المجتمع السوداني يصنع الأمل بعد الحرب

خالد البلولة
في ظل الحرب التي تعصف بالسودان، ينشغل الإعلام، محليًا وإقليميًا، بتتبُّع حركة الميدان ونقل سير العمليات العسكرية، مما يجعل الصورة التي يتلقاها الجمهور مقتصرة على مشاهد الدمار والقتال. غير أنّ ما يغيب عن الأضواء هو الوجه الآخر للتحولات التي تجري بهدوء في المناطق التي تم تحريرها أو استعادة الاستقرار فيها؛ تحولات تصنعها المجتمعات المحلية بإمكاناتها المحدودة وإرادتها العالية. وهنا تظهر أهمية الإعلام، ليس كوسيلة ناقلة للحدث فحسب،إنما وسيلة تُبشّر بما يتحقق على الأرض من عودة للحياة، وتُرسّخ لروح الصمود، وقدرة المواطنين على إعادة بناء ما تهدم.
ففي عدد من القرى، برزت مبادرات خلاقة أعادت الحيوية إلى المجتمعات بعد توقف المدارس والأعمال. في بداية الحرب نظّم الشباب بقرية النوبة دورات رياضية لتحريك الطاقات، وعروضًا مسرحية تناقش أضرار المخدرات وقضايا الوعي، ونشطت حلقات وتوسّعت لتحفيظ القرآن الكريم، حتى أتمّ أكثر من 35 شابًا وشابة حفظ المصحف كاملًا، في وقتٍ خضع فيه آخرون لدورات مكثفة في الخطابة داخل المساجد.
هذا المشهد الإنساني لا يقتصر على القرى فقط ، في أم درمان، عبرت مواطنة من أم درمان عن فرحتها بعودة “حلويات شريف” للعمل دلالة على أن الحياة في الحي بدأت تستعيد نبضها، وأيضًا في بحري وشرق النيل ومنطقة الكلاكلة، بل إن بعض الجامعات عاودت نشاطها.
يحدث هذا الحراك في منطقة نالت نصيبًا من الأمن والاستقرار بعد تحريرها من قبضة المليشيا فهو يؤكد أن روح الحياة تتغلب على الحرب، وأن المجتمعات أشد صلابة من الخراب مهما طال مداه، وأنها تتقدم على الدولة بمراحل بعيدة. ومثلاً في قرية النوبة بالجزيرة ظهرت مبادرات مجتمعية من نوع آخر،(مجموعة جبر الخواطر) اعتمدت على توظيف تطبيقات التواصل الاجتماعي الواتساب، لانجاز أعمال جماعية واسعة، منها:
1- تأجير منازل للمرضى الوافدين إلى المدن الآمنة للعلاج.
2- توفير الطاقة الشمسية لتشغيل محطات المياه.
3- تشغيل الطحانات لضمان توفر الدقيق بصورة مستمرة.
4- دعم الطلاب الخريجين المحتاجين في سنواتهم الأخيرة.
5- صيانة المدارس وإعادة تهيئة البنية التعليمية.
6- تنظيم دورات تدريبية في التمريض بمبادرة من كلية النُّوبة التقنية لتأهيل كوادر محلية قادرة على خدمة المجتمع في ظروف الحرب.
ورغم القيمة الكبرى لهذه المبادرات، فإن الإعلام الرسمي لا يزال غائبًا عنها، أويتناولها بسطحية لا تعكس حجمها الحقيقي. إذ يظل التركيز مُنصبًّا على أخبار الميدان، ومتابعة الجهاز التنفيذي بينما تُهمل قصص إعادة البناء وعودة المواطنين إلى قراهم ومدنهم لإحياء ما اندثر.
ومن بين النماذج الملهمة التي تستحق الضوء، توجد امرأة سودانية تُدعى نِعْمات، اتخذت من مطبخها ومن فرنها البلدي وسيلة لخدمة العالقين في معبر أرقين؛ كانت تُعد الخبز المنزلي يوميًا في بيتها، ثم تنقله إلى المحتاجين العابرين للحدود، دون انتظار مقابل أو إشادة. تمثل نِعْمات جوهر المرأة السودانية التي تقف لتواجه الأزمات، وتسد النقص، وتخفف المشقة عن أهلها وناسها.
إن التحولات التي يصنعها الناس في صمت هي ما يحتاجه السودان في لحظته الراهنة؛ وهي ما يجب أن يحتفي به الإعلام كجزء أصيل من مقاومة الخراب، لأن المعركة ليست عسكرية فقط، بل معركة كرامة وأمل وإعادة بناء. وهنا يكمن دور الإعلام الحقيقي،أن يكون صوت المجتمع، وعدسته ترى ما وراء الدخان، وأن يصنع مبادرات تشجع الحياة بدل أن يكتفي برصد الموت… والخراب



