مدغشقر، ظلام فى نهاية النفق

السفير عطا المنان بخيت
حققت ثورة الجيل زد في مدغشقر ما لم تحققه ثورات النظائر الأخرى في أفريقيا، ربما لأن الهدف كان واضحا لشباب مدغشقر، وهو ذهاب الرئيس أندرى راجولينا وأركان حكمه. لقد كان الشباب الثائر فى ساحة الحرية فى العاصمة أنتاناناريف، ومدن البلاد الأخرى مُصراً على تحقيق هدفه، مما أغرى جنرال معروف بمغامراته السياسية لقيادة إنقلاب شبه دستوري، مستغلاً مطالب الشباب المشروعة.
من المبكر تكييف ما حدث فى مدغشقر يوم 14 أكتوبر الجاري، هل هو انتصار لثورة الشباب أم هو سرقة للثورة، وهل هو إنقلاب أم هو قفز على مقعد السلطة الذى ظل شاغراً في وقت لا يحتمل الفراغ. لمحاولة فهم ما جرى فى مدغشقر نحتاج أن نسترجع شريط الأحداث.
إستمرت ثورة الجيل زد حوالى ثلاثة أسابيع، كانت شرارة الثورة تزداد لهيبا يوما بعد يوم، رفع الشباب مطالب خدمية تماما كما فعل رصفاؤهم فى المغرب ونيبال وبنغلادش وغيرها. أهم مطالبهم كانت من الصعب الممتنع، إصلاح شبكة الكهرباء المهترئة فى البلاد، وتوفير مياه صالحة للشرب في جزيرة كبيرة مالحة المياه، وإيجاد حل لأزمة البطالة المستفحلة، ولتحقيق ذلك إشترط الشباب الثائر مغادرة الرئيس وحاشيته للسلطة تماماً.
مطالب الشباب المشروعة حرضت سيلاً من الجماهير للإنضام إليهم فى كل الحواضر الكبرى، ودفعت هشاشة الوضع السياسي شريحة مهمة من الجيش لمساندة الشباب والإنحياز إليهم. ومع تدهور الوضع الأمني آثر الرئيس راجولينا السلامة وغادر البلاد سراً إلى وجهة مجهولة، قيل أنها منتجع دبي فى الإمارات. وبغياب الرئيس إضطر البرلمان للإعلان رسمياً أن منصب رئيس الجمهورية بات شاغراً. هذه التطورات المتسارعة دفعت الكولونيل ميتشل راندريانينا، لملء الفراغ الدستوري وإعلان نفسة رئيسا، ليس للجمهورية، وإنما رئيسا لإعادة تأسيس الجمهورية، حسب المسمى الجديد الذى أطلقه على نفسه. ولذلك يمكن أن نسمى ماحدث فى أكبر جزيرة فى القارة الأفريقية، نصف إنتصار للشباب، ونصف إنقلاب على الشرعية الدستورية.
ومع ذلك تظل الأسئلة الحيرى تتناسل، هل يستطيع الجيش خلال الفترة الإنتقالية التى حدد سقفها بعامين تحقيق مطالب الثورة الشبابية؟ وهل ينجح الجيش فى تحقيق الإستقرار السياسى الذى طال إنتظاره في مدغشقر؟
إذا استذكرنا التاريخ السياسي للجزيرة، وطبيعة التحديات التي تواجهها، يبدو أن الطريق سيكون شائكا أمام الجيش لتحقيق تطلعات الثورة ذات السقف العالى. لا سيما وأن مدغشقر بلد موبوء بالمشكلات والإضطرابات السياسية، منذ إستقلالها عن فرنسا فى العام 1960. فباستثناء فترة حكم الرئيس الأسبق ديديه راستاريكا التى استمرت لمدة سته عشر عاما، فإن الجزيرة لم تشهد إستقرارا سياسيا أبدا. وحتى الرئيس الهارب راجولينا وصل للسلطة مسنودا بإنقلاب عسكرى.
من جانب آخر فإن إصلاح خدمات الماء والكهرباء، والتى كانت وقودا محركا للثورة يبدو صعبا فى ظل الوضع الإقتصادى المتردي، وتغلغل الفساد في الخدمة العامة بشكل سرطانى. فالبلاد فقيرة جدا رغم مواردها، حيث يعيش 70% من السكان تقريبا، بدون خدمات كهرباء، وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن كل 8 من 10 أشخاص يعيشون تحت الحد الأدنى للفقر، وتحتل مدغشقر الدرجة 140 فى سلم الفساد من جملة 180 دولة، ويدخل سوق العمل سنويا حوالى نصف مليون شاب، ولا يجدون وظيفة. وعليه فإن إصلاح الخدمات يحتاج الى فاتورة ضخمة، قد لا يستطيع الشعب دفعها، كما أنه يحتاج وقتاً ليس بالقصير، والثورات لا تنتظر.
ربما يكون الوقت مبكراً للحكم على تجربة القيادة العسكرية الجديدة فى مدغشقر، ولكن هناك معالم مهمة فى طريق الإصلاح وإعادة البناء، حري الأخذ بها. وأهمها إشراك الشباب فى أجهزة الإنتقال الجديدة، ووضع جدول واضح لمسيرة الإنتقال واحترامه، ونظرا لوعورة طريق الإصلاح فإن الترياق الأهم هو الشفافية والحوار الشامل مع كل مكونات الشعب الملقاشى، ليكونوا شركاء فى التغيير والتخطيط للمستقبل.
ومنتهى القول أن ماحدث فى مدغشقر، مهم وتاريخي، ويمثل إنتصار لإرادة القوى الفاعلة من الشعب، ولكنه يفتح الباب لتحديات كبيرة تحتاج كثيراً من الحكمة والصبر، حتى يكون ماحدث، تغييرا فى التوجه وليس تغييرا فى الوجوه.



