البرهان في القاهرة…بداية جديدة وتغيرات مرتقبة

القاهرة – المحقق – صباح موسى
زيارة خاطفة لرئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان إلى القاهرة، قد تعكس فصلا جديدا في مواصلة تحقيق السلام بالمنطقة، وربما تعلن أن السودان هو المحطة القادمة لقطار تسوية الأزمات الصعبة.
الوفد المشارك
واستقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي، أمس “الأربعاء”، الفريق إول البرهان، بحضور وزير الخارجية المصري الدكتور بدر عبد العاطي، ورئيس المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد، ومن الجانب السوداني وزير الخارجية محي الدين سالم ، ومدير عام جهاز المخابرات العامة الفريق أول أحمد ابراهيم مفضل، والسفير السوداني بالقاهرة عماد الدين عدوى.
مناقشة التطورات
البيان الذي صدر عن الرئاسة المصرية أوضح فيه المتحدث الرسمي باسمها السفير محمد الشناوي، أنه تمت مناقشة تطورات الأوضاع الميدانية في السودان، والجهود الدولية والإقليمية الرامية لوقف الحرب وتحقيق الاستقرار في السودان، وقال أن السيسي أكد في هذا الصدد ثوابت الموقف المصري تجاه السودان، مشدداً على دعم مصر الكامل لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، ورفضها القاطع لأي محاولات من شأنها تهديد أمنه أو النيل من تماسكه الوطني أو تشكيل أي كيانات حكم موازية للحكومة السودانية الشرعية.
الدعم المصري
من جانبه، أعرب رئيس مجلس السيادة السوداني عن بالغ تقديره للدعم المصري المتواصل، وجهود الرئيس في هذا الخصوص، وهو الأمر الذي يُجسّد عمق العلاقات الأخوية بين الشعبين، ويسهم في جهود السودان للخروج من أزمته الراهنة واستعادة الأمن والاستقرار، وأضاف المتحدث الرسمي للرئاسة المصرية أن اللقاء تناول أهمية الآلية الرباعية كمظلة للسعي لتسوية الأزمة السودانية، ووقف الحرب، وتحقيق الاستقرار المطلوب، وأعرب الرئيسان عن التطلع لأن يسفر اجتماع الآلية الرباعية الذي سوف يعقد في واشنطن خلال شهر أكتوبر الجاري عن نتائج ملموسة بغية التوصل لوقف الحرب وتسوية الأزمة، وأشار المتحدث الرسمي إلى أن الاجتماع تطرق إلى مستجدات ملف مياه النيل، وجدد الجانبان رفضهما القاطع لأي إجراءات أحادية تُتخذ على النيل الأزرق، بما يتعارض مع أحكام القانون الدولي ذات الصلة، وشدد البرهان في هذا الصدد على وحدة الموقف بين مصر والسودان، وتطابق مصالحهما إزاء قضية السد الإثيوبي، واتفق الرئيسان، في هذا الإطار، على تعزيز وتكثيف آليات التشاور والتنسيق بين البلدين لضمان حماية الحقوق المائية المشتركة.
زخم السلام
تأتي زيارة البرهان للقاهرة هذه المرة، والمنطقة تشهد حالة من زخم السلام فرضتها قمة شرم الشيخ، مايعطي انطباعا قويا بأن بشريات السلام قد تكون هي العنوان الأبرز في الفترة المقبلة لإنهاء صراعات هي الأصعب والأعنف، كما يعكس مجئ البرهان إلى العاصمة المصرية على هذا النحو السريع والمفاجئ بأن هناك الكثير والمهم يريد الرئيسان مناقشته في هذا التوقيت، خصوصا مع وجود زيارة مبرمجة لرئيس مجلس السيادة إلى مصر نهاية الشهر الجاري لحضور افتتاح المتحف المصري، مايعني أن وصول البرهان للقاهرة قبلها بأسبوعين جاء لأمر سريع وضروري.
حديث مختلف
الساعات القليلة التي زار البرهان فيها القاهرة أمس، راج فيها حديث عن لقاء رئيس مجلس السيادة برئيس الوزراء السابق الدكتور عبد الله حمدوك وكذلك مبعوث الرئيس الأمريكي في المنطقة مسعد بولس وهو ما لم تثبت صحته كونه محض أقاويل وتحليلات، فيما تؤكد الزيارة أنه ربما هناك حديث مختلف لكيفية التعاطي مع وقف إطلاق النار في السودان، في وجود إطار للحل من قبل الرباعية الدولية (أمريكا والسعودية ومصر والإمارات)، وبرغم رفض السودان للرؤية التي طرحتها الرباعية من قبل، إلا أن وجود مصر فيها يمثل عامل أمان كبير للسودان، ويبدو أن القاهرة أرادت أن تنسق مع السودان قبل إجتماع الرباعية القادم المقرر عقده نهاية أكتوبر الجاري، وقد يكون للقاهرة – التي من الواضح أنها باتت الشريك الإقليمي في حلحة أزمات المنطقة وبطبيعة الحال الوضع في السودان على رأس هذه الأزمات – قد يكون لها مقاربة جديدة تريد أن تقرب فيها بين رفض السودان القاطع لدور إماراتي ورؤية الرباعية، فهل تستطيع القاهرة لعب هذا الدور الذي يؤكد ثوابتها الراسخة بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للسودان والحفاظ على مؤسساته الوطنية، وعدم المساس بوحدته وأمنه واستقراره وسلامة أراضيه؟
لملمة الأطراف
القاهرة أيضا يمكنها أن تواصل دورها في لملمة الأطراف السياسية السودانية من جديد، فقد نجحت في يوليو من العام الماضي في إحداث هذا الإختراق الكبير بإجلاس الفرقاء السودانيين لأول مرة منذ اندلاع الحرب في الخامس عشر من أبريل 2023، هذا الدور يبدو أن الإتحاد الأفريقي فشل فيه على مدى ثلاث جلسات، اثنين منهما حدثتا بالفعل في أديس أبابا، أما الإجتماع الثالث الذي كان مقرراً عقده بدايات الشهر الجاري تحفظت عليه معظم القوى السياسية السودانية، وعلى الأرجح أن تركز القاهرة على الملف السوداني بعد أن حققت نجاحات كبيرة في ملف غزة، ومن المتوقع أن تحرك مصر ساكنا على صعيد الأزمة السودانية في الأيام المقبلة، على مساراتها الثلاثة وقف إطلاق النار والسياسي والإنساني.
الشريك الأكبر
من الواضح أن المجتمع الدولي بات مقتنعا أن مصر هي الشريك الأقدر على حل الأزمة السودانية، وأن ثوابتها للحل في السودان لا يمكن المناص منها، في وقت تثق فيه القيادة السودانية كل الثقة في الموقف المصري، ويبدو أنه آن الآوان لأن تنتهي الأزمة السودانية بحل يرتضيه الشعب السوداني، لكن كيف يتحقق ذلك على أرض الواقع، مع اتجاهات لفرض آراء لعودة مليشيا الدعم السريع للمشهد السوداني من جديد، وهذا أمر بات من المؤكد أن الغالبية من الشعب السوداني ترفضه، ولذلك فإن على القاهرة دوراً كبيراً يمكن أن تلعبه بأفكار خارج الصندوق لحل هذه الأزمة التي ينبغي أن تكون البداية الحقيقية لحلها ضرورة التوصيف الصحيح للأزمة بأن في السودان تمرداً على الدولة، حتى تستطيع أن تصل إلى نتائج مرضية، أما عملية فرض حلول بغرض خدمة أجندات إقليمية ودولية فإنه أثبت بما لا يدع مجالا للشك أنه سيزيد من أمد الحرب التي بات الشعب السوداني نفسه طرف أساسي فيها.
توقيت مهم
مساعد وزير الخارجية المصري ومسؤول ملف السودان في الخارجية المصرية السابق السفير حسام عيسى يرى من جانبه أن الزيارة تأتي في توقيت مهم سواء على مستوى العلاقات الثنائية بين البلدين أو على مستوى تطورات الأوضاع في السودان، أو استغلالا للزخم في المنطقة بعد نجاح مؤتمر شرم الشيخ وتحقيق وقف إطلاق النار والتقدير الكبير الذي لمصر، مشيرا إلى التطورات العسكرية على أرض الميدان والمجازر التي ارتكبتها المليشيا مؤخرا في قصف مركز ايواء الأرقم بالفاشر، وإلى الغارات على الدبة وأم درمان، وإلى الضحايا المدنيين، وإلى الحصار الموجود على الفاشر وتجويع أهلها، كما أشار إلى الإنتصارات التي يحققها الجيش في كردفان.
التنسيق بين الجانبين
وقال عيسى سفير مصر السابق بالخرطوم لـ “المحقق” إن الزيارة تأتي أيضا والفترة المقبلة سوف تشهد إجتماعاً في الشهر الجاري للرباعية، وكان لابد من التنسيق بين الجانبين فيها حتى تكون مخرجات هذا الإجتماع متفقة مع التطورات في الميدان العسكري ومع أهداف القوات المسلحة خصوصا وأن مصر هي الأقرب في الرباعية إلى الدولة السودانية، مضيفا أن هذه الزيارة تأتي في اطار استكمال الترتيبات المتعلقة بالعودة الطوعية لعدد كبير من السودانيين بعد تحرير الجيش لعدد كبير من المدن بالبلاد، مشيرا إلى المشروعات المشتركة التي تجري حاليا باعادة تأهيل مصر لكوبري شمبات والحلفايا وميناء وداي الحلفايا، وزيادة الربط الكهربائي بين البلدين، مشددا على أنه لا يمكن حل أي أزمة بالمنطقة بمعزل عن مصر. موضحا أن الزيارة جاءت كذلك لإعطاء رسالة واضحة لإثيوبيا نتيجة لاستهتارها للتعامل في سد النهضة وعدم التزامها بكافة القوانين الدولية، وقال إن هذا الاستهتار بدا واضحا في الفترة الأخيرة بفتح بوابات السد دون التنسيق مع دولتي المصب ما أدى إلى فيضانات في غير وقتها في السودان والتي لم يكن مستعدا لها، مضيفا لولا وجود السد العالي لأحدث ذلك أضرارا في مصر.
مرجعية الرباعية
من جهته أشار رئيس تحرير صحيفة التيار عثمان ميرغني أن بيان الزيارة المصري تناول أهمية الآلية الرباعية كمظلة للسعي لتسوية الأزمة السودانية، ووقف الحرب، وتحقيق الاستقرار المطلوب، وأن الرئيسين أعربا عن التطلع لأن يسفر اجتماع الآلية الرباعية القادم عن نتائج ملموسة بغية التوصل لوقف الحرب وتسوية الأزمة. وقال ميرغني في عموده حديث المدينة اليوم ” الخميس” إن الوضع تجاوز الاعتراف بمرجعية الرباعية في حل الأزمة السودانية إلى الانخراط العملي في ترتيبات الحل وخارطة الطريق، مضيفا هذا يعني عمليًا أن الرباعية دشنت تحولها إلى (خماسية) بانضمام السودان رسميًا، أو ربما للتخفيف يمكن وصفها بأنها صارت (آلية 4+1)، وتابع لكن هل يوفر انضمام السودان ضمانًا لبلوغ الحل المنشود، بالطبع لا.



