رأي

نظام إقرار الشحنات المسبق: محدودية الانتشار وتعقيدات التطبيق

حبيب الله عبد الوهاب علي **

يُعد مفهوم الحوكمة من المفاهيم التي يقوم عليها بنيان الدول الحديثة وهي تستند بالأساس على قيم، ومبادئي الشفافية، والعدالة، والمصداقية.

فالقطاع الاقتصادي بمكوناته الرئيسية، التجارة، الزراعة، الصناعة والخدمات، يعتبر من أحوج القطاعات لتطبيقات الحوكمة، وبشكل أكثر تحديدا الحكومة الرقمية تأتي في سلم مطلوبات بناء الدولة الحديثة.

وفي ذات السياق، فقد أعلنت الجمارك السودانية مؤخراً عن تطبيق نظام إقرار الشحنات المسبق (ACD Advance Cargo Declaration) لكل الواردات المتجهة الي الموانئ السودانية اعتباراً من بداية العام 2026 وذلك بغرض تعزيز المفاهيم والنظم الحديثة التي تقود الي تسهيل وتبسيط وتسريع إجراءات التخليص الجمركي والأعمال اللوجستية لكافة البضائع وذلك قبل زمن كافٍ من تاريخ وصولها.

ووفقاً للعديد من البيانات الإقتصادية العالمية، فإن نظام إقرار الشحنات المسبق، يعتبر نظاماً إقليمياً تعتمده عدد من الدول الأفريقية غالبها دول وسط وغرب أفريقيا ويأتي تحت مسميات متعددة مثلECTN Electronic Cargo Tracing Note وبعض الدول تسميه ACID Advance Cargo Information Declaration، وجميعها تحمل ذات المعني والمفهوم وهو نظام يجد الدعم من المنظمة الدولية للبحار IMO ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية UNCTAD.

وتشير الإحصائيات، إلى أن حوالي 24 دولة من أصل 54 دولة من القارة الافريقية ، تعتمد شهادة الإقرار المسبق لشحنات الاستيراد المتجهة إلى موانئها من بينها تشاد، الكونغو الديمقراطية، جنوب السودان، أنغولا، بنين، السنغال والكاميرون، إلا أننا نجد دولاً ذات ثقل تجاري مؤثر واقتصاديات متقدمة في حجم جنوب أفريقيا، الجزائر، يوغندا وتنزانيا لا تعتمد هذا النظام، كما أن دولاً عربية ذات وزن تجاري لا تعتمده أيضا، من بينها المملكة العربية السعودية، وعلى المستوى الدولي فإن تركيا والهند والصين لا تعتمد نظام إقرار الشحنات المسبق ، وإذا ما سلمنا بأن المنصة الالكترونية التي تقوم بإصدار شهادة الـ AC للبضائع المتجهة الي الموانئ السودانية تحقق الأغراض التالية:

• رقمنة وتسهيل الإجراءات الجمركية واللوجستية للبضائع الواردة.

• التكامل شبكياً مع الجهات الحكومية المختلفة مثل البنوك، المواصفات، التجارة والموانئ وغيرها بما يسهل عملية الدفع الالكتروني للرسوم الجمركية والضرائب وتداول المستندات وبيانات معاملات الاستيراد.

• تحقيق أقصى ما يمكن من درجات الكفاءة والفعالية التشغيلية لنظام التخليص الجمركي بما يقود إلى تسريع إجراءات الإفراج الجمركي عن البضائع المستوردة وتمكين المخلصين أو المستوردين من المتابعة الآنية لسير الإجراءات

• تعزيز وضمان الشفافية خاصة فيما يتعلق بقيمة البضائع المستوردة (الفاتورة)

• التتبع الجيد للشحنات المتجهة للسودان بالتالي التنبؤ بمواعيد وصولها.

 

وبالنتيجة، فإذا كانت الأغراض أعلاه هي التي يقوم عليها هذا النظام الجديد، فإن الجمارك السودانية قد ظلت ومنذ سنوات عديدة تطبق كل أركانه ومطلوبات التحول الرقمي بدرجة تفوق عالية وانضباط لا مثيل له حتى إذا قرأناها بمثيلاتها في الإقليم الافريقي والعربي.

فقد قامت الجمارك، و ما زالت، تقوم بتدريب وكلاء التخليص على أحدث نسخة عالمية لنظام التخليص الجمركي وتمكينهم من تزويد النظام ببيانات البضائع المشحونة قبل وقت كافٍ من وصولها دون الحاجة إلى زيارة مقرها كما مكنت المستوردين من سداد الرسوم الجمركية المقررة عبر نظام الدفع المؤسس بين الجمارك وكافة البنوك التجارية السودانية، كل ذلك عبر ربط شبكي مميز ويتم إنجازه في وقت قياسي قبل وصول البضائع فعليا إلى موانئي البلد ويحصل المستوردون تبعاً لذلك على الإفراج الجمركي النهائي إلا لبعض السلع التي تتطلب المعاينة الميدانية بعد وصلها.

وفيما يتعلق بمصداقية وشفافية الفواتير المقدمة من قبل المستوردين فقد ظلت الجمارك ومنذ سنوات طويلة تعتمد قيما جمركية لمعظم البضائع المستوردة، مقومة بالعملة الصعبة (الدولار مثلا) فيما يعرف بالسجلRecord، وهو نظام الكتروني ضمن حلقة نظام التخليص الجمركي لا يسمح بقبول الفواتير المتدنية القيمة Under Invoices بل ويعاقب النظام ماليا كل من يقدم أسعار تقل عن نصف المعتمد في سجلاتها بالتالي نستطيع القول بأن موضوع أسعار السلع المستوردة محسوم بشكل نهائي فلا خوف على الموارد السيادية من التلاعب.

تتبع الشحنات و التنبؤ بمواعيد وصولها إلى بورتسودان غالباً لا يتحقق بصورة دقيقة نظراً لوجود معوقات عملية منها أن معظم الخطوط الملاحية التي تستخدم الحاويات في حالة السودان تشترط على زبائنها ما يعرف بـ Transhipment أي إمكانية إنزال الحاوية في أي ميناء قبل ميناء الوصول و إعادة شحنها لبورتسودان لاحقا بعد فترة زمنية غير محددة قد تمتد إلى 3 أو 4 أشهر في بعض الحالات بالتالي لا يمكن من الناحية العملية التنبؤ بميعاد وصولها إلى ميناء بورتسودان، أما البواخر البلك فمعظمها بواخر مؤجرة Chartered Vessels غالبها ليست خطوط ملاحية منتظمة بالتالي من الناحية العملية لا يمكن تتبع مسارها أو التنبؤ بمواعيد وصولها إلا بعد أن تقترب مسافة أسبوع من تاريخ الوصول وهي فترة زمنية غير كافية.

 

خلاصة القول هي أنه و في حالة السودان الراهنة لا يمكن التخطيط بشكل جيد و كافٍ بأي حال من الأحوال لاستقبال أي بضائع متوجهة إلى السودان.

وفي ذات الإطار ، فإن الهيئة السودانية للمقاييس و المواصفات قد تقدمت خطوة مهمة في اتجاه تأمين و تعزيز جودة السلع المستوردة عندما اعتمدت عبر الإعلان رقم 11/2025 نظام الفحص السابق للشحن PSI Pre- Shipment Inspection لمعظم البضائع المخطط لاستيرادها وصولاً إلى إصدار شهادة المطابقة النهائية قبل شحن هذه البضائع أو ما يعرف بالـ Certificate of Conformity CoC ، والذي سيدخل حيز التنفيذ اعتبارا من مطلع العام 2026 ،وهو نظام تتبعه عدد من الدول الافريقية ذات الثقل التجاري المعتبر إضافة إلى بعض دول المنطقة العربية ذات الارتباطات التجارية العالمية، من بينها مصر، الجزائر ، إثيوبيا ، العراق ، كينيا ، الكويت، المملكة العربية السعودية، المغرب و تنزانيا.

ومما يجدر الإشارة إليه، أن هذا النظام يهدف بشكل أساسي إلى التحقق المسبق من مطابقة البضائع المستوردة للاشتراطات الفنية ومعايير الجودة السودانية، وعلى الرغم من التحفظات على هذا النظام، فإنه ينسجم مع مضامين نظام الـ ACD، إلى حد كبير، بل ويعتبر بديلاً له لدى الكثير من الدول حول العالم.

والحقيقة المهمة التي ينبغي أن تذكر هنا ، أن الجمارك السودانية بما لها من إمكانيات عظيمة وخبرات ممتدة في مجال الحوكمة والتحول الرقمي ، فهي في الحقيقة تمارس وتحقق وتشغل أحدث تطبيقات الرقمنة لنشاط التجارة الخارجية (الاستيراد مثلا) وما يتصل به ولا أظنها في حاجة إلى إضافة منصة الكترونية جديدة، قد تشكل عبئا إداريا جديدا، وتعقيدات تشغيلية قد تؤدي إلى نتائج عكسية، مما يترتب عليه إرباك مسار الإجراءات و نشاط التجارة الخارجية بالكلية خاصة الاستيراد، كما أن المنصة الجديدة ستضيف أعباء مالية تضاف إلى فئات الرسم الجمركي التي يسددها المستوردون و يتحملها المستهلك السوداني في نهاية المطاف و هي الأعلى في تاريخ البلاد.

وفي ذات الاتجاه، ومن خلال استعراض محتويات الموقع الرسمي للمنصة الإلكترونية الذي اطلقته الجمارك السودانية ، ACD Acdsudan.com تبين وجود شركة إماراتية المقر باسم ITR Logistics & Trade DMCC Free Zone Dubai معنية بإصدار هذه الشهادات و تحصيل رسوم الإصدار التي تتراوح ما بين 0.80 دولار على الطن في حالة البواخر البلك و حوالي 5 إلى 6 دولار على الطن المشحون عبر الحاويات في حسابها البنكي لدى بنك الامارات الوطني NBD و بالدولار وذلك بناءا على الفاتورة المبدئية التي تصدرها نفس هذه الشركة أو هكذا، كما يستعرض الموقع الرسمي خطوات الحصول على هذه الشهادة ضمن الفقرة رقم 16 ، وهو ما يمكن الاطلاع عليه بوضوح في ذات الموقع الرسمي، وهذا يعني بالضرورة أن هذه الشركة ستتمكن بشكل حصري من الاطلاع على تفاصيل قاعدة بيانات الاستيراد للشركات السودانية، وهي بالطبع بيانات حساسة ينبغي أن تكون مملوكة حصريا للجهات الحكومية ذات الصلة بعمليات الإحصاء، من حيث الرصد و المعالجة ضمن قواعد البيانات الخاصة بأجهزة الدولة.

ومما أخلص إليه من توصية ونتائج لهذه القراءة الاقتصادية الوطنية الخالصة، هو أنه إذا كانت الجمارك السودانية ماضية في سبيلها لتطبيق نظام الـ ACD ،فإننا نرجو أن تكون نافذة وطنية خالصة تتولاها الجمارك بنفسها أو تمكن وكلاء التخليص الجمركي أو المستوردين أو أي طرف ثالث من إدخال البيانات الضرورية، ورفع المستندات المطلوبة ، على أن يكون وطنيا ،كما نرجو أن تصدر هذه الشهادات مجانا أو بمصروفات رمزية تدفع بالعملة الوطنية، تجنبا للتعقيدات التي عادة ما تصاحب التحاويل المالية خارج السودان ، إذ لا تزال معظم المؤسسات المصرفية على مستوى العالم تمتثل لتعليمات الحظر المالي المفروض على البلاد .

** خبير تجارة دولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى