
قلقٌ يومي ينتاب الأسواق السودانية وحركة التجارة الداخلية والخارجية بسبب الهبوط المستمر لقيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية.
هبوطَ متواصل دون أسباب واضحة للعيان يفتح الأبواب لتحليلات تحتمل الخطأ والصواب،
وعلى الجانب الآخر يتميز الاقتصاد السوداني بموارد ومقومات تؤكد على أن من شأن عملته أن تكون مستقرة، فالزراعة والصناعة والتعدين والنفط كلها موارد تدر النقد الأجنبي للخزينة العامة، و هذا ما تؤكده التقارير والأوراق، ولكن تطبيقه على أرض الواقع يواجه صعوبات كثيرة على مر السنين.
ثم جاءت الحرب الأخيرة لتحدث الشرخ الأكبر في بنية الاقتصاد السوداني وتكبله بمزيد من الخسائر وتصوب نحو الجنيه السوداني زخات متوالية من الذخيرة الحية فيخسر ما يقدر بنحو الـ( 600%) من قيمته التي كان عليها قبل الحرب، فتهبط قيمته من 545 جنيه مقابل الدولار إلى 3500 جنيه !!
وهنا يبرز السؤال لماذا لا تساهم الصادرات السودانية بقيمتها وجودتها وتفردها، في رفد الخزينة العامة بالعملات الحرة وتساهم في المحافظة على قيمة الجنيه السوداني واستقرارها؟ وهل الخطأ في السياسات أم في ممارسة التصدير؟
في هذا التحقيق الصحفي يحاول موقع “المحقق” الإخباري الإجابة على هذه الاسئلة.
تحقيق : نازك شمام
أصل الحكاية:
في الثالث والعشرين من شهر يناير الماضي، أصدر بنك السودان المركزي منشورًا يحوي على موجهات التمويل للعام 2025 وبموجب هذه الموجهات حظر المركزي على المصارف والشركات التابعة لها تمويل عدد من المجالات من بينها التجارة المحلية بما في ذلك شراء الحبوب الزيتية، وعلى الرغم من السماح لقطاع التمويل الأصغر بتمويل التجارة المحلية إلا أنه استثنى شراء الحبوب الزيتية لأغراض التجارة المحلية.
وتعد الحبوب الزيتية والتي تتضمن السمسم والفول السوداني أحد أبرز الصادرات السودانية، بالإضافة إلى الصمغ العربي، والماشية الحية واللحوم والذهب، وهو ماكان يعتمد عليه الاقتصاد قبل الحرب.
وبعد الخامس عشر من شهر أبريل 2023، وعقب اندلاع الحرب، خسرت حركة الصادرات نحو (60 %) من قيمتها بفعل إغلاق المطار الرئيسي بالبلاد، وتوقف العمل بمعظم الموانيء الجافة، علاوة على اضطرابات سلاسل التوريد الناتجة عن الحرب، مما أدى إلى تراجع عائدات الصادرات من العملات الصعبة، وتراجع إنتاج السودان من الذهب من 18 طنًا في العام إلى 6 طن فقط خلال أشهر الحرب الأولى، وفقدت الخزانة السودانية عائدات صادرات الذهب التي كانت تعادل (50 %) من الصادرات بقيمة ملياري دولار.

أرقام وإحصائيات صادمة:
أرقام وإحصائيات صادمة حواها الموجز الاحصائي الصادر من بنك السودان للفترة من يناير – يونيو 2025 مقارنة بذات الفترة من العام 2024 والذي إطلع عليه “المحقق”، ويكشف التقرير عن انخفاض قيمة الصادرات السودانية خلال النصف الأول من العام الجاري إلى (1.354,914) مليار دولار مقابل (3.134,487 ) مليار دولار لذات الفترة من العام 2024م.
وبالنظر إلى تفاصيل بعض الصادرات فإن صادر الذهب هو الوحيد الذي ارتفعت قيمته خلال النصف الأول من العام الجاري إلى (839.900) مليون دولار مقارنة بـ (733.437) مليون دولار لذات الفترة من العام السابق، وفي المقابل انخفض صادر السمسم إلى (150.103) مليون دولار مقابل (211.593) مليون دولار في العام 2024 بينما حقق صادر الفول السوداني (1.634) مليون دولار خلال الست أشهر الأولى من العام الجاري مقارنة بـ(164.732) مليون دولار العام الماضي، وسجل صادر الصمغ العربي (48.163) مليون دولار مقابل (53.967) مليون دولار وبلغت قيمة صادر الضأن (164.550) مليون دولار مقارنة ب (238.438) مليون دولار بينما حقق صادر الإبل (30.152) مليون دولار مقابل (68.478) مليون دولار وتدنى صادر اللحوم إلى 16 الف دولار مقابل (1.885) مليون دولار.
السمسم وعقبة التمويل:
ويقول عضو إتحاد أصحاب العمل، وعضو غرفة المصدرين، مهند عوض محمود إن بعض القرارات الحكومية أثرت على انسياب الصادر بالصورة المثلى.
وأضاف: “على سبيل المثال في العام 2024 البنك المركزي أصدر منشور لكنه لم يشر إلى تمويل المحاصيل، واستمر القرار بأن البنوك التجارية غير مسموح لها بتمويل شراء السمسم بغرض الصادر”.
وأوضح مهند في حديثه مع “المحقق” أن السمسم يحتاج إلى رأس مال كبير ولا تسطيع أي شركة الحصول على تلك الأموال حتى تتمكن من شرائه وتصديره .
وأشار إلى أن المصدرين يعتمدون على البنوك في التمويل لسلع الصادر، وكان مسموحاً للشركة بالمساهمة بنسبة (10%) والبنك بنسبة(90 %) وهذا يعد من ضمن محفزات التصدير وهذا تم إلغاؤه في 2024.
وأكد عضو اتحاد أصحاب العمل أن الشركات أصبحت تعمل برأس مال بسيط وهذا لا يحقق أرباح تذكر ، وقال إن الحرب عطلت الكثير من الشركات وأن هناك شركات خرجت من السوق بعد أن فقد الكثيرون رأس مالهم. وأصبحت ثلاث أو أربع شركات تعمل فقط.
ولفت مهند إلى أن قرارات الحكومة لم تكن متناغمة مع الظرف الذي تمر به البلاد وأضاف أن قرار منع البنوك تمويل الصادر، والذي استمر طوال عامي 2024 – 2025 قرار غير موفق.
وعزا عضو اتحاد أصحاب العمل خروج السمسم من قائمة التصدير إلى المنافسة السوقية في السوق العالمي نتيجة لارتفاع تكاليف الإنتاج التي بلغت في المتوسط (1450) دولار للطن تسليم بورتسودان.
وأردف قائلًا إن الدول الأخرى المنتجة للسمسم كانت أسعارها أقل من السمسم السوداني، وعلى سبيل المثال البرازيل انتجت سمسم بكميات كبيرة وسعر الطن فقط ب (900) دولار باكستان تبيع الطن (1230) دولار ونيجيريا (1280) دولار وتشاد (1280) دولار لأن السمسم النيجيري في الأصل سمسم تشادي وكذلك الحال في إثيوبيا التي يقل سعر السمسم فيها عن السوداني، ولذلك لم نعد منافسين في السوق العالمي وهذا أدى إلى ركود وعدم انسياب السمسم السوداني للتصدير.
وشكا مهند من السياسات التي اتخذتها الحكومة السودانية تجاه الصادر وقال: “عوضاً عن المساعدة في تخفيض سعر تكلفة السمسم للمنافسة في الأسواق العالمية، إلا أنها زادت من التكاليف حيث أصبح سعر نقل طن السمسم من القضارف إلى بورتسودان من 50 – 75 ألف، أي بزيادة 50 %”.
وقال إن حكومة القضارف كانت تأخذ 2 ألف جنيه على جوال السمسم لدعم المجهود الحربي “معركة الكرامة” وتم رفعها إلى 5 ألف جنيه.
وزاد: “لا توجد إحصائية للسمسم المصدر خارج البلاد، وإذا كانت هناك إحصائية فإن المُباع من السمسم السوداني لا يتجاوز الـ 20 % لعدم القدرة المنافسة في السوق العالمي نسبة لارتفاع الأسعار”.

المنافسة العالمية تمنع الفول السوداني من الصدارة:
وعن الفول السوداني يقول مهند عوض إن الفول يتصدر الصادرات السودانية بكميات ضخمة، وتعد الصين أكبر دولة مشترية له، خاصة النقاوة والمقشور. بعد الحرب، انتقل السوق إلى الدبة وتأثرت حركة الصادر بالمعارك التي شهدتها ولاية الجزيرة و ولاية سنار،
في الفترة من نوفمبر 2023 إلى 2024. ولكن رغم ذلك أصبح يأتي لمدينة الدبة ولكن بأسعار مرتفعة بسبب كثرة الرسوم، مما أدى إلى صعوبة تغطية التكاليف. حيث يكلف تصدير الفول حوالي (1200) دولار، بينما سعره في الخارج يبلغ (950) دولار. هذا العام لم نصدر كيلوغرام واحد من الفول.
وأشار إلى أنه بعد تحرير الجيش لبعض المناطق، بدأت البضائع تنساب إلى بعض الأسواق مثل الدبة وكوستي، مما أدى إلى انخفاض الأسعار. وأضاف أن رأس المال التجاري السوداني هاجر إلى دول مثل الكونغو وإثيوبيا وتشاد.
أما بالنسبة لمحصول حب البطيخ، فيقول عضو غرفة الصادرات، مهند عوض، إن المشاكل التي واجهت صادر السمسم والفول تنطبق أيضًا على حب البطيخ. فعلى الرغم من الإنتاج الكبير، تعرض المصدرون لخسائر فادحة بسبب توقف سوق الهند، الذي يعد أكبر سوق لشراء حب البطيخ في العالم.
سياسات مقيدة:
سخر مهند عوض من السياسات التي يتبعها بنك السودان، والتي تسمح للبنوك التجارية بتمويل صادرات الصمغ العربي، بينما هو غير متوفر حاليًا بسبب سيطرة مليشيا الدعم السريع على مناطق الإنتاج، ويتم تهريبه إلى جنوب السودان ويُعرض في ميناء ممباسا الكيني. بينما يمنع تمويل السمسم والفول المتوفران في مناطق سيطرة الحكومة، وأضاف أن من العوامل التي تسهم في ارتفاع سعر الدولار هو السماح باستيراد السيارات. وطالب بأن تكون الأولوية لتمويل الصادرات لزيادة تدفق العملة الصعبة. وأكد أن سياسات بنك السودان التي تمنع تصدير الذهب أدت إلى تهريبه، مما يجعل المهربين هم المشترين الوحيدين له.

عقبات في طريق صادرات اللحوم
ويقولً رئيس شعبة مصدري اللحوم ، د. خالد المقبول ان الصادرات السودانية كافية جدا في ظل الحرب أن تحقق أرقاماً كبيرة وأن يكون لها مردود كبير في دفع فاتورة الحرب والتنمية وتحقيق استقرار للعملة الوطنية.
واكد على أن السياسات الاقتصادية تحول دون ذلك بما يتطلب مراجعتها وتعديلها .
ونوه المقبول في حديثه مع “المحقق” إلى أن السياسات الاقتصادية أقعدت بعملية الصادر.
وأشار إلى أن هنالك عدم التزام ببعض التوجيهات والسياسات التي تكون مفيدة لعمليات الصادر
وأوضح أن الحرب ساهمت بشكل كبير في إطالة خطوط توصيل عمليات الصادرات من مواقع الإنتاج إلى مؤاني التصدير بما يشكل تهديدا للصادرات الحية مثل الخضر والفاكهة إذ أنها تصل إلى المؤاني في حالة سيئة نتيجة طول المسافة والاجهاد فضلا عن ارتفاع تكلفة النقل.
وأوضح المقبول أن تعدد الجبايات والازدواجية في تحصيلها خاصة في مناطق التمرد أفرز مشاكل أخرى وأدى إلى ضعف قدرة الصادرات السودانية على المنافسة في الأسواق العالمية لافتاً إلى ارتفاع تكلفة جميع الخدمات الخاصة بالصادرات.
وأشار المقبول إلى أن الحرب اقعدت بقطاع الصادر لاسيما بعد عمليات النهب والسرقة التي تعرض لها المصدرون وتنامي الاحساس بعدم الأمان
وكشف عن وجود مشاكل في الاجراءات المالية البنكية موضحاً أن بنك السودان لديه إجراءات عقيمة ضد الصادر مثل اصراره على شراء حصائل الصادر بالاسعار القديمة للدولار والتي لا تتجاوز ال 560 جنيه في الوقت الذي يتجاوز سعر الدولار اليوم ال 3000 جنيه
وقال المقبول إن الظروف الحالية كلها ضد الصادر وضد المصدرين مطالبا بايجاد سياسات تراعي تحفيز الانتاج والصادر.
وأشار إلى أن منشور السياسات المصرفية للعام 2025 ليس به شئ جديد وغير محفز للصادرات وليس به أي استبطان لروح النهضة وللتعافي ووصف التعامل المصرفي مع قضية الصادرات بأنه جاف جدا وفوقي.
وأكد على أن السياسات الموضوعة كان لابد لها بأخذ رأي أصحاب الشأن من المصدرين إلا أن ذلك لم يتم بسبب وضع الاتحادات التي تم تجميدها وحلها عدد من المرات.
وقال المقبول إن كل هذه العوامل أدت إلى عدم استطاعة الصادر السوداني أن يحقق إيرادات كبيرة من العملة الأجنبية للمساهمة في استقرار قيمة الجنيه السوداني.
وبشأن صادر اللحوم كشف المقبول تعطيل وتدمير جميع المسالخ الموجودة في البلاد بسبب الحرب
وأكد أن إعلان السودان لتفشي مرض الكوليرا جعل المملكة العربية السعودية باعتبارها اكبر دولة مستوردة للحوم تطالب بشهادات صحية للعينات لإثبات أنها خالية من المرض
وأوضح أن هذه الشهادات تستخرج من معامل حاصلة على شهادة الايزو 17025 مبينا أنه لا توجد معامل في السودان حاصلة على هذة الشهادة
وأشار إلى أنه على رغم جهود الشعبة في هذه القضية إلا أنها لم تسفر عن نتيجة.
وكشف عن أنه ومنذ إعلان الكوليرا وحتى اليوم توقف صادر اللحوم الى المملكة العربية السعودية
وأشار إلى ظاهرة تصدير الماشية الصغيرة المستخدمة في صادر اللحوم إلى السعودية مما أثر على الصادر وساهم في ارتفاع اسعار اللحوم داخليا مشددا على أهمية منع هذه الظاهرة

المحسوبية تطفئ بريق الذهب
غير أن رئيس شعبة مصدري الذهب، عبد المنعم الصديق ذهب إلى إتجاه مُغاير حول عدم إمكانية أن يساهم صادر الذهب في تحقيق استقرار للجنيه السوداني، الصديق يؤكد على أن المحسوبية التي تمارسها الحكومة السودانية لبعض شركات الذهب تقف خلف التدهور المريع للجنيه السوداني وتدهور الاقتصاد السوداني.
وطالب الصديق في حديثه مع “المحقق” رئيس الوزراء بإجراء تحقيق حول الكميات التي صدرتها هذه الشركات وهل عائد صادر الذهب تم استخدامه في استيراد المواد البترولية أم هناك عائد تم تجنبيه لصالح هذه الشركات.
وأكد على أن هناك جهات وشركات تقف خلف التدهور المريع للجنيه السوداني على الرغم من أن إنتاج الذهب يفوق الـ (60) طنًا في العام الماضي.
وبلغ إنتاج السودان من الذهب خلال العام 2024 (64) طنًا تم تصدير 31 طن بقيمة (1.55) مليار دولار وفقا ٌلإحصائيات حكومية.
انتعاش سوق الوراقة
أما صادر الصمغ العربي فيعاني من تضاؤل حجم الإنتاج خلال سنوات الحرب بحسب رئيس شعبة مصدري الصمغ العربي، أحمد الطيب العنان الذي يرى أن الحرب أغلقت الصادر بالإضافة إلى أن ارتفاع السعر المحلي أخرج الصادرات من المنافسة العالمية.
وأكد العنان في حديثه مع “المحقق” وجود فوضى في أسواق المحاصيل فضلًا عن ارتفاع رسوم الشحن والجبايات على الطريق.
وأتفق العنان مع ما ذهب إليه مهند عوض حول عقبة التمويل البنكي حتى في السلع التي يسمح لها بنك السودان بالتمويل مثل الصمغ العربي، وصعوبة وصول حصائل الصادر عبر البنوك المحلية وبدلا من البنوك فإن أغلب البنوك التي تتعامل مع السودان متواجدة في دولة الإمارات العربية المتحدة.
وأشار إلى أن قيام بنك السودان بحظر الشركات الفاعلة في الصادر نتيجة تأخر حصائل الصادر ساهم في إنعاش التصدير خارج القنوات أو ما يعرف شعبيا بـــ”سوق الوراقة”.



