اذهبوا إلى بلادكم” إلى “الحثالة”: تحليل مسار خطاب ترامب العنصري ضد إلهان عمر والصوماليين

دكتور إسماعيل ساتي
لم يكن الهجوم الذي شنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على النائبة الديمقراطية إلهان عمر مجرد هجوم سياسي عابر. لقد شكل، عبر سلسلة متصلة من التصريحات تمتد لأكثر من ست سنوات، نموذجاً صارخاً للخطاب العنصري الإقصائي الذي يستهدف الهويات المتعددة، العرق والدين والجندر والأصل القومي. تتبع هذا المسار ليس مجرد توثيق لتاريخ من الإساءات، بل هو كشف لآلية متعمدة تستخدم الصور النمطية والتحريض لتحقيق مكاسب سياسية، وتأجيج الانقسام المجتمعي.
ففي الرابع عشر من يوليو 2019، أطلق الرئيس الأمريكي (وقتئذ) دونالد ترامب أول هجوم واسع النطاق في سلسلة أصبحت منهجاً سياسياً. لم يستهدف في ذلك اليوم نائبةً واحدة، بل أربع نائبات ديمقراطيات شكلن ما عُرف باسم “الفرقة” (The Squad). قال لهن: “لسعادتهن أن يعُدن إلى البلدان التي أتين منها”.
هؤلاء النائبات هن: إلهان عمر (صومالية الأصل)، ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز (بورتوريكية الأصل)، رشيدة طليب (فلسطينية الأصل)، وإيانا بريسلي (أفرو-أمريكية). أربع نساء شابات، قويات الصوت، من خلفيات متنوعة، يجسدن وجوهاً جديدة لأمريكا التعددية.
كان ذلك الهجوم أول اختبار لاستراتيجية واضحة: تحويل أي خلاف سياسي مع خصوم من أصول غير أوروبية إلى معركة على الهوية والانتماء والشرعية الوطنية.
*التصعيد المتدرج: من إهانة “الفرقة” إلى تجريد الصوماليين من إنسانيتهم:*
لو توقف الأمر عند حد تلك التغريدتين على منصة إكس لربما كان حادثة عابرة. لكنه كان البيان التأسيسي لخطاب إقصائي لم يتوقف بل تصاعد:
1. المرحلة الأولى (2019): التشكيك في الانتماء (عودن إلى بلادكن). هنا، تم كسر الحاجز الأخلاقي بجدية المواطنة لأمريكيات منتخبات.
2. المرحلة الثانية (فبراير 2025): التصعيد إلى اتهام الخيانة، حيث وصف ترامب إلهان عمر بأنها “تخون بلدنا” وتريد “جلب ثقافة الصومال الفاشلة”. تحول الخطاب من “لا تنتمين” إلى “أنتِ خائنة وعاملة ضد المصالح الأمريكية”.
3. المرحلة الثالثة والأخطر (ديسمبر 2025): التجريد من الإنسانية والتحريض المباشر. في جلسة مع أعضاء إدارته، عمّم ترامب هجومه ليشمل الصوماليين في مينيسوتا، واصفاً إياهم وبمن فيهم النائبة إلهان عمر بـ “الحثالة”، قائلاً: “بلدهم كريه الرائحة، ولا نريدهم في بلدنا”. هذه العبارات (“حثالة”، “كريه الرائحة”) ليست سجالاً سياسياً؛ إنها مفردات خطاب يدعو لتجريد صريح للآخر من الإنسانية (dehumanization) ويمثل الكراهية الكلاسيكية التي سبق أن سادت واستُخدمت ضد اليهود في أوروبا والسود في أمريكا وجنوب أفريقيا، وضد مجموعات كثيرة تم تهيئتها للاضطهاد.
*لماذا يشكل هذا خطاباً عنصرياً مؤسسياً؟*
1. النمط وليس الحادثة: الهجوم لم يكن رد فعل عشوائياً. بل هو نمط متكرر ومتصاعد يستهدف دائماً نفس الهويات: المهاجرين – المسلمين – السود – والمرأة. التركيز لاحقاً على إلهان عمر تحديداً – المرأة السوداء المسلمة المهاجرة – يجعلها الهدف المثالي لهذا النموذج الثلاثي للتمييز.
2. الربط بين الخطاب والعنف المؤسسي:
الخبر الذي نقل تصريح ديسمبر 2025 يذكر بشكل عرضي أن عمليات مخططة لهيئة الهجرة (ICE) ستركز على الصوماليين. هنا يكمن الخطر الحقيقي: الخطاب التحريضي لا يبقى كلاماً، بل يصبح غطاءً وتبريراً لإجراءات مؤسسية تمييزية. الكلمات تخلق مناخاً يقبل بملاحقة مجتمع بأكمله.
3. تأثيره على الديمقراطية: هذا الخطاب يحول السجال الديمقراطي من صراع على الأفكار (كالضرائب والصحة والسياسة الخارجية) إلى صراع هوياتي سام. السؤال لم يعد “ما هي سياستك؟” بل “من أنت؟ وهل تنتمي حقاً إلى هنا؟”. هذا يضعف جوهر الديمقراطية القائم على المساواة في المواطنة ويشرعن التمييز.
*ما وراء إلهان عمر:*
قصة هجوم ترامب المستمر على إلهان عمر وباقي “الفرقة” هي قصة إنذار. إنها تظهر كيف يمكن تحويل الخطاب العنصري إلى استراتيجية سياسية مربحة لفصيل ما، عبر استهداف “الآخر” وتعبئة المشاعر بالخوف والاستعلاء.
الخطر ليس فقط على إلهان عمر أو المجتمع الصومالي الأمريكي، بل على فكرة أن الشعوب تشكل مجتمعات تتسع للتنوع الفسيفسائي الذي يرسم صورة جميلة متجانسة. عندما يشكك ترمب في انتماء مواطنين لأن أصولهم من الصومال أو بورتوريكو أو فلسطين، أو لأن لون بشرتهم أسود أو دينهم الإسلام، فإن النسيج الإنساني بأكمله يتعرض للاهتزاز.
التحدي اليوم ليس فقط إدانة الكلمات، بل مواجهة المنطق المؤسسي الذي يسمح بتحويل هذه الكلمات إلى سياسات، والتصدي للاستراتيجية التي تريد أن تجعل من التنوع البشري نقطة ضعف بدلاً من أن تكون مصدر قوة. الصمت في وجه هذا التصعيد ليس خياراً، لأنه صمت أمام تفكيك مبدأ المساواة الذي تقوم عليه الإنسانية.
أفهذا هو الرجل الذي نراهن عليه ونأمل في تدخله لصالح بلادنا؟
هذا ليس سؤالاً استفهامياً بل هو سؤال استهجاني.



