الدعم السريع واستراتيجية التوحش (2-2)

لواء (م) دكتور عادل حسن
في عام 2013 دعت الحاجة لإنشاء قوة عسكرية مساندة للجيش تتمتع بنفس التكتيك والأسلوب الذي تستخدمه الحركات المسلحة المتمردة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، فقام جهاز الأمن والمخابرات الوطني بإعادة تشكيل قوات “حرس الحدود” تحت مسمى قوات الدعم السريع (قدس)، وتمت إعادة تدريبها وتسليحها بتنسيق مع القوات المسلحة السودانية.
وبدأت قوات الدعم السريع أول عملياتها في جنوب كردفان ثم دارفور ، واستطاعت أن تحقق انتصارات كبيرة على قوات الجبهة الثورية، بما تمتلكه من الخبرات العسكرية مما عدل من الميزان العسكري بشكل وأضح لصالح الحكومة في دارفور، إلا أن السلوك غير المنضبط وطموح قيادة هذه القوات خلقت بعض الإشكالات لجهاز الأمن والمخابرات الوطني، فتم إسناد تبعيتها كمؤسسة لرئاسة الجمهورية، ثم صدر قانون خاص بها في عام 2017 يمنحها صفة قوة أمنية مستقلة.
وفي أبريل عام 2019 شاركت قوات الدعم السريع في الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير بمشاركتها في تنفيذ قرار “اللجنة الأمنية” المكونة من الجيش والشرطة والأمن وقوات الدعم السريع، وأصبح قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) نائب لرئيس مجلس السيادة الذي تشكل في أغسطس من ذلك العام، وأسندت لهذه القوات مهام تأمين العاصمة والمواقع الاستراتيجية بها. وبعد حل قوات هيئة العمليات التابعة لجهاز الأمن والمخابرات، آلت مقار الهيئة وسلاحها وكل المعينات اللوجستية والمتحركة للدعم السريع، بوضع اليد.
وكانت قوات الدعم السريع قد شاركت ضمن قوات “عاصفة الحزم” التي أعلنتها المملكة العربية السعودية لاستعادة الشرعية في اليمن، الأمر الذي أتاح لها نسج شبكة من العلاقات العامة خاصة مع دولة الامارات العربية المتحدة، وفي السودان أسند لها تأمين الحدود الغربية في مواجهة الهجرة غير الشرعية والعناصر الإرهابية والمخدرات فتعززت علاقات قيادتها مع الاتحاد الأوربي، ومن خلال (عملية الخرطوم) حظي الدعم السريع بدعم كبير من الإتحاد الأوروبي.
وعلى خلفية الصراع الذي نشب بين قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو وقائد مجلس الصحوة الثوري، موسي هلال، تمكنت قوات الدعم السريع من السيطرة على أحد أهم مناطق تعدين الذهب في دارفور مما أتاح لقيادتها أن تحصل على ثروة ضخمة بجانب الدعم البشري واللوجستي الكبير الذي ظلت توفره دولة الامارات العربية المتحدة لها.
ومع تنامي مركزية الدعم السريع العسكرية والاقتصادية صارت لقائده(حميدتي) طموحات سياسية وصلت إلى نية حكم السودان كله، مما جعله ينتقل من أجل كسب الولاء في تحالفات بين قوي مجتمعية مختلفة (القيادات القبلية والعشائرية والطرق الصوفية) وأحزاب سياسية وحركات مسلحة واستقطب قيادات في القوات النظامية، وبما توفر له من مال استقطب كثير من القيادات المجتمعية والسياسية والعسكرية. فتنامي طموحة في حكم السودان، مما خلق نوعاً من التنافس الحاد مع قيادة القوات المسلحة، ومحاولة التمرد عليها بالتحالف مع مجموعة الإطاري (قحت) بأن تظل قوات الدعم السريع قوة مستقلة عن الجيش لحوالي عشرة سنوات.
وقد تحول التنافس إلى صراع عنيف باندلاع الحرب في 15 أبريل 2023 بعد أن أعاد حميدتي انتشار قواته البالغة أكثر من مائة ألف عنصر، وحاول احتلال مطار مروي.
*توحش قوات الدعم السريع وانتهاكاتها للقانون الإنساني الدولي:*
أعرب عدد من خبراء الأمم المتحدة عن قلقهم بشأن التقارير التي تفيد بالوضع الإنساني المأساوي في السودان. إذ قتل آلاف المدنيين وشرد الملايين قسراً من منازلهم، كما أجبر ما يقارب من 3 ملايين على الفرار إلى الدول المجاورة طلباً للجوء في الدولالمجاورة، ونزح أكثر من 11 مليون داخل السودان.
وأعرب خبراء الأمم المتحدة في بيان صحفي عن القلق بوجه خاص بشأن التقارير المستمرة عن الانتهاكات واسعة النطاق المرتكبة من قبل قوات الدعم السريع بما في ذلك تقارير تعرض نساء وفتيات للاختفاء القسري واجبارهم على العمل واستغلالهم جنسياً، وأكد بأن مئات النساء احتجزن من قبل قوات الدعم السريع في ظروف مهينة وغير إنسانية. وأشار البيان الصحفي بأن أعضاء الدعم السريع يستخدمون الاغتصاب والعنف الجنسي كأدوات لمعاقبة وترهيب المجتمعات، وأن بعض الحالات مدفوعة بأسباب عرقية وعنصرية. وأشاروا إلى صعوبة وصول الجهات والمنظمات المحلية والدولية للمتضررين والمؤهلين للحصول على الحماية الدولية من أجل تقديم الحماية لهم وتوفير الرعاية الصحية وخدمات الإغاثة والإيواء.
وكانت وزارة الخزانة الامريكية قد فرضت عقوبات علي نائب قائد قوات الدعم السريع عبد الرحيم دقلو بسبب الانتهاكات الواسعة في إقليم دارفور، خاصة غرب دارفور التي شهدت تطهيراً عرقياً وإبادة جماعية. كما تم قتل والي غرب دارفور وتم التمثيل بجثته بشكل وحشي، وقالت الوزارة أن العقوبات ضد عبد الرحيم دقلو جاءت لقيادته قوات الدعم السريع التي وصفتها بأنها كيان شارك أعضاؤه في أعمال عنف وانتهاكات لحقوق الانسان بما في ذلك مذابح بحق المدنيين وعمليات القتل الوحشي واستخدام العنف الجنسي.
وأوضح تقرير للنيابة العامة السودانية بأن هناك أكثر من 500 بلاغ خاص بمفقودين تشمل الانتهاكات والاختفاء القسري. وكشفت وحدة مكافحة العنف ضد المرأة والطفل في السودان ازدياد حالات الاختفاء القسري للنساء في نيالا. وذكر شهود عيان أن هناك نساء وفتيات محتجزات في مخازن وفنادق في نيالا والخرطوم.
وتلاحق السلطات السودانية قادة قوات الدعم السريع بسبب اتهامات بارتكاب انتهاكات منذ اندلاع الحرب من بينها احتلال منازل المواطنين وحرقها وسرقة السيارات واحتلال المباني والمرافق الصحية وتحويلها ثكنات عسكرية. كما قامت بتدمير مؤسسات الدولة والوزارات والبعثات الدبلوماسية والبنيات التحتية والآثار ومصادر توليد الكهرباء والماء ونهب البنوك والمحلات التجارية والمصانع والشركات والقصف العشوائي عمداً بهدف الترويع والخروج من المنازل لاحتلالها ونهبها.
كما قالت المجموعة السودانية لضحايا الاختفاء القسري إنها سجلت 430 بلاغاً عن مفقودين أثناء الحرب، وتلقت أقسام الشرطة بمدينة ود مدني التي استقبلت آلاف الفارين من الحرب بالخرطوم بلاغات بأسماء رجال ونساء وأطفال مفقودين.
وكشفت الشرطة السودانية أن هناك أكثر من 32 ألف بلاغ ضد الدعم السريع في الفترة من 1 يونيو حتى 20 أكتوبر 2023 (اشخاص مفقودين 113 بلاغ، التعدي على النفس 40 بلاغ، التعدي على المال 7721 بلاغ، السيارات المنهوبة 23761).
وقال مكتب الأمم المتحدة لحقوق الانسان انه تلقي معلومات موثقه تفيد بدفن جثث مالا يقل عن 87 قتيلاً من قبيلة المساليت وقبائل أخري بواسطة قوات الدعم السريع والمليشيات الموالية لها في غرب دارفور، والذين دفنوا في مقبرة جماعية خارج مدينة الجنينة. وقالت المتحدثة باسم مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الانسان إن المقابلات التي أجريت مع الفارين من الجنينة إلى (أدري) في تشاد كشفت وقائع مروعة عبر قيام مليشيا مدعومة بقوات الدعم السريع بقتل الفارين من المدينة سيراً بالأقدام.
هناك معلومات تفيد بأن قوات من بوكو حرام وداعش من غرب افريقيا وليبيا قد انضمت إلى قوات الدعم السريع بهدف الوصول إلى أماكن آمنة والحصول على السلاح والمال والتدريب على الأسلحة الحديثة وتشكيل خلايا نائمة.
*الخلاصة:*
1. مثلما ورد في كتاب إدارة التوحش .. القضاء علي دولة ما بعد الاستعمار، طرحت قوات الدعم السريع فكرة القضاء علي دولة 56 في السودان.
2. كانت البداية لعمليات داعش في العراق استهداف قوات الأمن والشرطة والجيش في الموصل وشمال العراق، وكذلك سعت قوات الدعم السريع إلى تدمير القيادة العامة للجيش والاحتياطي المركزي وسلاح الإشارة والمدرعات والتصنيع الحربي ومبني المخابرات ومقر الأدلة الجنائية ومقار الشرطة والاكاديميات العسكرية والأمنية والشرطية.
3. تبنت داعش العنف تجاه الافراد بقطع الرؤوس وحرق وقتل الأشخاص. قامت مليشيا الدعم السريع بقتل كل من يعترض طريقها خاصة المواطنين الذين يدافعون عن منازلهم والذين يرفضون تسليم ممتلكاتهم وسياراتهم (جمال زمقان) وعدد من المواطنين الذين تم قتلهم بشكل عشوائي في الجنينة) والقصف العشوائي للأحياء التي استشهدت فيها أسر بأكملها.
4. قامت عناصر داعش بسرقة البنك المركزي بالموصل، وقامت قوات الدعم السريع بالاستيلاء على فرع البنك المركزي والبنوك التجارية ونهب الأموال والمدخرات والذهب.
5. قامت قوات الدعم السريع بتدمير وحرق أبراج التضامن والفيحاء وعفراء مول والبنك الأهلي و6 محطات مياه و93% من مكاتب الكهرباء وحرق 9000 عمود كهرباء. كما دمرت 158 سوق بعد أن تم نهبها، وتمت سرقة وتدمير 411 مصنع في بحري و231 مصنع في الخرطوم. ونهب وتدمير 220 صيدلية في الخرطوم وخروج 200 مؤسسة صحية عن الخدمة وأكثر من 90% من منازل المواطنين وحوالي 23 ألف سيارة سرقت. كما تأثرت عدد من الكباري من القصف المدفعي وإغلاق الطرق ومنع حرية حركة السكان.
6. مارست قوات الدعم السريع تعذيب الأسري والتمثيل بالجثث مثلما تفعل داعش، بجانب تنفيذ الاعدامات الميدانية وتهريب السلاح وتجنيد الأطفال واستهداف المقرات الدبلوماسية التي تتبع للمنظمات الإقليمية والدولية وعدم السماح بدفن الموتى.
7. حرق المؤسسات الثقافية والمتحف القومي وسرقة محتوياته.
*خاتمة:*
إن ظاهرة إرهاب الدعم السريع سوف تنتشر في كل الإقليم الافريقي الغربي مما يهدد الأمن القومي والإقليمي، وزيادة معدلات الهجرة غير الشرعية والإرهاب وتهديد الأمن العالمي وتضرر المصالح الاستراتيجية للقوي العظمي. لذلك لابد من وضع استراتيجية وتحالف دولي للقضاء على هذه الظاهرة الإرهابية الجديدة، ودعم قدرات السودان الوطنية، وإدراج قوات الدعم السريع في قائمة المنظمات الإرهابية العالمية، والعمل على محاربتها بعيداً عن ازدواجية المعاير والانتقائية.



