السودان ليس وحده.. موضوع نقاش على مائدة مستديرة بالقاهرة بحضور مصري سوداني

القاهرة- المحقق- صباح موسى
شهدت القاهرة أمس “الأربعاء” لقاءا استثنائيا جمع عدد من السياسين والمفكريين والإعلاميين من مصر والسودان، وعلى مائدة مستديرة نظمها المركز العالمي للدراسات السياسية والإستراتيجية السوداني برئاسة الدكتور عبدالعزيز عشر، بالتعاون، مع مركز الدراسات الاستراتيجية وتنمية القيم المصري برئاسة اللواء خالد مختار، حاول الطرفان تشخيص الأزمة السودانية، واقتراح حلول ممكنة تنقذ السودان من هذه الحرب بكل فظائعها وانتهاكتها.
هادئ وشفاف
اللقاء كان هادئا وشفافا، بحث جذور الأزمة، وتبادل الخبراء من مصر والسودان الآراء بعمق الأزمة وتعقيدها، وحاول الجميع الخروج بموقف استراتيجي يحمي وحدة السودان وسلامة أراضيه، ويعيد للدولة مركزيتها وهيبتها، شارك في النقاش نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير صلاح حليمة، والقنصل العام المصري الأسبق في السودان اللواء حاتم باشات، والنائب العام السوداني السابق مولانا الفاتح طيفور، ورئيس هيئة الأركان وزير الدفاع الأسبق الفريق إبراهيم سليمان، وسلطان دار مساليت سعد بحر الدين، وعضو مجلس النواب المصري مصطفى بكري ، والخبير الدولي المصري الدكتور رمضان قرني، والحقوقي نبيل أديب، والسماني الوسيلة وزير الدولة الأسبق بالخارجية السودانية، ورئيس تحرير التيار عثمان ميرغني، والكاتب والمحلل السياسي مكي المغربي، والإعلامية المصرية أسماء الحسيني، بجانب عدد من الخبراء في البلدين.
جرائم وانتهاكات
أدار النقاش وزير الخارجية السابق الدكتور علي يوسف، ومدير مركز الدراسات الاستراتيجية وتنمية القيم اللواء خالد مختار، وقبل الحديث، تم عرض فيلم وثائقي قصير كشف جانبا من جرائم وانتهاكات مليشيا الدعم السريع، وما خلفته الحرب من مجازر ونزوح ودمار داخل البلاد وخارجها، وشكل الفيلم أرضية وجدانية ونفسية أوضحت للحضور الفظائع التي ترتكبها المليشيا من جهة، وخطورة ما يواجهه السودان من تهديد وجودي من جهة أخرى.

مشروع وطني
السفير علي يوسف أكد من جانبه على أن السودان يمر بأخطر مرحلة في تاريخه الحديث، وقال إن السلام لن يتحقق إلا ببناء مشروع وطني يشارك فيه الجميع دون إقصاء، مشيراً إلى أن الحرب دمرت المدن، وقوضت مؤسسات الدولة وكسرت النسيج الاجتماعي، مضيفا ما يمر به السودان اليوم ليس مجرد حرب بل معركة وجود تهدد الدولة السودانية في بنيتها وهويتها ومؤسساتها الثقافية والاجتماعية، لافتا إلى أن المجتمع الدولي لم يدرك بعد حجم الكارثة الإنسانية والثقافية التي يتعرض لها الشعب السوداني جراء الاستهداف الممنهج والتدخل الخارجي الواضح على الجميع، وقال إن ذلك يجعل مسؤولية السودانيين في الخارج أكبر من أي وقت مضى، مشددا في الوقت نفسه على أن السودان سيعود واقفاً طالما ظل أبناؤه أوفياء لهويتهم ولقضيتهم.
الضامن الوحيد
أما اللواء خالد مختار أكد من جهته أن السودان يمر بمرحلة مصيرية تتطلب تكاتف الجميع والعمل بروح المسؤولية الوطنية، لإنقاذ البلاد من التفكك والانقسام، وقال إن السودان يتعرض اليوم إلى أكبر كارثة إنسانية شهدها التاريخ الحديث، وإن ذلك يهدد وجود الدولة، مشددا على أن السلام ووحدة السودان أمراً مهماً، وأن الشعب السوداني وقواته المسلحة هما الضامن الوحيد على وحدة وسلامة البلاد، وقال أصبح دورنا واجباً وطنياً لا يحتمل التأجيل، ودعا إلى توحيد الصفوف، وخلق مبادرات فعالة لحماية وحدة البلاد، مؤكداً أن السودان سيخرج أقوى بفضل إرادة شعبه وقيادته.

قراءة للأوضاع
بدوره قدم رئيس المركز العالمي للدراسات الاستراتيجية الدكتور عبدالعزيز عشر قراءة للوضع الراهن في البلاد، مؤكدا أن ما يجري في السودان ليس صراعاً على السلطة، وليس صراعا بين جنرالين، بل حرباً تستهدف هوية الدولة وشعبها ومستقبلها، ودعا إلى توحيد الجهود لتعرية جرائم المليشيات وتفعيل آليات العدالة وتوثيق الانتهاكات بصورة منهجية، مؤكداً أن المعركة لم تعد سياسية فقط، بل إنها معركة وجود ومصير بلد بأكمله، وقال إن الحرب بدأت بمحاولة إنقلابية من الدعم السريع، وبفشل المحاولة حدثت حرب تدمير وتهجير قسري، معتبرا أن المخطط في الأساس خارجي، استخدم أدوات داخلية لتفكيك الدولة السودانية، وقال إن هذا التدمير الممنهج أحدث جرائم حرب وإبادة جماعية وانتهاكات جسيمة بشهادة منظمات وجهات دولية، مشيرا إلى الوضع الإنساني الخطير في دارفور وكرفان، وقال إن تعدد المبادرات أدى إلى خلل في الأزمة، مضيفا أن الهدنة المطروحة يقصد بها انقاذ المليشيا وإعطائها فرصة لالتقاط الأنفاس، موضحا أن هناك تقدم كبير للقوات المسلحة في كردفان، وأن هناك تدمير للقوة الصلبة للدعم السريع في شرق وغرب كردفان، مشددا على ضرورة مراعاة الثوابت الوطنية، وحدة السودان وسلامة أراضيه، وقال إن أي محاولة لتقويض الوضع القائم هو شرعنة للمليشيا وتفكيك الدولة بواسطة الإمارات، وإن ذلك سيكون له تأثير كبير على المنطقة، داعيا إلى وجود حوار شفاف بين القوى السياسية لإحداث توافقات حول القضايا الوطنية، مؤكدا أن منبر جدة يمكن أن يعالج الأزمة.

حل جذري
السفير صلاح حليمه تحدث عن العلاقات المصرية السودانية والروابط التي تجمعها من جذور عميقة والنيل والبحر الأحمر، وقال إن ذلك يخلق مطامع في الإقليم من إسرائيل وإثيوبيا، لافتا إلى أن الأزمة أعمق من إنها إنسانية فقط، وقال إن ذلك يصب في مصلحة الدعم السريع، مضيفا لابد من حل الأزمة بشكل جذري، مشيرا إلى المبادرة التي أطلقها المجلس المصري للشؤون الخارجية والتي جلس فيها على مدى 4 أشهر مع مختلف القوى السياسية والمدنية بالبلاد، وقال يجب أن تبنى أي مبادرة للحل على مسارات عسكرية وسياسية وإنسانية، مضيفا أن يتم فك الإرتباط بين أي مجموعة سياسية وعسكرية، وبعدها تدخل القوى السياسية في الحوار السياسي الشامل، مشددا على ضرورة دمج كافة المؤسسات العسكرية في الجيش والذي يجب تطويره ليمثل كل الشعب السوداني.

الحوار السوداني
أما نبيل أديب فأكد أن الرباعية لا تستطيع أن تفرض الهدنة بالقوة، لأنها ليست من أجهزة الأمم المتحدة، واصفا الأزمة بأنها بين استبداديين وديمقراطيين، وقال إن المدنيين هم الذين اخترقوا الجيش، وأقاموا سلطة استبدادية، مضيفا أن الهدنة ليست حلا، وأن المفاوضات ماذا سيطرح فيها، مشددا على ضرورة التركيز على الحوار السوداني، وقال علينا أن نكون جاديين في هذا الحوار وأن نصل لإدارة الخلافات، وتابع أن الوحدة يجب أن تكون وحدة الدولة السودانية، وخضوع السودان كله للدولة، مؤكدا أن هذه مسألة لايمكن القبول بالتفاوض أو المساومة حولها .

مؤسسة محايدة
وأكد مدير مركز فكرة للدراسات أمجد فريد أن الجيش مؤسسة محايدة، وقال إن التفاوض مع الإمارات ليس منفصلا، لأنها تسعى للوصول إلى البحر الأحمر، داعيا إلى ضرورة وجود نظام حوكمة للدول المشاطئة للبحر الأحمر، وقال بدون هذه الحوكمة سيظل البحر الأحمر عرضة لتدخل الإمارات وغيرها. من جهته لم ير عثمان ميرغني أن هناك تدخل خارجي في السودان، وقال إن مايحدث في السودان هو تراكم لأخطاء داخلية، وبعدها تدخل العالم الخارجي وأصبح يدير الأزمة، مضيفا صحيح أن الأزمة ليست حرب بين جنرالين، لكن طبيعتها تبدو وكأنها تدار في إطار شخصي بين البرهان وحميدتي.
دون اقصاء
في الختام خرجت المائدة بتوصيات مهمة، أكدت فيها على وحدة وسيادة السودان، ورفض أي مشاريع تقسيم أو شرعنة للمليشيات، كما دعت لحوار وطني سوداني شامل يضم القوى السياسية والمجتمعية دون إقصاء، وطالبت بفتح ممرات إنسانية عاجلة وتسهيل وصول الإغاثة للمتضررين، كما شملت التوصيات تفعيل جهود التوثيق القانوني لجرائم الحرب ومحاكمة مرتكبيها، وتعزيز الدور المصري في الوساطة ودعم استقرار السودان.



