اقتصاديةتقارير

السودانيون تحت خط الفقر .. الحرب تُفاقم الجوّع والمُعاناة

المحقق – نازك شمام
“لقد انتقلت من خانة الطبقة الوسطى إلى الفقيرة”، هكذا يُعبر عبدالله إبراهيم عن وضعه بعد الحرب، إبراهيم الذي كان يمتلك محلًا في السوق العربي وسط الخرطوم، لبيع الاسبيرات المستعملة، ويكسب منه دخلًا يكفي أسرته الصغيرة والكبيرة، ويوفر بعض المدخرات لمجابهة الطوارئ، ولكنه بعد الحرب، وبعد نهب محله وسرقة منزله، أصبح بلا عمل، ومع مرور الوقت، تآكلت مدخراته بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة في الولايات، إلى أن اضطر للعيش في أحد مراكز الإيواء.

الآلاف من الأسر، بعد عامين ونصف من الحرب التي شنتها مليشيا الدعم السريع على الشعب السوداني، أصبح حالها مثل حال إبراهيم، فتدنى مستوى معيشتها ، ووجدت نفسها بلا عمل ولا سكن ولا مدخرات، وأصبح تدبير معيشتها اليومي همًا لا يفارقها.

نسبة الفقر:
وعلى الرغم من أن نسبة الفقر في السودان طالما كانت مصدرًا لإثارة الجدل لاعتبارات الموارد الضخمة التي يمتلكها السودان إلا أنها كانت من أعلى النسب وسط تشكيك في صحتها.

والسبت الماضي كشف وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية السوداني معتصم أحمد صالح، عن ارتفاع نسبة الفقر في البلاد من 21% إلى 71% وفقًا للتقارير الرسمية، كنتيجة مباشرة للحرب الدائرة في البلاد، وأن نحو 23 مليون مواطن سوداني يعيشون تحت خط الفقر.

وأكد الوزير أن الحكومة تعمل، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة، على خفض معدلات الفقر عبر تنفيذ مشروعات إنتاجية وخلق فرص عمل جديدة تسهم في تحسين سبل المعيشة.

المسؤولية الاجتماعية:
وشدّد الوزير على أهمية توظيف أموال المسؤولية الاجتماعية بصورة مباشرة في المشروعات الإنتاجية والخدمية التي تمس حياة المواطنين، بما يسهم في تخفيف حدة الفقر والبطالة والانتقال من مرحلة الإغاثة إلى التعافي والتنمية المستدامة، فضلًا عن تعزيز شراكات الضمان الاجتماعي بين القطاعين العام والخاص.

وأشار صالح إلى أن عددًا كبيرًا من المواطنين فقدوا مصادر دخلهم بسبب الحرب، ما يستدعي تفعيل مشروعات التمويل الأصغر كأداة لدعم الإنتاج المحلي، لافتًا إلى وجود خطوات جارية لتسهيل شروط وضمانات التمويل بالتنسيق مع بنك السودان المركزي.

وأضاف الوزير أن الحكومة تعمل على زيادة سقوف التمويل وإجراء تعديلات على اللوائح الحالية، بما يمكّن المواطنين من الوصول بسهولة إلى التمويل اللازم لتنفيذ مشاريعهم الإنتاجية، مؤكدًا أن دعم الأسر المنتجة والمشروعات الصغيرة يمثل أحد محاور الخطة الحكومية لمعالجة الآثار الاقتصادية والاجتماعية للحرب.

نسب غير دقيقة:
وبدوره، يرى الخبير الاقتصادي دكتور عمر محجوب أن النسبة التي ذكرها وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية بشأن معدلات الفقر في السودان غير دقيقة.

وقال محجوب في تصريح لـ”المحقق” إن هناك قصورًا في تقارير الدخل ونسب الاستهلاك المتعلقة بالمعيشة، مشيرًا إلى أن العديد من الأسر التي تعتمد على مساعدات من أقارب خارج السودان لا يتم احتسابها ضمن معدلات الفقر، وقد زادت أعدادها منذ اندلاع الحرب.

وأضاف محجوب أنه يمكن الاعتماد على النسبة الواردة في التقارير بعد إضافة نسبة تتراوح بين 5% إلى 8% إليها.
وأوضح أن معيار خط الفقر الذي حدده البنك الدولي للدول المنخفضة الدخل، وهو 3 دولارات يوميًا، يصعب تحقيقه للعديد من السودانيين، مما يعزز الشك في دقة النسب المعلنة.

وشدد على أن محاربة الفقر تتطلب سنوات طويلة من العمل الجاد وتنفيذ الخطط الاستراتيجية، مشيرًا إلى أهمية تحقيق نمو اقتصادي مستدام، وزيادة الاستثمار لخلق فرص عمل جديدة، وتطوير البنى التحتية، وتنمية رأس المال البشري. وأكد على دور الدعم الحكومي للغذاء وتطبيق سياسات ضريبية عادلة وخفض الرسوم العشوائية التي تؤثر سلبًا على محدودي الدخل.

ودعا إلى دعم الأسر المنتجة من خلال تعزيز التمويل الأصغر وضمان مشاركة ديوان الزكاة والجمعيات الخيرية في تقديم الضمانات اللازمة لهذا التمويل. كما أكد على أهمية ضمان مجانية التعليم والصحة كجزء أساسي من استراتيجية محاربة الفقر.

وختم بالتأكيد على ضرورة تفعيل دور ديوان الزكاة وتطوير أساليب تقنية حديثة لحصر المحتاجين وجمع الزكاة بشكل فعال.

حافة الفقر :
بدوره يقول الصحفي المتخصص في الشؤون الاقتصادية، عبد الوهاب جمعة إن الحرب في السودان أدت إلى انزلاق ثلثي السكان إلى حافة الفقر، معتبرًا أن نسبة 71% من السودانيين داخل دائرة الفقر تعكس الواقع الحالي بدقة.

واستند في حديثه مع “المحقق” إلى إحصائيات الأمم المتحدة التي تشير إلى أن 20 مليون سوداني يحتاجون إلى إغاثة عاجلة، بالإضافة إلى 10 ملايين لاجئ خارج البلاد.

وأكد جمعة أن الحرب لم تسبب فقط في وفاة الأشخاص ونزوحهم، بل أدت أيضًا إلى فقدان معظم السودانيين لمدخراتهم، مما جعل من الصعب على من بقي داخل البلاد تلبية احتياجاتهم اليومية.

وأوضح أنه من الصعب في الوقت الحالي أن تعتمد الحكومة على برامج لانتشال المواطنين من الفقر، مشيرًا إلى ضرورة التركيز على منع المزيد من الأشخاص من الانزلاق إلى الفقر وتقديم المساعدة لمن وقعوا فيه بالفعل.

وشدد على أهمية حشد الموارد الداخلية في ظل عدم تدفق الاستثمارات الأجنبية، واقترح فتح باب التمويل الأصغر، خاصة للنساء، كأحد الآليات الفعالة لتخفيف حدة الفقر.

ودعا الحكومة إلى اتخاذ إجراءات لتخفيف الأعباء على المواطنين، مثل تقليل الجمارك على المنتجات الأساسية مثل الأسمدة والبذور والطاقة الشمسية، وتخفيف الضرائب على صغار التجار والعاملين في التجارة لتحفيز الاقتصاد.

وطالب بضرورة وضع برامج إسعافية قصيرة الأمد تستهدف قطاعات معينة في المجتمع لمدة ثلاثة أشهر لتحريك الاقتصاد المحلي، مؤكدًا أن هذه البرامج يجب أن تركز على استعادة ما فقده المواطنون لمنع المزيد من التدهور والانزلاق نحو الفقر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى