، وسيطيل أمد الشتات، ويُعمّق الهوة بين المواطن والدولة ؛ وسيعطل الإيرادات كالضرائب ، رسوم الانتاج ، التراخيص ، والجمارك ، وتفلس الدولة.
فلتعلموا أن الشعب الذي هبّ مع جيشه، لن يقبل بأن يُذبح على يد مؤسسات بلاده.
فإن أقدمت البنوك السودانية على الحجز والتنفيذ على عقارات وممتلكات المواطنين، دون اعتبار لما أصابهم، ودون رحمة أو تقدير لحجم الكارثة، فإنها — بلا مواربة — تكون قد شاركت في العدوان، وساوت أفعالها أفعال الميليشيا الإرهابية، فلا فرق بين من أحرق البيت بقذيفة، ومن استولى عليه بأمر قضائي جائر.




اريد التواصل مع مهند عوض لفضح ملف فساد.كبير في البنك المركزي