الإمبريالية الفرعية للإمارات في السودان: الثورة المضادة، والذهب، والإفلات العالمي من العقاب !!

المحقق- محمد عثمان ادم
حسام محجوب كاتب وسياسي محلل سوداني مقيم حاليًا في الولايات المتحدة الأمريكية – ووفقًا للملخص الموجز الذي قُدّم به مع هذه المقالة – كتب مقالًا جديدًا للغاية حول السودان والحرب الدائرة ودور الإمارات العربية المتحدة في ذلك. وقد تختلف معه سياسياً أو فكرياً لكن يظل ما طرحه في هذا المقال يستحق القراءة و التأمل إذ لم يقدمه من منظور جديد فحسب، بل قدم أيضًا حججًا وأدلة جديدة تُظهر بشكل لا لبس فيه تورط الإمارات العربية المتحدة في الحرب المدمرة الحالية في السودان. وقدم حججًا، تاريخية واقتصادية وعسكرية، تثبت – وهي صحيحة تمامًا – أن الإمارات العربية المتحدة تدعم قوات الدعم السريع، ليس فقط لخدمة مصالحها الخاصة، ولكن أيضًا للعمل “كقوة إمبريالية فرعية” في المنطقة، وخاصة في الشرق الأوسط وأفريقيا.
وقد قال كاميرن هدسون، الخبير الأمريكي المطلع على التطورات في شرق أفريقيا بشكل عام والسودان بشكل خاص، في تعليق على حسابه في منصة إكس(X) ، إن هذا المقال يستحق القراءة إذا أراد المرء فهم سياسات الإمارات العربية المتحدة وأنشطتها ومصالحها الخاصة في السودان وتداعياتها على جميع التطورات في البلاد.
ونُشر المقال في موقع “سبيكتور”، وهو موقع يساري، يدعو إلى نظرة ماركسية جديدة للتطورات الإقليمية والعالمية المختلفة، وقد تتبع العلائق و الوشائج بين الإمارات العربية المتحدة وقوات الدعم السريع إلى ما قبل اندلاع الحرب الحالية في 15 أبريل 2023.
يحمل المقال عنوانًا ذا دلالة: “الإمبريالية الفرعية للإمارات العربية المتحدة في السودان: الثورة المضادة، والذهب، والإفلات العالمي من العقاب”. ويبدأ بمقدمة قوية تجذب القارئ حتى يستوعب المقال كاملًا. يُصوّر المقال الدولة الخليجية كوكيلٍ يشق طريقه عبر صفوف الحياة السياسية السودانية، منذ الانتفاضة التي أطاحت بحكم الرئيس عمر البشير إلى التطور الذي أفضى إلى الاستيلاء العسكري على السلطة في أكتوبر 2021 الذي أطاح بحكومة عبد الله حمدوك .
كما أظهر المقال براغماتية الإمارات في التعامل مع كل من الجانب العسكري والجانب المدني في السودان بطريقة تجعلها أقرب إلى الثوار، ولكن في الوقت نفسه تتمتع بعلاقات ممتازة مع الجانب العسكري في السودان.
وفي ذلك يقول “تُعد الإمارات العربية المتحدة، كدولة هامشية تشارك في ممارسات إمبريالية داخل منطقتها بينما تظل معتمدة على الولايات المتحدة (أي على قوة إمبريالية أساسية)، تجسيدا للتحول إلى دولة إمبريالية فرعية الذي تمر به العديد من القوى الإقليمية الأخرى”.
وجادل بأن السودان اليوم ليس مجرد ساحة معركة بين فصيلين مسلحين. لقد كان مقبرة للنفاق الإقليمي والدولي ودراسة حالة في الإمبريالية الفرعية – الدولة الإمبريالية الفرعية هي دولة ليست قوة إمبريالية كبرى، ولكنها تتصرف بطرق تتماشى مع مصالح القوى الإمبريالية وتتصرف كإمبريالية داخل منطقتها. إن الحرب التي دمرت السودان منذ أبريل 2023 ليست مأساة سودانية فحسب؛ إنها مظهر من مظاهر نظام عالمي أوسع تُتعاظم فيه أهمية المصالح المالية والنفوذ العسكري والتحالفات الاستراتيجية أكثر من أهمية البشر و حياة الناس أو تطلعاتهم الديمقراطية. وفي قلب هذا التكوين تكمن الإمارات العربية المتحدة.
و أضاف أيضًا بأن مَن يعتقدون أن الإمارات العربية المتحدة تعمل بمفردها مخطئون، زاعمًا أن دور الإمارات في السودان ليس شاذًا، ذلك لأنه “جزء من مشروع متماسك وممول جيدًا وواسع النطاق إقليميًا: أجندة إمبريالية فرعية تجمع بين الاستخلاص الاقتصادي وبناء التحالفات الاستبدادية والسياسات المضادة للثورات تحت غطاء من التطور الدبلوماسي والشراكات العالمية. والسودان، للأسف، أحد مختبراتها المركزية.
وأجرى الكاتب جرداً لعدد من العوامل وراء الحملة الشرسة للإمارات في السودان وخارجه. حيث كان الربيع العربي أحد هذه العوامل، والتهديد باقتلاع الإسلاميين، والخوف من الضم كدولة صغيرة تتعرض باستمرار للتنمر من جيرانها والقوى الإقليمية والدولية، ولكن أيضًا داخل الدول العربية القريبة منها.
*من الربيع العربي إلى ثورة ديسمبر: تهديد لنظام الإمارات العربية المتحدة*
وتحت هذا العنوان الفرعي: “من الربيع العربي إلى ثورة ديسمبر: تهديد لنظام الإمارات العربية المتحدة”، جادل الكاتب بأن جذور الدور المدمر للإمارات العربية المتحدة في السودان تعود إلى أكثر من عقد من الزمان. في عام 2011، نظرت الإمارات العربية المتحدة (إلى جانب المملكة العربية السعودية) إلى الربيع العربي باعتباره تهديدًا وجوديًا لكل الأنظمة الأحادية في المنطقة ونموذجها الخاص للحكم: ملكية ريعية تعتمد على الإكراه والفساد وقمع المعارضة. مثّل نموذج سقوط كل من بن علي في تونس ومبارك في مصر وصعود الحركات الديمقراطية في ليبيا واليمن والبحرين، على أنها إنذارات مبكرة لعاصفة يجب احتواؤها بأي ثمن من قبل القيادة الإماراتية.
“لم يكن هذا مجرد رد فعل، حيث أصبحت الإمارات العربية المتحدة قوة مضادة للثورة النشطة”.
وأوضح أنه في ليبيا، دعمت حرب خليفة حفتر ضد الحكومة المعترف بها دوليًا، مما أدى فعليًا إلى تقسيم البلاد.
ويمضي الكاتب ليقول: “في السودان، أقامت الإمارات علاقات وطيدة مع حكومة عمر البشير، وفي السنوات اللاحقة، عززت تحالفها مع قوات الدعم السريع، وهي الميليشيا شبه العسكرية المولود القيصري لميليشيات الجنجويد التي ارتكبت فظائع ضد المدنيين والمتمردين”.
وأضاف: “شكّلت ثورة الشعب السوداني في ديسمبر 2018، والتي بلغت ذروتها بإطاحة البشير في أبريل 2019، تحديًا مباشرًا للمشروع الإقليمي للإمارات. كانت الثورة ديمقراطية، بقيادة مدنية، ومعادية للجيش بشكل صريح. لذلك- وفقا للكاتب – مثل ذلك معضلةً للإمارات: “كيف تحافظ على نفوذها في السودان دون أن تظهر بمظهر المعادي للثورة؟”
كان الحل مركباً ومعقداً زاوج بين الاستقطاب، وتكتيكات فرق تسد، والاستثمار العسكري طويل الأمد، وأبرزها في قوات الدعم السريع. وأوضح الكاتب في العنوان الفرعي “صعود قوات الدعم السريع: وكيل للنفوذ شبه الإمبراطوري” أن قوات الدعم السريع المتمردة بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) أصبحت الشريك الإماراتي المثالي.
ففي أبريل 2019، دبر حميدتي (إلى جانب قيادات في القوات والأجهزة الأمنية السودانية الشرعية) أمر الإطاحة بالبشير، خوفًا من انهيار النظام بسبب الثورة. وتولى البرهان وحميدتي قيادة المجلس العسكري الانتقالي وأصبحا لاحقًا القادة العسكريين للحكومة الانتقالية، التي كُلّفت في الأصل بحكم البلاد لمدة تسعة وثلاثين شهرًا.
و من ثم فقد ازدهرت علاقة الدعم السريع مع الإمارات العربية المتحدة.
وأعاد الكاتب إلى الأذهان أنه في عام 2015، أرسل نظام البشير مقاتلي قوات الدعم السريع إلى جانب مقاتلي الجيش السوداني للخدمة في الحرب التي تقودها السعودية على اليمن تحت قيادة الإمارات – وهي علاقة تعاقدية جمعت بين الاستعانة بمصادر خارجية عسكرية والشرعية السياسية. وفي المقابل، تلقى حميدتي أسلحة ودعمًا لوجستيًا وغطاءً دبلوماسيًا.
ثم طرح الكاتب حجة مثيرة للاهتمام مفادها أن الإمارات العربية المتحدة، كدولة هامشية تمارس ممارسات إمبريالية داخل منطقتها، بينما تظل معتمدة على الولايات المتحدة (أي على قوة إمبريالية مركزية)، تُجسّد التحول إلى دولة إمبريالية فرعية الذي تشهده العديد من القوى الإقليمية الأخرى. إنها تسعى إلى النفوذ دون حوكمة، والسلطة دون مساءلة. إن التشرذم، وضعف المؤسسات، والإهمال العالمي لدول أفريقية وشرق أوسطية مثل السودان وليبيا واليمن، وفّر مجالًا خصبًا لتدخل الإمارات العربية المتحدة في شؤون تلك الدول.
وجادل، مُحقًا، بأن حميدتي قدّم عنصرين رئيسيين للإمارات العربية المتحدة لتبنيه والاستمرار في ذلك منذ اندلاع الانتفاضة في أبريل 2019، لضمان تجنيده عناصر قوات الدعم السريع ورعاية قواهم الدبلوماسية والسياسية.
وكتب: “هذه العناصر هي القدرة على العنف – أي قوات مستعدة لقمع الاحتجاجات، وخوض الحروب، والقضاء على المنافسين – والوصول الاقتصادي، وخاصة إلى تجارة الذهب المربحة في السودان، التي سيطرت عليها قوات الدعم السريع بشكل متزايد”.
وعن تجارة الذهب يقول الكاتب أنه بين عامي 2013 و2023، عززت قوات الدعم السريع قبضتها على عمليات تعدين الذهب السودانية، وخاصة في دارفور والمناطق الطرفية الأخرى. ويتم تهريب جزء كبير من الذهب إلى الإمارات العربية المتحدة، التي أصبحت المركز الرئيسي للذهب السوداني.
وحدثت تطورات أخرى في السودان، مثل “انقلاب أكتوبر 2021” الذي حظي بحماية الإمارات العربية المتحدة.
ويقول إنه عندما نفّذت القوات المسلحة السودانية (بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان) وقوات الدعم السريع (بقيادة حميدتي) انقلاب 25 أكتوبر 2021، كان ذلك بمثابة النهاية الرسمية للانتقال الديمقراطي في السودان. لم يكن رد الإمارات العربية المتحدة هو الإدانة، بل كان دبلوماسياً. حيث دعت أبو ظبي علنًا إلى “ضبط النفس” و”الحوار”. وخلف الكواليس، حافظت على علاقاتها مع كل من البرهان وحميدتي، محوطةً رهاناتها مع الحفاظ على نفوذها.
ومع ذلك – يمضي الكاتب – ظلت قوات الدعم السريع الأداة الإماراتية الرئيسية، وتعمّقت روابطهما الاقتصادية – لا سيما من خلال الذهب.
و حين اندلعت الحرب الحالية في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، لم يكن من المفاجئ أن تكون قوات حميدتي مجهزة تجهيزًا جيدًا ومنسقة ومرنة على نحو غير عادي. وتعود قدرتها على الاستيلاء على أجزاء شاسعة من الخرطوم ومناطق أخرى في وسط وجنوب السودان، ونهب البنية التحتية، وبسط سيطرتهم في دارفور، إلى حد كبير إلى الدعم الخارجي الذي تلقته خلال السنوات السابقة، والأهم من ذلك، بعد اندلاع الحرب.
*إمبريالية الإمارات العربية المتحدة الفرعية في جميع أنحاء أفريقيا: الموانئ والذهب والقوة بالوكالة*
و يحاجج الكاتب بالقول إن السودان ليس وحده الساحة الوحيدة التي صدّرت فيها الإمارات نفوذها عبر القنوات العسكرية والاقتصادية والسياسية. فعلى مدى السنوات الخمس عشرة الماضية، وسّعت الإمارات العربية المتحدة نطاق نفوذها الاقتصادي في جميع أنحاء أفريقيا من خلال الاستثمارات في الموانئ والمطارات ومشاريع البنية التحتية. ولا تقتصر هذه المشاريع على المصالح التجارية فحسب، بل تُعدّ أيضًا بمثابة خطوات استراتيجية لتوسيع نفوذها. لدى الإمارات العربية المتحدة اتفاقيات تعاون عسكري واسعة النطاق واستثمارات ضخمة في الأراضي الزراعية، والطاقة المتجددة، والتعدين، والاتصالات، مما يجعلها لاعباً مهماً في الجغرافيا السياسية الإقليمية.
وتسعى الإمارات العربية المتحدة إلى النفوذ دون حوكمة، والسلطة دون مساءلة حيث يُوفّر التشرذم، وضعف المؤسسات، والإهمال العالمي لدول أفريقية وشرق أوسطية مثل السودان وليبيا واليمن، أرضًا خصبة لتدخل الإمارات العربية المتحدة.
في السودان، اتخذت هذه الاستراتيجية منعطفًا عنيفًا بشكل خاص نظرًا للمخاطر التي تنطوي عليها – الذهب، والموقع الجيوسياسي، والنفوذ السياسي على واحدة من أكبر الدول في أفريقيا – وبسبب ثورة السودان، التي وقفت على حبل مشدود. كانت قوات الدعم السريع، التي تعمل كجيش خاص ذي وظائف شبيهة بوظائف الدولة، الشريك المحلي المثالي للإمارات العربية المتحدة.
*حرب عام 2023: حمام دم بالوكالة دون مساءلة*
ومع تصاعد الحرب بين قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية في عام 2023، استفادت قوات الدعم السريع من الإمدادات المُجهزة مسبقًا، وسلاسل اللوجستيات، والملاذات الآمنة الإقليمية – وكلها علامات مميزة للدعم الخارجي. وأشار مراقبو حقوق الإنسان والصحفيون والناشطون السودانيون مرارًا وتكرارًا إلى دور الإمارات العربية المتحدة في الحرب. ومع ذلك، لم تُفرض عقوبات على أي مسؤول إماراتي. ولم يُمارس أي ضغط على أبوظبي لوقف تدفق الذهب أو الأسلحة.
واستمرت محادثات السلام والمؤتمرات في جدة وأديس أبابا والقاهرة والبحرين وجنيف ولندن، وغالبًا ما استبعدت أصواتًا مدنية بارزة، بينما سمحت للفصائل العسكرية بإعادة صياغة صورتها. واصلت قوات الدعم السريع الحصول على شرعية سياسية وإعلامية من وسائل الإعلام العالمية، بينما يتم التقليل من شأن جرائم الحرب التي ارتكبتها أو التعتيم عليها.
*شراكة يصعب الاستغناء عنها*
تُعدّ الإمارات العربية المتحدة شريكًا استراتيجيًا للغرب. فهي مشتري أسلحة، ومتعاون رئيسي مع نظام الإبادة الجماعية الإسرائيلي، وقناة استخبارات، ومركز مالي. وقد استضافت قواعد عسكرية أمريكية، وشاركت في عمليات مكافحة الإرهاب، واستثمرت بكثافة في الاقتصادات الغربية. باختصار، هي مفيدة جدًا بحيث لا يمكن معاقبتها.
وفي الأشهر الأخيرة من إدارة بايدن، كثّف بعض المشرعين الأمريكيين جهودهم لوقف مبيعات الأسلحة إلى الإمارات العربية المتحدة ردًا على تزايد الأدلة على أنها – على الرغم من التأكيدات السابقة على عكس ذلك – استمرت في توريد الأسلحة إلى قوات الدعم السريع. كان البيت الأبيض قد وافق في البداية على مراقبة امتثال الإمارات والتحقق منه، لكن إحاطة في يناير 2025 أكدت استمرار دعم الإمارات لقوات الدعم السريع. دفع هذا إلى إعادة العمل بقانون “الدفاع عن السودان”، الذي يحظر صادرات الأسلحة الأمريكية إلى الإمارات العربية المتحدة حتى توقف دعمها المادي لقوات الدعم السريع بالكامل، بحجة ضرورة استخدام النفوذ الأمريكي للمساعدة في وقف الحرب والإبادة الجماعية المستمرة.
وفي 5 مايو ، رفضت محكمة العدل الدولية دعوى السودان، متهما فيها الإمارات العربية المتحدة بانتهاك اتفاقية الإبادة الجماعية بتسليحها وتمويلها لقوات الدعم السريع. واستنادًا إلى تحفظ الإمارات على بند الاختصاص القضائي في المعاهدة، قضت محكمة العدل الدولية بعدم اختصاصها القضائي، ولم تُقيّم جوهر ادعاءات السودان.
و في 22 مايو، اتهمت وزارة الخارجية الأمريكية الجيش السوداني (القوات المسلحة السودانية) باستخدام أسلحة كيميائية خلال حربه الأهلية مع قوات الدعم السريع، وأعلنت عن عقوبات جديدة، شملت قيودًا على التصدير وتدابير مالية. إلا أن الحكومة الأمريكية لم تُقدّم أي دليل علني يدعم هذا الادعاء، ولم تتبع الإجراءات السليمة التي تفرضها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW) – وهي هيئةٌ يُشارك السودان في عضويتها، ويشغل عضوية مجلسها التنفيذي.
و يشير الكاتب إلى أن هذا الاتهام هو أحدث مثال على تحول سياسة ترامب الخارجية إلى سياسة “معاملاتية وفساد صريح” خلال ولايته الثانية. جاء هذا الإعلان عقب زياراته إلى المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة، حيث سعى إلى تأمين صفقات استثمارية للولايات المتحدة، وتوسيع مصالحه التجارية الشخصية ومصالح عائلته في المنطقة، حسبما ورد. ولطالما جادل العديد من المحللين بأن حرب السودان قد تطورت إلى صراع بالوكالة، حيث تدعم الإمارات قوات الدعم السريع، بينما تدعم المملكة العربية السعودية القوات المسلحة السودانية. ومع تزايد التدقيق العام والضغط الدولي اللذين يكشفان عن دور الإمارات العربية المتحدة في جرائم الحرب والإبادة الجماعية، يبدو أن إدارة ترامب تستخدم الاتهامات الموجهة للقوات المسلحة السودانية لصرف الانتباه وموازنة الرواية. ومن خلال هذه المحاولات، يأمل نظام ترامب في البقاء على مسافة متساوية من كل من الإمارات العربية المتحدة – قوات الدعم السريع والمملكة العربية السعودية – القوات المسلحة السودانية.
تشير هذه الاتهامات حتمًا إلى أوجه تشابه مع أحداث سابقة، لا سيما الضربة الصاروخية التي شنتها إدارة كلينتون عام 1998 في ذروة فضيحة لوينسكي على مصنع الشفاء للأدوية في السودان. زعمت الولايات المتحدة أن المنشأة كانت تُنتج أسلحة كيميائية مرتبطة بأسامة بن لادن، إلا أن التحقيقات اللاحقة لم تجد أدلة تُذكر تُؤيد هذا الادعاء، وخلص العديد من الخبراء إلى أن المنشأة مدنية. كما يُذكرنا هذا بغزو العراق عام 2003، الذي بُرِّر بادعاءات زائفة بوجود أسلحة دمار شامل. وقد ثبت في النهاية أن هذه الادعاءات مُلفَّقة بالكامل.
ثم يقول الكاتب إنه لا ينبغي فهم الاعتبارات السابقة على أنها تُبرئة للقوات المسلحة السودانية لكنها تُبرز مناورات إدارة ترامب المُضلِّلة لتعزيز العلاقات مع الخليج من خلال قلب الرواية مع استمرار فشلها في معالجة الحرب بفعالية.
*ثمن الصمت: المدنيون السودانيون يدفعون الثمن*
إن عواقب هذا الصمت الدولي ليست مجرد نظرية؛ بل هي حقيقية ومُرعبة. فقد قُتل مئات الآلاف، وشُرد ملايين آخرون، واضطر الكثيرون إلى العيش في مخيمات قذرة عبر الحدود أو في مدن مُحاصرة. لقد دُمرت البنية التحتية للبلاد، بما في ذلك الجامعات والمستشفيات والمؤسسات الثقافية، بشكل ممنهج فيما يُشبه حربًا متعمدة على المجتمع السوداني. كما أُبلغ عن عنف جنسي واسع النطاق، حيث زُعم أن قوات الدعم السريع تستهدف النساء والفتيات كأدوات حرب.
من ناحية أخرى، لم تختفِ المقاومة السودانية. بل تكيفت، وطبقت اللامركزية، وأعادت التواصل مع حلفائها العالميين. ويوفر الشعب السوداني، داخل البلاد وخارجها، المساعدات والخدمات الصحية والتعليمية التي تشتد الحاجة إليها. كما يُنظم ويوثق ويطالب بالعدالة. ما يحتاجونه هو التضامن لا الصدقة؛ المساءلة لا التعاطف.
ما يجب فعله: دعوة للتحرك
لوقف الحرب في السودان ومنع نشوبها في المستقبل، يجب علينا تحدي الجهات الفاعلة المحلية والجهات الدولية الداعمة لها. ويشمل ذلك فرض عقوبات على جميع الكيانات الأجنبية التي تُموّل أو تُسلّح قوات الدعم السريع، بما في ذلك الشركات والأفراد في الإمارات العربية المتحدة. كما يتطلب الأمر فضح الصراع وتفكيكه.
*تجارة الذهب عبر تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وخاصةً طرقها عبر دبي وعلاقاتها بتمويل قوات الدعم السريع*.
يقول الكاتب: يجب التحقيق في دور الإمارات العربية المتحدة في عمليات نقل الأسلحة، ويجب السعي إلى آليات قانونية دولية لوقف سلسلة التوريد هذه. كما أن دعم المبادرات المدنية السودانية – مثل غرف الطوارئ، ولجان المقاومة، والممرات الإنسانية، وجهود التوثيق التي يقودها الناجون، ووسائل الإعلام المستقلة – أمرٌ بالغ الأهمية. وأخيرًا، يجب علينا مواجهة المنطق السياسي للتحالف الغربي الخليجي، الذي يعامل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية كشريكين لا يمكن المساس بهما؛ ويجب ألا تكون العلاقات الاستراتيجية على حساب أرواح المدنيين.
و يختم الكاتب مقاله بخاتمة يقول فيها لا يزال تحقيق مستقبل مختلف ممكنًا. وهي المطالبة بالحكم المدني والعدالة الاجتماعية، بديلًا مقنعًا – بديلًا متجذرًا في الشرعية الشعبية، والمبادئ الديمقراطية، والتضامن العابر للحدود الوطنية. يتطلب تحقيق هذا المستقبل أكثر من مجرد التعبير عن الدعم للجهات المدنية السودانية الفاعلة؛ بل يتطلب مواجهة حاسمة مع الأطر السياسية والاقتصادية الدولية التي دعمت الاستبداد والتدخل الأجنبي والتزامٌ يقاوم التنازل عن المصالح الاستراتيجية أو التحالفات الجيوسياسية.



