رأي

محمود عبد العال .. كان ناظرنا  .. رحيل أستاذ … مع رحيل أمة

عبد اللطيف البوني

تفنن الانجليز في تكييف المرحلة الوسطى في سلمهم التعليمي الذي اختصوا به السودان؛ فقد جعلوها واسطة العقد التعليمي؛ وجعلوا الدخول إليها هو الجسر المفضي للصعود لأعلى …وفي حالة عدم عبوره تدلف إلى سبل الحياة الأخرى…إذ يجلس للدخول للمدرسة المعنية بضع مئات فيؤخذ الأربعين الأوائل فقط … بينما قد يصل عدد الناجحين عدة مئات… لذلك يسمون الملتحقين بالمدرسة الفائزين….

إن شاء الله يا بسام تتحقق الاحلام ..

وتطلع نتيجة العام ..

وتكون من الفائزين

كما غنى صديق أحمد..

 

لقد كان الدخول للمدرسة الأميرية الوسطى قمة الأحلام.. هذة الفلترة المبكرة مازالت موضوع نقاش… هل هي الأصوب أم السياسة التي جاءت بعدها والتي اجترحها محي الدين صابر في أول عهد نميري … في السلم التعليمي الذي طبقه في عام 1969..

ما علينا …

ولكن الشاهد بل المؤكد أن الانجليز أرادوا بالمرحلة الوسطى أن تكون العتبة الأولى في صناعة النخبة السودانية الحديثة … النخبة المشبعة بالقيمة الغربية الحديثة …النخبة المنبتة عن الثقافة التقليدية السائدة قبل احتلالهم للسودان …حتى الذائقة الغذائية لهؤلاء اليفع عملوا على تغييرها… وإلا قل لي بربك ماذا يعني أن يأكل كل تلاميذ السودان في المرحلة الوسطى من حلفا إلى بابنوسة ومن الكرمك الي الجنينة رغيفة القمح (الجنوب كان خاضعاً لقانون آخر)… قل لي بربك ما الذي يجعل مباني تلك المدارس موحداً في كل السودان ..الفصول.. الداخليات.. وبينهما قاعة الطعام …ميادين الرياضة … بيت الناظر …منازل المعلمين …الساحات …النشاط اليومي من صباح الرحمن إلى جرس النوم عند العاشرة مساء موحدا في كل السودان …إنه التنميط ..

لكن الشهادة لله، المنهج الأكاديمي كان مكرباً وعالمياً … يعبر عن الليبراليين الانجليز الحقيقيين عكس منهج المرحلة الأولية بتاع ناس مستر قريفث المحافظين وهذة قصة أخرى …

 

نحن في كاب الجداد الوسطى دفعة (1965…1970) حيث ارتد علينا سلم محي الدين صابر بسنة خامسة اسميت ثالثة ثانوي عام …فقد انطبق علينا كلما ذكرناه أعلاه من سياسة عامة متعلقة بالمرحلة الوسطى … وقد حبانا الله بميزات خاصة أخرى …لعل أولها أن كل النظار الذين مروا علينا في الفترة المشار إليها كانوا من أولاد الخرطوم بحري … عبد المحمود طيب الأسماء من شمبات .. عوض حسن أحمد من الصبابي …محمود عبد العال من حلفاية الملوك … رحمهم الله جميعا وأسكنهم فسيح جناته … أولاد بحري أولاد بنادر.. غير أولاد بخت الرضا.. التي لم يترك لها العلامة عبد الله الطيب وأستاذنا عبد الله علي إبراهيم صفحة ترقد عليها .. وهذة قصة ثالثة …

 

أستاذنا عوض حسن أحمد وهو شاعر كبير غنى له الفنان عبد العزيز داؤود عدة أغاني … أشهرها أغنية صغيرتي ..

مازلت أذكر خصلة عربيدة فوق الجبين/ مازلت اقرأ في السطور فأستبين البعض أو لا أستبين .. كان مدرسة متفردة إذ كان له رأى سلبي في الإغراق الأكاديمي الذي كان سائدا يومها … وكان ميالا للنشاط اللاصفي …كان مهتما بالثقافة والفكر والأدب …كان يسارياً تابعاً للحزب الشيوعي جناح الصين .. عرَّفنا على سلامة موسى وزكي نجيب محمود ونجيب محفوظ والعقاد وحسين مروة؛ كنا سعداء بذلك الدفق الثقافي ولكن إدارة التعليم في مدني كان لها رأي آخر إذ اعتبرت ذلك خروجا عن الخط المرسوم … وهو فعلا كذلك … فتم نقله تعسفياً … وأُحضر للمدرسة ناظر جديد وهو الأستاذ محمود عبد العال كقائد حملة لإنقاذ المدرسة فاشترط عليهم اختيار الاصطاف الذي يعمل معه ..كما حكى لي فيما بعد .. فانتقى أستاذ الخير أحمد الزبير كنائب له … فكان نعم الاختيار… فعملا على تلافي النقص الأكاديمي الذي حدث قبلهما …ولكن لحسن حظنا كان الناظر محمود واسع الأفق فمع زيادة الضخ الأكاديمي أبقى على كل النشاط اللاصفي الذي أحدثه الأستاذ عوض. . فاستمرت الجمعية الأدبية ..والمنافسات الثقافية بين التلاميذ …وحصص المكتبة …والجرائد الحائطية وليالي السمر … المنافسات الرياضية …

 

أستاذنا محمود عبد العال والذي رحل عن دنيانا في الشهر الماضي كان نسيج وحده، كان معلما نادرا …كانت الأكاديميات والنواحي الثقافية عنده بمستوى واحد …سمعنا بتخفيض قيمة الجنية السوداني فسألناه عنها فشرحها لنا بطريقة تناسب عقولنا لم أجد لها مثيلا حتى يومنا هذا …كانت لدية نظرة ثاقبة في تلاميذه …في تلك الأيام حكى لي صديقي ورفيق دربي وتوأم روحي… صديق محمد أحمد مضوي رحمة الله عليه… عندما دخل على أحد الأساتذة لتصحيح واجب مدرسي وصادف أن كان الناظر محمود موجود في المكتب فأشاد الأستاذ بأداء صديق … فتدخل الناظر محمود قائلا يا مضوي إنت حاتدخل الجامعة فساله الاستاذ من سيكون معه… فعدد له أربعة … ونحن خارجين من الفصل متجهين للداخلية لحق بي صديق فقال لي إنت من المبشرين بالجامعة … وحكى لي القصة ولعل المفارقة أن كل المذكورين لم يكونوا في الخمسة الأوائل في الدفعة… بل كان أحدنا في الطاشرات …تفرقنا في المرحلة الثانوية ثم التقينا الخمسة في جامعة الخرطوم في عام 1975 ولم نزد واحدا …

كنت رئيس داخلية في عهد الأستاذ محمود وما أدراك ما رئيس الداخلية في ذلك النظام … فقد كانت له سلطات تجعله أقرب للمدرسين من التلاميذ …وكنت رئيسا للجمعية الأدبية في ذات الوقت … استدعاني ذات يوم وقال لي في ولد في سنة أولى مبرز وعنده ميول أدبية واضحة … أنا عاوزك تحوله للداخلية بتاعتك عشان يستفيد منك …وتعطيه فرصة في الجمعية الأدبية… فقلت له مافي مشكلة في إدخاله في نشاط الجمعية الأدبية… لكن تحويله من داخليته بيعمل لينا مشكلة لأني سوف أتهم بالانحياز لداخليتي ..فوافق على كلامي مع انه كان بإمكانه أن يأمر بما يريد …كان ذلك التلميذ هو عوض الله محمد عوض الله (دكتور الإعلام فيما بعد) والذي كان مذيعا لأمعا باذاعة صوت الأمة …ولكن الاغتراب أخذه من البلاد مبكراً …صدر للدكتور عوض الله كتاب عن مدرسة كاب الجداد عدد فيه الكثير من مناقب الأستاذ محمود .. رحل عوض قبل عدة أشهر إثر ذبحة صدرية في مطار القاهرة ..فيا سبحان الله الذي جعله يقول شهادته في أستاذه وكأنه يعلم أنه سوف يرحل قبله …

 

التقيت بالأستاذ محمود في مطلع ثمانينات القرن الماضي بمكتب المحلق التعليمي السعودي الذي كان يقع غرب مقابر فاروق… ويومها كان الأستاذ حديث عهد بالمعاش … وكنت حديث التخرج وكنا نكمل في إجراءات التعاقد للعمل كمدرسين في السعودية …. ويومها لم يكن السودان طارداً بل كانت السعودية جاذبة… ولم يكن هناك تدافعاً للاغتراب … وكان شيخ حمد الصلفيح رئيس لجنة التعاقد رجلا فاضلا يتحدث مع المتقدمين باحترام شديد …..مرغبا لهم في العمل هناك…باسطا أمامه خارطة المملكة ليختار المتقدم الجهة التي يريد … أما لقائي باستاذي محمود بعد طول غياب فقد كان مؤثرا جداً …قلت له ما معقول يا أستاذنا أن تهاجر كفاءة وخبرة من أمثالك… فرد بالقول هل المعقول أن يهاجر شباب من أمثالكم يحتاجهم الوطن …كنا نطلع وننزل مع بعض كل أيام الإجراءات كأننا صديقين قديمين… كانت أيام لاتنسى ومن ساعتها لم ينقطع التواصل بيننا … في السعودية كنا نتبادل الخطابات… وبعد الاغتراب زرته كذا مرة بالحلفاية .. بعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي كنا نتلاقى شبه يوميا على الواتساب …حكاويه ..قصصه .. ذكرياته.. لاتمل أبدا … ذاكرته من أبدع مايكون … صوته … ضحكته ..دقة ملاحظته .. متابعته للشأن العام …لم تتغير أبدا …كتبت عنه كثيرا في هذا العمود …فتكرم على وأنعمني بكذا منشور ..

انقطع التواصل بيننا مع بداية الحرب الحالية… ولم أحصل على خبر منه إلا بعد أن نعاه الناعي في الشهر الماضي…

 

لقد وقع الخبر علي صاعقاً لأنني كنت متلهفاً لأخباره …مشفقا عليه من أهوال الحرب ..رجعت لآخر رسالة لي في رقمه وقد كانت بعد اجتياح الدعم السريع للحلفاية بيوم واحد …

الذي يحز في نفسي ويضاعف حزني عليه أنه غادر سودانا غير الذي أنفق عمره في بنائه … نعم أستاذ محمود من بناة السودان الحديث .. لقد عمل في كل أرجائه … خرج الألوف المولفة من التلاميذ ….بنى اجيالا من البشر ..أسهموا بدورهم في بناء السودان …..ولكن من نكد الدنبا عليه وعلينا هاهو يرحل بعد أن رأى كل ما بناه قد تهدم …وهاهو السودان معلقا بين السماء والأرض يبحث عن خرط جديدة وعن أسماء جديدة …

 

أستاذنا محمود لقد تداخلت فجيعتنا فيك مع فجعتينا في السودان …ومع سفرك سافر كل السودان …وها نحن في الشتات نسمع برحيلك بعد أسابيع …من حدوثه فلم نصلي عليك مع المصليين ..ولم نجلس في الصيوان مع المعزين … جانا الخبر منشاع ..في الأربع قبل … أسود طويل الباع …ونحن غرباء وحيدين نعزي أنفسنا فيك ونبكي أنفسنا ونبكيك …

 

اللهم يا مدبر الأكوان ومجري المقادير …إن أستاذنا محمود عبد العال قد جاءك بعد أن انجز مشروعه الوجودي على أكمل وجه ..فدرس .. وعلم… وربى وثقف… وهذب … فاللهم تقبله عندك قبولا حسنا وأسكنه الفردوس الأعلى مع الصديقين والشهداء والصالحين واجعل البركة في عقبه ..

صادق تعازينا لأسرته الكبيرة والصغيرة بحلفاية الملوك … فالأستاذ محمود لم يكن فقدكم وحدكم بل فقد أمة وبرحيله لقد احترقت مكتبة يندر أن يجود الزمان بمثلها …

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى