
المحقق – نازك شمام – هالة حمزة
بزي عسكري، جلس وزير المالية والتخطيط الاقتصادي ، د. جبريل إبراهيم الخميس الماضي في اجتماع مجلس الوزراء ببورتسودان لعرض وإجازة موجهات وسمات موازنة العام المالي 2026. ربما أراد الوزير أن يعطي دلالة أن ممثلي “سلام جوبا” في الحكومة الاتحادية، يشعرون بالألم الذي يحس به أهل دارفور وموطني الفاشر جراء الانتهاكات المروعة التي ارتكبتها في حقهم مليشيا الدعم السريع.
وعلى الرغم من أحداث كردفات و دارفور ، خصص مجلس الوزراء برئاسة د.كامل إدريس جلسة في غير موعدها الراتب لإجازة السمات العامة لموازنة الدولة. وتعد موازنة العام المالي 2026 هي الموازنة الثالثة للاقتصاد السوداني بعد اندلاع الحرب في أبريل 2023، ومنذ ذلك الوقت ووزارة المالية توسم الموازنة بالطارئة.
تضمنت سمات الموازنة إلاهتمام بإعادة تأهيل المنشآت والبنى التحتية وإعادة الإعمار وتهيئة البيئة وتوفير الخدمات الأساسية اللازمة لعودة الحكومة والمواطنين للخرطوم.
وتتمثل أهم مبادئ ومرتكزات الموازنة في المحافظة على أمن وسيادة البلاد ،الاعتماد على الموارد الذاتية ، ترتيب أولويات الإنفاق العام مع تطبيق الحوكمة والشفافية وسيادة حكم القانون وتأكيد وحدة الموازنة وولاية وزارة المالية على المال العام ،واستمرار التركيز على التحول الرقمي والاهتمام بالإعلام لخدمة مصالح البلاد العليا وتعزيز التخطيط الاستراتيجي وتأكيد أهمية دور القطاع الخاص.
وتُركّز الأهداف العامة للموازنة على التعافي والاستقرار الاقتصادي وتحقيق الإنضباط المالي ورفع كفاءة إدارة المال العام وتعظيم الإيرادات وخفض عجز الموازين الداخلية والخارجية وتقوية شبكات الحماية الاجتماعية وخلق وظائف للخريجين وإدماج القطاع غير الرسمي في الاقتصاد ، وتوفير تمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
ويرى المحلل الاقتصادي، د. وليد دليل أن وضع الاقتصاد الراهن وسط الظروف التي يعاني منها السودان يتطلب من وزارة المالية أن تعمل على تحديد أهداف واضحة عبر تقييم الوضع الحالي للاقتصاد ووضع استراتيجيات مرنة لإدارة النفقات والإيرادات، مع التركيز على الأهمية الحيوية للدفاع والمساعدات الإنسانية.
وأوضح أن هذا النوع من التخطيط يتطلب إدارة فعالة للمخاطر، والتخطيط للسيناريوهات المتوقعة، ومتابعة مستمرة للموازنة مع القدرة على التعديل السريع لمواجهة التغيرات الطارئة.
وقال دليل في حديثه مع “المحقق” إن هنالك خطوات للتخطيط المالي متوسط الأجل في ظل الحرب يجب على وزارة المالية أن تتبعها من بينها تحديد الأهداف المالية من خلال وضع أهداف واقعية وواضحة خلال فترة الحرب، مع إعطاء أولوية قصوى للميزانيات الدفاعية والأمنية، بالإضافة إلى تخصيص الموارد اللازمة للمساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار.
وأضاف ” يجب تقييم الوضع المالي الحالي عبر جمع وتحليل شامل لبيانات الإيرادات (النفط، الضرائب، المساعدات الخارجية)، والنفقات الحالية، وأي التزامات أو ديون قائمة.
ودعا دليل إلى توسيع الإيرادات و البحث عن مصادر جديدة للإيرادات، مثل زيادة الضرائب على بعض السلع أو الخدمات، أو السعي للحصول على قروض من مؤسسات دولية. ولفت الى ضرورة إدارة الديون والتفاوض مع الدائنين لإعادة جدولة الديون، أو تأجيل بعض المدفوعات.
ونبه إلى أن الأوضاع الحالية بالبلاد تتطلب إدارة المخاطر والتنبؤ بالسيناريوهات عبر تحديد المخاطر المالية المحتملة (مثل تراجع أسعار النفط، أو انخفاض الاستثمارات)، واستخدام أدوات مثل تخطيط السيناريوهات لوضع خطط بديلة لمواجهة أي تطورات سلبية محتملة.
بدوره أكد الخبير الاقتصادي أحمد بن عمر أن الموازنة الجديدة تعتمد على النهج الكلاسيكي، وتختلف عن الموازنات السابقة التي أجيزت منذ اندلاع الحرب.
وأوضح ابن عمر في تصريح لـ”المحقق” أن الموازنة الجديدة تتضمن التزامات تجاه الإعمار وبنود صرف جديدة في المناطق التي استعاد الجيش السيطرة عليها. وأضاف أن تحقيق إيرادات جيدة يتطلب عمل العاصمة الخرطوم والأسواق بشكل كامل، مشيرًا إلى أن الضرائب والرسوم ستكون المصدر الأساسي للإيرادات، وأن عودة النشاط الاقتصادي في المناطق الآمنة التي استعادها الجيش، خاصة الخرطوم، مرتبط بقدرة الحكومة على توفير إيرادات إصلاحية لمرحلة ما بعد الحرب.
وقال إن الحكومة حددت الأولويات الرئيسية للفترة المقبلة، وتشمل الإعمار، والمجهود الحربي، وإعادة تشغيل المؤسسات والمقار الحكومية، وربطها بمصادر الإيرادات.
وأضاف أن التحول الرقمي يُعد أحد المرتكزات الرئيسية، حيث أصبحت الدفعات الحكومية تتم عبر القنوات الرسمية في بعض الولايات.
وأوضح أن مشروع الرقمنة يحتاج إلى دعم لمدة ثلاث سنوات على الأقل ليكتمل.
وحذر من أن عدم توفير الإيرادات سيؤدي إلى اللجوء لطباعة العملة، مما يزيد العجز.
واقترح استخدام الشهادات المالية لخفض العجز المالي من خلال أسواق الخرطوم للأوراق المالية.
وأكد أهمية دمج القطاع غير الرسمي في الاقتصاد من خلال المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ودعا البنوك إلى توفير التمويل اللازم لها.
كما نادى بضرورة معالجة بند المرتبات في ضوء التضخم الكبير وارتفاع أسعار العملات الأجنبية.
من جهته قال المحلل الإقتصادي د.هيثم فتحي إن موازنة الحكومة في السودان صارت موضع جدل كبير منذ العام 2020 حيث جرى تغيير كبير على شكل الموازنة وقيمتها وأهدافها.
وأوضح أن الحكومات الإنتقالية سعت لتغطية العجز في الموازنات عبر الضرائب باستحداث أوعية جديدة وزيادة الرسوم عليها، وتحسين إجراءات التحصيل الضريبي ومكافحة التهرب لزيادة الإيرادات، بجانب السعي لضبط الإنفاق العام وترشيده، وحسم إنفلات التضخم الناتج عن الإصدار النقدي بدون تغطية، والاعتماد على القروض المحلية والخارجية لتمويل إيرادات الموازنة بالعجز.
وقال فتحي: إن هذه الإجراءات لتخفيض العجز هي خارج سيطرة السلطات المالية لأسباب ترتبط بالظروف الأمنية الحاضرة وتأثيرها على الاقتصاد.
وأشار لأثر العقوبات الاقتصادية الدولية والخسائر الكبرى لدى مؤسسات القطاعين العام والخاص السالب على الموازنة في تراجع إيراداتها.
وطالب محلل مالي، تحدث لـ”المحقق”، وفضل حجب هويته، بأهمية تركيز الموازنة الجديدة على تنويع مصادر المالية العامة لإزالة إختلال التوازن الهيكلي، وإصلاح النظام الجمركي والضريبي، وإعادة إعمار وتطوير القطاعات الإنتاجية، وإحكام التنسيق بين السياستين المالية والنقدية لتجاوز عقبات تمويل الموازنة وشح الإيرادات بسبب الحرب.
وعلى صعيد متصل أكد المحلل الإقتصادي د.كمال كرار لـ”المحقق” أنه لا توجد موازنة حقيقية منذ العام 2022 نتيجة غياب البرنامج السياسي الاقتصادي الاجتماعي الذي يشكل مرجعية لأي موازنة.
وقال كرار: إن سمات وأهداف ميزانية العام الجديد المكررة سنويا لا يمكن توصيفها كملخص يعتد به لموازنة حقيقية.
وأشار إلى أن التوجيه للانفاق الحكومي للعام القادم بإستمرار تلبية متطلبات المجهود الحربي، ومنح الأولوية للصرف العسكري والأمني يؤكد عدم الاستقرار والتعافي الاقتصادي التي ترد في سمات الموازنة لان الحرب والاقتصاد لا يلتقيان أبداً.
ولفت لتسبب الحرب في إرتفاع معدلات التضخم وإنهيار الجنيه وغلاء الأسعار، ودعا لضرورة الإسراع في إيقافها والبحث عن برنامج إعمار قابل للتنفيذ ومحاولة إستنهاض القطاعات الإنتاجية والخدمية التي دمرتها الحرب.



