رأي

“الإيغاد” على حافة التفكك؛ من تعليق السودان عضويته إلى انسحاب إريتريا .. وانكشاف الوساطة في القرن الأفريقي

مهند عوض محمود

في الثاني عشر من ديسمبر الجاري أعلنت إريتريا رسميًا انسحابها من منظمة دول الـ”إيغاد”، في بيان صادر عن وزارة خارجيتها من أسمرا، وضع حدًا نهائيًا لعلاقة اتسمت بالتوتر وفقدان الثقة على مدى سنوات. لم يكن الإعلان خطوة مفاجئة أو رد فعل آنيًا، بل تتويجًا لمسار طويل من الخلافات البنيوية داخل المنظمة، ولقناعة إريترية راسخة بأن “إيغاد” فقدت ولايتها القانونية ودورها الإقليمي، وتحولت من إطار للتعاون الجماعي إلى منصة مسيّسة تفتقر إلى الحياد وتُستخدم أحيانًا ضد مصالح دول بعينها.

تتضاعف دلالة هذا الانسحاب عند وضعه في سياقه الإقليمي الأوسع، إذ تصبح إريتريا الدولة الثانية مع السودان التي تُعطّل علاقتها مع الإيغاد خلال فترة زمنية متقاربة، وهو ما ينقل الأزمة من كونها خلافًا ثنائيًا إلى مؤشر على خلل هيكلي أعمق. فالسوابق المتراكمة تشير إلى أن المنظمة لم تعد قادرة على الحفاظ على الحد الأدنى من الثقة بين أعضائها، وهو شرط جوهري لأي إطار إقليمي فاعل.

السودان كان قد جمّد تعامله مع الإيقاد في يناير 2024 عقب القمة الاستثنائية للمنظمة التي ناقشت تطورات الحرب السودانية. وقد رأت الخرطوم أن تلك القمة شكّلت لحظة فاصلة، تجاوزت فيها الإيغاد دور الوسيط المحايد، عبر تبنّي مسار سياسي محدد لا يراعي طبيعة الحرب القائمة وتعقيداتها الميدانية، ومحاولة الدفع بمبادرات اعتُبرت مساسًا بالسيادة ومنحًا لشرعية سياسية لطرف متمرد. ويمكن تلخيص السبب الأقوى للتجميد في فقدان السودان الثقة في حياد الإيغاد وقدرتها على إدارة الملف السوداني بمعزل عن الضغوط الإقليمية والدولية. ورغم هذا القرار، لم يُعلن السودان انسحابًا قانونيًا من المنظمة، بل اكتفى بتعليق التعامل معها كرسالة سياسية واضحة.

وفي مارس من هذا العام، بعث السودان رسالة رسمية عبّر فيها عن نيته استئناف الانخراط مع الإيغاد، في خطوة فُهمت على أنها محاولة لاختبار إمكانية مراجعة المسار أو إعادة ضبط العلاقة. غير أن هذه النية لم تُترجم إلى أي خطوات عملية؛ إذ لم يشارك السودان في اجتماعات الإيغاد، ولم يستأنف نشاطًا مؤسسيًا داخلها، كما لم يصدر عن المنظمة أي بيان رسمي يؤكد رفع التجميد أو إعلان عودة السودان فعليًا. وبذلك، ظل وضع السودان أقرب إلى تعليق عملي مستمر، مصحوب بإشارة سياسية غير مكتملة، لا ترقى إلى مستوى العودة المؤسسية.

في هذا المناخ المأزوم، جاء فشل الاجتماع السياسي للقوى السودانية الذي كان مقررًا انعقاده في جيبوتي برعاية الاتحاد الأفريقي والإيغاد، ليؤكد محدودية قدرة المنظمة على إدارة مسارات سياسية معقدة. اعتذار الكتلة الديمقراطية عن الحضور بسبب توجيه دعوة لتحالف «تأسيس» عكس عمق الانقسام الداخلي، لكنه في الوقت ذاته كشف عجز الإيغاد عن فرض قواعد مشاركة متوازنة، وأظهر أن المنظمة باتت ساحة استقطاب أكثر من كونها منصة توافق.

الكتلة الديمقراطية، التي تضم حركات مسلحة موقعة على اتفاق جوبا مثل حركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم، وحركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي، إلى جانب قوى سياسية من بينها الحزب الاتحادي الديمقراطي وتحالفات مدنية وجهوية أخرى، رأت في دعوة «تأسيس» محاولة لفرض مسار سياسي بعينه تحت غطاء إقليمي. قبول الإيغاد بهذه الصيغة دون توافق مسبق فُهم باعتباره انحيازًا سياسيًا، وأدى عمليًا إلى إفشال الاجتماع قبل انعقاده.

المعضلة الأعمق أن دول الإيغاد ليست فقط أطرافًا مباشرة في نزاعات الإقليم؛ بل إن بعضها يلعب، بدرجات متفاوتة، دور الراعي غير المباشر لتلك النزاعات. فاستضافة فصائل معارضة، أو التساهل مع نشاطات عابرة للحدود، أو إبقاء التوترات في حالة سيولة محسوبة، يسمح بتوظيف الصراعات كورقة ضغط في ملفات استراتيجية تتعلق بالمياه والموانئ والنفوذ الإقليمي. في هذا السياق، لا تُدار بعض النزاعات بغرض حسمها، بل يُترك لها أن تبقى قابلة للتحريك، تُستخدم لتحسين المواقع التفاوضية أو إعادة رسم خرائط النفوذ، ما يجعل الوساطة داخل الإيقاد مثقلة بتضارب المصالح ومفرغة من مضمون الحياد.

ومن منظور استراتيجي، فإن انسحاب إريتريا بعد تجميد السودان يفتح الباب أمام ما يمكن وصفه بـ عدوى التعليق أو الانسحاب. فالمنظمات الإقليمية تقوم على الإحساس بالمنفعة المتبادلة، لا على الإلزام؛ وحين تتآكل هذه المنفعة، يصبح الخروج خيارًا عقلانيًا. بعض دول الإيغاد قد لا تسارع إلى الانسحاب، لكنها قد تعيد تقييم مستوى التزامها، مكتفية بعضوية شكلية مقابل إدارة ملفاتها الحيوية عبر تفاهمات ثنائية أو تحالفات مرنة خارج الإطار الجماعي.

في المقابل، تتمسك دول أخرى بعضوية الإيغاد بدوافع مصلحية واضحة. جيبوتي ترى في المنظمة جزءًا من دورها كعاصمة دبلوماسية إقليمية؛ أوغندا تنظر إليها كغطاء سياسي يمنح شرعية لتحركاتها العسكرية في جنوب السودان والصومال؛ جنوب السودان يتمسك بها كنافذة بقاء دبلوماسي؛ بينما يتعامل الصومال معها كمظلة دعم وشرعية في مواجهة تحديات الدولة الهشة. هذا التباين في المصالح يجعل الإيقاد إطارًا غير متجانس، تتعايش داخله رؤى متناقضة حول معنى الوساطة ودور المنظمة.

المشهد العام في القرن الأفريقي يشير إلى مرحلة إعادة اصطفاف صامتة ولكن عميقة، تتراجع فيها فكرة الأمن الجماعي لصالح صفقات مؤقتة وتحالفات متغيرة. وإذا استمر هذا المسار، فإن الإيغاد مرشحة للتحول إلى كيان إداري شكلي، يؤدي وظائف تقنية محدودة، بينما تُسحب منه الملفات الاستراتيجية تباعًا. الأخطر أن هذا التآكل لا يهدد الإيغاد وحدها، بل يمتد إلى منظومة العمل الأفريقي ككل، ويضعف قدرة الاتحاد الأفريقي على لعب دوره كمرجعية جامعة لحل النزاعات.

في المحصلة، فإن تجميد السودان لتعامله مع الإيغاد في 2024، وعدم عودته الفعلية رغم إشارات مارس، ثم انسحاب إريتريا النهائي في ديسمبر 2025، ليست أحداثًا منفصلة، بل حلقات في أزمة واحدة؛ أزمة بنية إقليمية فقدت القدرة على إدارة تناقضات القرن الأفريقي. وما لم تُجرَ مراجعة جذرية تعيد تعريف دور الإيغاد، وحدود تدخلها، وآليات اتخاذ القرار داخلها، فإن المنظمة ستواصل التآكل، فيما يتجه الإقليم إلى إدارة أزماته خارج أي مظلة جماعية، في مسار يحمل مخاطر استراتيجية على الاستقرار ومستقبل العمل الأفريقي المشترك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى