رأي

البيان مزدوج المعايير

 

د. إيناس محمد أحمد

تحكي الأسطورة أن الشيطان جاء لثلاثة من الرجال الاتقياء وسألهم ماذا لو أعطيتم قدرة لتغيير شئ في الماضي فقال الأول سأمنعك من أن تخرج أبوينا (آدم وحواء) من الجنة ويسقطوا إلى الأرض حتى نعيش جميعاً في الجنة ، وقال الثاني أريد أن أمنعك أنت عن معصية الله تعالى فلا تأثم وتدخل النار ، أما الثالث فلم يرد علي الشيطان بل سجد على ركبتيه و قرأ آية الكرسي فصرخ الشيطان واختفى ، فسأله الأول والثاني لماذا فعلت ذلك يا أخي ؟ فقال لهم أولاً يجب علينا أن لا نتحاور مع العدو طالما نعرف كيفية هزيمته.
ثانيا لا أحد يملك القدرة علي تغيير الماضي .
ثالثاً لم تكن مصلحة الشيطان أن يختبرنا بل همه أن نتعلق بالماضي ونهمل الحاضر وهو الفرصة التي منحنا الله إياها لنبني المستقبل ونتخذ القرار فيه.

هكذا الحكمة تقول إن علينا ألا نتعلق بالماضي ، وأن نتطلع إلى المستقبل ما دمنا نؤمن بقضيتنا وموقفنا الصحيح وألا نتحاور أو (نتفاوض) مع العدو ما دمنا نستطيع هزيمته، لكن علينا الانتباه كيف يرى الآخرون قضيتنا ويتفاعلون معها ؟

أهم هذة التفاعلات ما حدث يوم الأثنين 20 أكتوبر 2025م ، حيث صدر بيان عن مجلس الاتحاد الأوروبي يتناول الحرب التي اشتعلت في بلادنا في 15 أبريل 2023م و تأثيراتها الممتدة علي الصعيد الداخلي والخارجي، لكن بداية ماهو مجلس الاتحاد الأوربي؟

هو ثالث مؤسسات الاتحاد الأوروبي السبع (EU) حسب ما نصت عليه اتفاقية الاتحاد الأوروبي ، تأسس في الأول من يوليو 1967م، ويكون هو والبرلمان الأوروبي الآلية القضائية للاتحاد الأوروبي.
تتناوب الدول الأعضاء فيه على رئاسته كل ستة أشهر وتتخذ قراراته بالأغلبية أو بالاجماع.

هذا المجلس يحدد أطر السياسة الخارجية والأمنية للدول الأعضاء ، بما يشكل استراتيجية مشتركة أو سياسة موحدة تجاة دولة أو قضية معينة و بالتالي يكون ما اتفق عليه ملزم لجميع دول الاتحاد الأوروبي.

هذا المجلس خلال انعقاده مؤخراً إدان استمرار الحرب في السودان والتي قتلت الآلاف وتسببت في معاناة إنسانية هائلة للشعب السوداني على مدار أكثر من عامين – هذا ما ذكره البيان الصادر عن المجلس – ثم أوضح مجلس الاتحاد الأوروبي أنه لابد من أن تتواصل جميع الأطراف بما يخدم تحقيق (أربعة مطالب) تتمثل في ما يلي :
1/الانخراط في مفاوضات تهدف إلى وقف فوري لإطلاق النار والمشاركة في عملية وساطة شاملة تؤدي إلى وقف دائم للعدائيات ووصول المساعدات الإنسانية.
2/إقامة حكم مدني.
3/حماية المدنيين .
4/استعادة القانون وتحقيق المساءلة والعدالة.

المجلس أيضاً أبدى قلقه حول وحدة السودان وسلامة أراضيه، وكذلك تدهور الوضع الإنساني في السودان وذكر أن الصراع تسبب في أسوأ كارثة إنسانية عالمية حالياً.

علي الضفة الأخرى ، انتقدت الحكومة السودانية ما ورد في بيان مجلس الإتحاد الأوروبي ، لأنه وضع الأمور بغير إنصاف وتجاهل سيادة البلاد ووحدة أراضيها-(التي أعرب عن قلقه عنها) -رغم أن الحكومة السودانية متعاونة ومنفتحة علي المجتمع الدولي والأفريقي ، كذلك المساوة الظالمة والمجحفة بين القوات المسلحة والمليشيا المتمردة ، وهو أمر مرفوض من قبل الشعب السوداني ، فكيف تساوي بين جيش وطني شرعي يقوم بواجبه الوطني الدستوري تجاه البلاد ، وبين مليشيا متمردة خارجة على القانون؟

لم يتطرق البيان رغم اهتمامه بـ”حقوق الإنسان” للحصار القاتل علي مدينة الفاشر، ولم يتطرق لاستخدام المليشيا المتمردة التجويع كسلاح حرب ضد المدنيين، ولم يذكر القتل والإبادة الجماعية والعنف والاغتصاب والنزوح القسري وتوجيه الهجمات العشوائية على المدنيين والمرافق المدنية بصورة ممنهجة ومستمرة، والغريب أنه أيضا لم يلمح لعدم انصياع المليشيا الإرهابية للقرارات الدولية ، وأولها قرار مجلس الأمن رقم 2736 للعام 2024م.

بيان مجلس الاتحاد الأوروبي إغفل موقف الحكومة السودانية حين وافقت علي تسهيل عمل منظمات الإغاثة لفتح ممرات إنسانية والعمل علي وصول المساعدات الإنسانية للمدنيين في حين رفضت المليشيا بل هاجمت وسرقت ونهبت قوافل المساعدات الإنسانية.

أشار البيان إلى الحاجة للعمل علي ايجاد هدنة ! لمن ؟؟ القوات المسلحة لا تحتاج لهدنة هي تقوم بواجبها الدستوري والوطني وهي منتصرة بحمدالله ،، إذن لماذا الهدنة ؟؟؟ هل لتلتقط المليشيا أنفاسها المقطوعة وتلملم أطرافها الممزقة بعد هزائمها المتلاحقة؟؟ لتعود لقتل الشعب السوداني واغتصاب حرائره وسرقة ونهب ممتلكاته والنيل من مقدراته أم لماذا ؟؟
للأسف بيان المجلس الأوروبي جاء يحمل الكثير من صور ازدواجية المعايير في التعامل مع السودان ، فالتغافل عن تجاوزات وجرائم المليشيا الإرهابية لن يُحدث سلاماً ولن يوقف حربا.

البيان (الأوروبي) أشار إلى ضرورة وقف (الدعم) لمن يمدون الأطراف بالسلاح والعتاد دون أن (يجرمهم )، رغم أن المجلس يعرف قرار مجلس الأمن رقم 1591 الصادر في مارس 2005م بحظر الأسلحة علي إقليم دارفور ، وفي ذلك مخالفة صريحة للقانون الدولي ، إلا أن المجلس تناول الموضوع وكأنه لا يعرف من الذي يمول المليشيا بالمال والمرتزقة والسلاح والعتاد ، ولا يحترم هذا القرار وينتهك القرارات الدولية ، بل ويشارك في الرباعية بكل وقاحة !!!

المدهش أن البيان انتقل إلى تناول تأثيرات الحرب في السودان ، وتقاطعاتها مع المصالح الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي ولدول الجوار في مكافحة الارهاب والاتجار بالبشر ، والهجرة غير الشرعية وأمن البحر الاحمر ، دون مراعاة لمتطلبات تحقيق السلام داخل السودان أولا ، وتقديم الجناة للعدالة أولا ، وإيقاف الحرب أولا ، ومن ثم إيقاف تأثيراتها علي كل ما ذكر .

العجيب أن البيان لم يجرم المليشيا الإرهابية وما ارتكبته من جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي وثقتها منظمات دولية وإقليمية ونشرت في وسائل إعلام دولية ووطنية ، وظهرت في تقارير اليونسيف وفي تقارير لجنة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة ، البيان فقط أدان(الصراع) الذي يراه مهدداً (لمصالح) الاتحاد الأوروبي في المنطقة ، بمنظور مادي ضيق، بعيد عن حقوق الإنسان والحفاظ علي السلم والأمن الدوليين.

للأسف العالم يتغافل عن حقيقة واضحة وراسخة أقرها القانون الدولي عبر مبادئه ، وهي أن صاحب القرار الشرعي الوحيد هو (الشعب) وفق مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام سيادة واستقلال الدولة، وأن الشعب هو مصدر السلطات ، فهو من يقرر ويحكم ويحدد في الدفاع عن أرضه وعرضه وتطهير البلاد من المرتزقة والعملاء والخونة ، و الشعب السوداني هو من فوض القوات المسلحة في حرب الكرامة ضد المليشيا الإرهابية المتمردة .
لن تتوقف الحرب إلا باجتثاث سرطان المليشيا الإرهابية ، وتطهير الأرض من جرائمها وتحقيق المساءلة والعدالة بالفعل .
وعلي الآليات الدولية – إن كانت جادة بالفعل في إنهاء الحرب وتحقيق السلام – أن تساند رؤية الحكومة السودانية والشعب السوداني في تحقيق السلام والاستقرار، ،وأن تحترم سيادة السودان على أراضيه واتخاذ قراراته دون وصاية من أي جهة ، فصاحب المشكلة هو من يمتلك مفاتيح الحل الصحيح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى