السمراء ومشاطئة الأحزان… واغربتاه

د.سلوى حسن صديق
عندما ردد القيصر كاظم الساهر كلمات الشاعر حسن مرواني أنا وليلى ..
واغربتاه مضاع هاجرت سفني عني و أبحرت منها شراعاتي ..
نفيت واستوطن الأغراب في بلدي ومزقوا كل أشيائي الحبيبات..
كنا نشاهده ونستمع إليها، والقيصر الحزين يسجعها بصوته الرخيم سيمفونية طاغية الجلال تهز الجبال..
نراها تملأ الشاشات و الصبايا والفتيان يلوحون بأيديهم والكبار يبكون شجناً.
كانت إحاسسينا تبكي معهم، ليلى المضاعة والعراق ينزف في تسعينيات القرن الماضي ومطلع الألفية، والعالم كله يتفرج على كذبة الصراخ والإعلام المدوي بتفتيش الأسلحة الحرام في بلد العلماء والنجباء..
ما أشبه الليلة بالبارحة، ذات المشهد يتكرر بحذافيره في سودان الصمود والإباء والشمم ..
ذات الجلبي وذات العمالة والخيانة التي نعيشها كأنما التاريخ لم يتحرك، فقط من تحرك هي أدواته وأصابعه.
لاعجب أن تحزن السمراء روضة وتسكب دمعة حرى ملحها وماؤها حب السودان وعشقه ومافتئت و ما فتئنا.
هي مَن وقفت مثل زرقاء اليمامة في كل المنابر تنثرها شعراً حراً طليقاً دفاقاً قوياً كالسيل، وتقولها بالصوت الملائكي الشاهق مثلها…. إنهم يسرقون الكحل من عين القصيدة.
تبكي خناسنا وحق لها فصخرها هو سودان العزة الذي افتقدت جماله نيلاً وبحراً، تاكا و بطانة، مسرحا وإذاعة، إنسانه الجميل تحكيه بساطة أدروب وابن الشمال والوسط والغرب الذين ضمت ضلوعها عليهم، كيف لاتحزن وتكتب:
آه بلادي لست بخير ..
لست والله يا بلادي بخير ..
وسأبقي حتي تكوني بخير ..
طالما ظل نزف جرحك فسيبقى جرحي كذلك يجري..
حملتني الحياة في كل صوب واحتوتني لكن حنينك يسري..
السمراء التي علمتنا حب الأوطان كانت تغرد كالبلبل الصداح بلا رقيب في وطن بقامتها، عزتنا فيه بنون النساء وعش القصيد مثلما جبرت خواطرنا بمدن المنافي..
كنا نستمد أفراحنا بالوطن من فرحها به وسعدنا من سعدها، وطن نراه أجمل بقاع الدنيا ومافتئنا..
كيف لا تبكيه ياسمراء وقد سرقوا لحظاتنا و ذكرياتنا سرقوا ألبومات أيامنا السمحة ضيقوا علينا الأرض كي لانبوح بسرها للأحفاد فتبقى كماهي متصلة بهم بلا إنقطاع.. أما الأبناء فلم ولن يقدروا عليهم، فقد إستوى عودهم بعد أن رضعوا حب السودان لبنا خالصاً بياضه مثل بياض العمائم والقلوب..
لكن ياهؤلاء وأولئك لن تنالوا منها ولن تنالوا منا.. غداً تعودين ياسمراء مرفوعة الجبين وضاحة مثل شمس السودان، تغنين أجمل القصائد وأعذب الكلمات رقراقة مع الحلنقي تلوحين لكسلا بهجرة عصافير الخريف.
ومثلما هززتي منابرهم وحزمتي مشاعرهم ستفعلينها وسيكون السودان بلدك الحبيب مربداً دائماً لك و جنادرية مشبعة بحبه ومضيئة بضيائه، لن تطول العتمة طالماً جيشنا ينبض حياة و يفيض و يملأ الأرض عدلاً بعد أن ملأها الأوغاد جوراً وظلماً.
غدا ستكون كل أرجائه لنا وطن إذ نباهي به ونفتخر… غداً سنغني معك يا سمراء “الروح عادت مذ عادت الخرطوم”.



