رأي

سلوكيات الصوم والشرع التوحيدي

 

دكتور حسن عيسى الطالب

بادئ البدء إزجاء التهاني العاطرة والتبريكات الراحمة للقراء الكرام وعموم المسلمين أجمعين، بحلول شهر رمضان المبارك للعام 1447 للهجرة، ونسأل الله أن يعتق رقابنا ورقاب والدينا من النار ومن غضب الجبار، وأن يمُنّ على بلادنا الجريحة المُتربص بها، بنعمة الأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والنصر على الطغاة والأزلام، ونُزُل الشهداء، وعيش السعداء، والنصر على الأعداء، وأن يهدينا سبل السلام، ويعيننا على الصيام والقيام.

ومما ينبغي التنبُّه له لسلامة الصوم، وإخلاصه للمولى تعالى، مراعاة أخلاقياته السلوكية الشرعية بشأن علاقات التواصل والتعامل مع الآخرين من الشركاء الاجتماعيين، لا سيما ضرورة الصوم عن التنابز اللفظي، المفضي لتجريحه، وهتك سربال الإيمان، والحرمان من ثواب الرحمن.
فقد ورد في الصحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلم: “رب قائمٍ ليس له من قيامهِ إلّا السهرُ، ورُبَّ صائمٍ ليس له من صومهِ إلّا الجوعُ والعطشُ”.

وهنا تتبين وحدة الإيمان التشريعية، وموافقة الإسلام مع ما سبق من الشرائع السلوكية، وشمولية دين الحق الذي جاء به الإسلام. فقد كان الصيام مكتوبا على من قبلنا، وكان من صومهم أن يمسكوا عن الكلام شفاهة، ويخاطبوا الناس بلغة الإشارة الرامزة، وايحاءات الجسد الآمرة. فكان الأمر للنبي زكريا عليه السلام: ” آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا” – الآية 41 – سورة آل عمران؛ وفي شأن مريم العذراء، أم المسيح عيسى عليه السلام، جاءها الأمر: “فإما تريِّنّ من البشر أحداً فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا” – الْآيَة 26 – سورة مريم.
فالتنابز والتراشق بالألفاظ النابية، الذي كثُر وتعاظمت وتيرته في هذا الأوان، عبر الوسائط الإجتماعية، ومنصات الميديا الإسفيرية، أصبح سمة شاهرة، وأضحت المنصات حوامل للإشاعات النابية، ونشر الفضائح المخزية. وكل ذلك مما يجرح الصوم، ويمحق الحسنات، ويعظّم السيئات، وهو مجافٍ لأخلاق أهل الإسلام، وسنّة سيد الأنام، لأن قصد الشارع ليس الجوع والعطش، بل الصوم التزام أخلاقي شامل، لا يستثني السمع ولا البصر ولا الفؤاد، فعلى كل منها صوم: “إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا” – الآية 36 – الإسراء.
وقد ورد في الآثار والسِير، أن أبابكر الصديق رضي الله عنه، كان يمسك نفسه عن الثرثرة بإلجامها عن فضول القول فيما لا يعنيه؛ فكان يضع حصاة تحت لسانه ليتذكر ثقل القول فيما لا يعنيه.

وفضلا عن ذلكم فقد كان صالحو الأمة الإسلامية من الراشدين، يثابرون على تلاوة القرآن الكريم في هذ الشهر المبارك، الذي أنزله الله فيه: “شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان” – الْآيَة 185 – سورة البقرة.
فهذه الخاصية تندرج في آداب وأخلاقيات ومعاملات الصوم الشرعي التوحيدي، وباعتبار أنه في شريعة الإسلام ليس مجرد جوع وعطش، أو حمية لتخفيف الوزن وطرد السموم من الجسم.

كذلك من تلقاء تعزيز وتأكيد أهمية التغيير السلوكي، والعادات الغذائية، خلال شهر رمضان، أهمية تناول وجبة السحور، باعتبارها سلوك تعبدي. وهي مما تفردت بها أمة المسلمين، وحضّ عليها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، مؤكدا على أنها بركة؛ فقد جاء في الصحيح عن العرباض بن سارية: سمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ وهو يَدْعو إلى السُّحورِ في شَهرِ رَمضانِ، فقال: “هَلُمُّوا إلى الغَداءِ المُبارَكِ”.
وذكر الفقهاء أن وجبة السحور وتوقيته المحدد، والندب لتأخيره، مما اختصت بها أمة الإسلام، ولا توجد هذه الوجبة التعبدية في هذا الوقت المحدد في شرع ما كان قبلهم. كذلك جاء الأمر بتعجيل الإفطار والتعامل معه كأمر تعبدي وطاعة لله ورسوله.

بل فضلا عن ذلك، فأيام شهر رمضان بالنسبة للأمة الإسلامية هي ساحات زمنية، ودورات تدريبية، للتغيير من تلقاء تغير الزمان وتبدل أنواع الطعام. وهي تذكير بتبدل الأحوال، كما يتقلب الليل والنهار، والتغيير المناخي، وما يطرأ على جسم الإنسان بتقادم الأعمار. فضلا عن ذلك فالصوم تدريب عملي صارم بألا تسيطر العادة على الإنسان، فيحدث ذلك عنده قابلية الاستعداد للتغيير، وأنه سنّة ماضية، فوق كون الصوم سلوكا تعبديا، وشرعا محمديا، خصّ به المولى تعالى بصورته تلك أمة المسلمين، اتباع النبي الخاتم وسيد المرسلين، ونسبه الحق تعالى لنفسه، ليُتبين جليل مقداره، وعظِم أقداره، فلا يعلم جزاء الصوم وأجره إلا الحق سبحانه. فقد جاء في الحديث القدسي: “الصوم لي وأنا أُجزِ به”.
وفيه ليلة القدر، التي من يُرزقها فقد حاز الدهر كله، وفاز فوزا عظيما. فهي خير من ألف شهر، وتعادل بحساب الزمن الدنيوي، أكثر من ثمانين سنة عبادة خالصة، يُصام نهارها ويُقام ليلها. وهذا المدى الزمني، وحتى بمعدل متوسط أعمار معاصري أمم القرن الحادي والعشرين، هو العمر المعتمد والموثّق فقط كمتوسط عمري، في الدول المنسوبة للعالم الأول، وعِلية الملأ من أهل الدّعة الاقتصادية، ورغد العيش والرفاه، في دول أمريكا الشمالية وكندا أوروبا الغربية واليابان، التي هي قبلة المهاجرين من الدول الفقيرة.

اللهم اجعلنا من الصوّام القوّام، ومن العتقاء المكرمين بفوائض الأفضال، إنك رحيم ودود، وأنت ذو العرش المجيد، تفعل ما تريد.
وكل رمضان وأنتم بخير، تصوموا وتفطروا على خير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى