الفنطوط ذهب… البمشي الذهب شنو؟

دكتور عبد اللطيف البوني
كان ذلك اليوم من سبتمبر 1999 يوماً غير عادي لأنه شهد بداية تصدير النفط السوداني… حيث كان الاحتفال به مهيباً و كبيراً … وارتفع سقف الأماني والأحلام الشعبية ووصل عنان السماء… إذ لم يكن الحدث سياسياً أو اقتصادياً فقط بل كان فرحة شعبية… كان عيداً اجتماعياً…إذ ساد شعور بأننا خطونا الخطوة الأولى نحو الدولة البترولية ….وأن كل أرض السودان سوف تتفجر بترولا وغازَا وتمني … وأننا سنقول لدول الخليج (انتي شن بتعرفي في الرفاهية)… لدرجة أن أحدهم كتب محذراً من نظام الكفيل..
الحال هكذا حاولت النظر في الجزء الأعلى من الكوب… فكتبت في اليوم التالي للاحتفال في عمود حاطب ليل بجريدة “الرأي العام” تحت عنوان احذروا هذا الفنطوط….والفنطوط في دارجية وسط السودان تعني الطفل خاصة إذا كانت لديه ميول نحو الشغب… وقلت إن كمية البترول المستخرجة قليلة والذي سترها هو ارتفاع الأسعار في ذلك الوقت… وقلت إنه حسب معلوماتي أن هذا البترول مستخرج الآن من أقل مناطق السودان بترولاً… وكان في ذهني كلام الدكتور أحمد زكي يماني وزير النغط السعودي السابق… عندما ساله الأستاذ حسن ساتي في برنامج تلفزيوني كان يبثه تلفزيون السودان عن بترول السودان… فتبسم الدكتور واكتفى بالقول إن قرار استخراج النفط في السودان قرار سياسي … وكان يومها الحديث عن الاستكشافات التي كانت تقوم بها شركة شيفرون في الجزيرة …وشركات أخرى في وسط السودان إلى منطقة أبو جابرة… ثم الإعلان عن وجود النفط وبكميات كبيرة… كان ذلك على أيام نميري..
صديقي الأديب الشاعر المجيد السفير خالد فتح الرحمن… بعد أن قرأ العمود يومها…. اتصل بي معجباً بمفردة الفنطوط ومتسائلا من أين (نكتها)… وفي نفس الوقت متسائلا عن التشاؤم الخفي الوارد في العمود والذي لا يفوت على مثله… وبالطبع لم يتهمني بأنني أريد أن أفسد بهجة يوم الناس ذاك… لأنه يعلم أنني فرح للفرح الذي عم القرى والحضر…
بالفعل كان النفط السوداني فنطوطاً خرب الدنيا وسلف… نعم أعطى البلاد جبدة نفس… وركز سعر الصرف وزاد عدد العمارات في الخرطوم وفي طولها … ولم يعد حي العمارات الذي أسسه عبود هو الوحيد… وملأ البلاد حديد عربات… الأمر الذي أغرى الجماعة فقالوا رواكيب بلدنا أهم من عمارات وعربات الخرطوم… وهاك يا خراب… وأنا ما بفسر وانت ما تقصر… عائد النفط للأسف لم يذهب للتنمية الزراعية ولا غيرها… ولا للبنيات التحتية… وهذة قصة طويلة تعرضنا لبعضها سابقاُ… ولكن الأهم والآخطر أنه فصل الجنوب… ومن المؤكد أنه لولا وجود النفط لما تشجع الذين خلفوا جون قرنق من القوميين الجنوبيين للاسراع بالانفصال… نعم دعاوي الانفصال قديمة بدأت منذ منتصف الخمسينات وتعملقت مع أنانيا الأولى… ولكن حركة قرنق تجاوزته فتم تحييد جون قرنق فحدث ما حدث… وهذه قصة أخرى… لكن المؤكد أن وجود النفط في جنوب السودان كان المحفز الأساسي للانفصال ولولاه لكان هناك حلا فدراليا أو حتى كونفدراليا..ليتهم استفادوا منه فقد جعل منهم دولة ريعية بائسة تأكل في بنيها أكلا..
بعد انفصال الجنوب (الذي شال بتروله ومشى) على وزن شلت طيارتي ومشيت… ظلت لوثة التعدين مركبة في عقل الدولة السودانية القديمة….فاتجهت إلى الذهب فابنشق التعدين الأهلي … وهجر الناس الزراعة… ثم ظهرت الحيتان الكبيرة في شكل شركات ومؤسسات وأفراد… لابل أخذت الدولة توزع في مناطق التعدين على شكل اقطاعيات… ففقدت وزارة المالية السيطرة عليه وهاك يا تهريب وهاك يافساد… والأخطر كان ربط ذلك بحمل السلاح… كما حدث للدعم السريع الذي أطلقت يده في استخراج الذهب وتصديره والتجاره فيه…. فأصبح جيشاً موازياً ومركزاً اقتصادياً أغنى من الدولة… ثم بقية الحركات المسلحة لكل مناجمها… فظهر لوردات الحرب بما في ذلك المعدنون تحت راية الحكومة… وفشلت كل محاولات بنك السودان للسيطرة على صادر الذهب… وستظل طيارات ترك طيارات تطير… الراكة محملة سلاح وحاجات تانية مقرفة … والطايرة محملة ذهب… سوف يكتشف الناس أن هذا الذهب هو جوكر هذه الحرب… وهو المسؤول عن استمرارها…. ليس الذهب وحده فهناك معادن أخرى شغالات مع الذهب وقبله … وما قصة اليورانيوم بعيدة… وربما تكون هناك معادن أخرى نحن لا نعلمها ولكن الآخرون يعلمونها ويلعبون بها… (ويضقلوا بينا)… فما أجهلنا بأرضنا وما أجهلنا بحالنا…
من الآخر كده تجربتنا مع المعادن مؤلمة ومؤذية… فالمعادن تحتاج لدولة قوية لتزيدها قوة… أما المعادن في الدولة الضعيفة فسوف تلحقها أمات طه… وهنا ليس السودان وحده… الأمثلة على قفا من يشيل…. صناعة ما عندنا ولن تكون في المدى المنظور… ليس أمامنا إلا الزراعة وما أوسع فرصنا فيها… لكن يا كافي البلا ويا حايد المحن التقول في زول عامل لينا فيها عمل…. فإذا تكلمنا عنها أو كتبنا فيها نعتبر كمن يغرد خارج السرب… هذا إذا لم يقال لنا انتو فاكا منكم…



