هل كانت الهوسا لغة الحضارة الكوشية ؟

السفير عطا المنان بخيت
فى إحدى زياراتي لجمهورية النيجر، إستقبلني فى مطار نيامي صديقي الجنرال محمد أبو تاركا بترحاب كبير، وبعد وصولي إلى الفندق، وجه لي الدعوة للغداء فى منزله في اليوم التالي، وقال لي: عندي لك مفاجأة كبيرة ستعجبك كثيرا، ولم يفصح عنها.
فى اليوم التالي، إستقبلني الجنرال أبو تاركا في منزله العامر، وكان في صحبته شاب فى نهاية العقد الثالث من العمر، قدم نفسه، سليمان غاربا أستاذ التاريخ النوبي بجامعة نيامي. وفي الواقع فقد سررت أن أقابل أكاديمياً شاباً من النيجر، يهتم بالحضارة الكوشية النوبية، البعيدة جغرافياً وتاريخياً عن بلاده.
قال الجنرال أبو تاركا، هذه هي المفاجأة التي حدثتك عنها، لأنني أعرف أنك محب للتاريخ ومهتم بالحضارة النوبية القديمة، فأحضرت لك باحثاً سيحدثك عن معلومات لم تسمع بها من قبل عن الحضارة النوبية في السودان الشمالي.
قلت للأكاديمي النيجري، لا شك أنك تأثرت بكتابات البروفسور الشيخ أنتا ديوب عن الحضارة النوبية القديمة، والشيخ أنتا ديوب لمن لا يعرفه هو مفكر وعالم أنثروبولجي سنغالي، ذائع الصيت أجرى دراسات معمقة في الحضارة النوبية القديمة، وأعد أطروحة بعنوان الشعوب السوداء والحضارة، في خمسينات القرن الماضي، أثارت ضجه علمية واسعة، وكان مديراً لجامعة داكار في السنغال، وبعد وفاته رحمه الله، حملت الجامعة إسمه، فأصبحت جامعة الشيخ أنتا ديوب، وما تزال.
أكد الأستاذ سليمان أنه قرأ كتابات البروفسور أنتا ديوب، وتأثر بها كثيراُ، وأضاف قائلا : لقد واجهت نفس المشكلات التي واجهها البروفسور أنتا ديوب، لأن أطروحتي للماجستير أثارت ضجة واسعة فى الأوساط المهتمة بالدراسات النوبية والفرعونية القديمة، ولكنني وجدت دعماً كبيراً من الباحثين وعلماء الآثار فى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث حصلت على درجة الماجستير فى التاريخ القديم.
سألته عن موضوع رسالته للماجستير، ولماذا أثارت ضجة أكاديمية كبيرة. وهنا كانت المفاجأة الكبرى بالنسبة لي. فقال إن رسالته كانت عن فك شفرة اللغة الهيروغلوفية مستخدماً لغة الهوسا. وبالرغم من أن الموضوع قد يثير الدهشة والضحك معا، سألته عن علاقة النوبيين الكوشيين بالهوسا.
فقال إن الحضارة الكوشية تمددت حتى دلتا نهر النيجر، وربما حتى المحيط الأطلسي غربا. وأن الهجرات التي حدثت بعد إنهيار مملكة كوش كانت كبيرة جداً، غطت معظم أنحاء القارة الأفريقية، شرقاً حتى البحيرات العظمى، ولكن أكبر الهجرات كانت غرباً إلى دلتا نهر النيجر، وأن الكوشيين تكلموا لغة الهوسا، وإستخدموا هذه اللغة فى كتابة المخطوطات الموجودة فى المتاحف حالياً.
ثم أخرج الأستاذ سليمان مجموعة أوراق بها رسومات كثيرة، عرضها أمامي، وواصل الشرح المثير للإهتمام. فقال: إن اللغة الهيروغلوفية كتبت في شكل رسومات ورموز من الطبيعة وحياة الناس اليومية، وهي رموز تدل على معاني. فمثلا رسم طائر يرمز لحرف الطاء، وحرف الشين ترسم شجرة، وهكذا. ثم أخذ إحدى الوثائق وبدأ فك شفرتها بلغة الهوسا، فيكتب أمام كل رسم، أو رمز الحرف الذي يبدأ به في لغة الهوسا، وهكذا حتى أصبحت جملة كاملة ومفيدة.
سألته هل إستطاع قراءة وثائق أصلية كتبت بالهيروغلوفية، وهل أجرى حوارات مع علماء متخصصين في هذا المجال. أكد الباحث سليمان غاربا أن رسالته جاءت بعد بحث طويل، وأنه إستطاع بإستخدام لغة الهوسا، قراءة كل المخطوطات الأصلية القديمة وإعادة كتابتها بلغة أفضل من اللغة التي كتبها بها باحثون أخرون إستخدموا كتاب الشفرة الذي أعده علماء الآثار الغربيون، وعلى رأسهم الفرنسي شامبليون الذي استخدم اللغة القبطية القديمة لفك شفرة اللغة الهيروغلوفيه. وقال أنه أجرى حوارات معمقة مع علماء متخصصين في أمريكا وبريطانيا وفرنسا وأنهم جميعاً أثنوا على العمل غير المسبوق الذى قام به، وأكدوا دقة وصحة ترجمة المخطوطات التي فكها مستخدماً لغة الهوسا. ولكنه أشار إلى أن هنالك علماء آثار آخرين في المشرق العربي، لم يقبلوا فكرة العلاقة بين الحضارة النوبية القديمة والهوسا، ولكنهم أعترفوا بأن ترجمة المخطوطات صحيحة، وذلك فى تقديره لأسباب غير أكاديمية.
الباحث الاستاذ سليمان غاربا، ما يزال يواصل أبحاثه فى هذا الموضوع الهام، وهو باحث جرئ، قام بعمل غير مسبوق ونحن في السودان معنيون به تماما، لذلك ننادي على المختصين في بلادنا الإهتمام بهذا الموضوع والتواصل معه، فالعمل الذي يقوم به جدير بالمتابعة والإهتمام والنشر والتطوير.



