رأي

الدكتور إبراهيم الكباشي يعلق على مقال رئيس تحرير “المحقق” بشأن جلسة مجلس الأمن الخاصة بالسودان

 

من “المحقق”:
أثار مقال رئيس تحرير موقع “المحقق” الإخباري، السفير العبيد أحمد مروح، بعنوان “ما الذي لم يقله الدكتور كامل إدريس ؟”، والذي نشر البارحة، تعليقات متنوعة، وقد شكل تعليق الدكتور إبراهيم الكباشي، مقالاً في حد ذاته، رأينا – بعد استئذانه – أن ننشره تعميماً للفائدة.

الخطاب أمام مجلس الأمن كان سانحة مواتية لسرد وقائع العدوان و جرائمه التي هي نادرة الحدوث في العالم، كما هي عديمة المثيل في تاريخ السودان ، كما عبر عن ذلك كامرون هدسون في جلسة مجلس الأمن.
عندما يغيب عن المراقب التفسير المنطقي للمواقف الغامضة ، كتجاهل أبرز الحقائق الملازمة للعدوان، يستدعي تلقائيا القرائن الظرفية التي تقدم تفاسير تسد فراغ الوقائع الدامغة التي غابت عن الخطاب.

ملاحظات الطرح العام للخطاب كما بدت لي يحتويها جانبان:
* جانب منهجي، يتعلق بخطوات و تدرج مراحل الحل، و هذا المنحى المنهجي برز في الخطاب بتسلسل منطقي متواتر و سليم، يتنقل إلى إدراك القصد بتلقائية سلسة، تقف دليلا على مهنية علمية منضبطة.

* و جانب موضوعي، يتعلق بمضامين مظلومية السودان المطروحة بين يدي أكبر المنابر المعنية بالأمن الدولي. الأوفق هنا أن يستفرغ المظلوم جهده ليبين بأوضح بيان لحكومات و أمم العالم، و بأدق و أشمل التفاصيل ما حل بالسودان وأهله بسبب العدوان الراهن . حتى إن تطاولت ساعات سرد تلافيف و طوايا مسالك العدوان. فالجلسة مخصصة أصلا بناء على طلب السودان. و السانحة كانت موفورة لإبلاغ كل العالم (شعوبا و حكومات و منظمات و إعلام ..) و هو لا شك يصغي لأهوال ما اقترف العدوان.

فإن كان الغرب لا يزال يجتر ذكريات الهولوكوست في الحرب العالمية الثانية (كما تحرص على ذلك إسرائيل) و أقام لها متاحف و مناسبات سنوية تسكب فيها دموع التأسي، فإن ما حدث للمساليت في الجنينة وأردمتا و ما حدث لأهل الفاشر و ود النورة و السريحة و الهلالية و مئات القرى في سائر ولايات السودان، يفوق ما تواتر من روايات الهولوكوست التي تحرص إسرائيل على استزراعها في ذاكرة العالم ..
أتدري أن المانيا لا تزال تدفع منذ العام 1945م تعويضات لإسرائيل بسبب الهولوكوست؟
وأن العراق لا يزال يدفع تعويضات لمن تضرروا بسبب غزوه للكويت، بمن فيهم السودانيون؟

* دماء الإبادة الجماعية التي سكبتها المليشيا و المرتزقة الغزاة، و التي غطت رمال الفاشر، و تكامل رصدها حتى من ارتفاعات الفضاء بالأقمار الصناعية. و الشهود الذين رصدوا ذلك و وثقوه (جامعة ييل) كانوا على مسافة قريبة جدا من قاعة مجلس الأمن.
* و نيويورك تايمز التي أبلغت العالم أن الإمارات التي تؤجر و تنقل عشرات الآلاف من المرتزقة و تسلحهم لغزو السودان، كانت على بعد خطوات من مبنى الأمم المتحدة.
* تداول الكونغرس الأمريكي العدوان على السودان و أشار مَن استدعاهم للشهادة على تورط الإمارات بمن فيهم وزير الخارجية الحالي قبيل اعتماده للوزارة. و لا ينسى المرؤ تلك السيدة التي قالت في الكونغرس الأمريكي أن تورط الأمارات في غزو السودان سر معلن an open secret!
* مَن في العالم لا يعرف اليوم أن السودان يتعرض لعدوان قوامه المرتزقة الكولمبيين و غيرهم. حتى رئيس كولمبيا نفسه أدان علنا استغلال رعاياه في حرب الارتزاق الراهنة في السودان. و جاءت سفيرته في القاهرة للسفير السوداني معتذرة و مدينة لتورط مواطنيها في أعمال الارتزاق . ولقد خاطب السيد رئيس الوزراء نفسه بلغة كولمبيا (الاسبانية) رئيس و شعب كولمبيا عن جرائم المرتزقة الكولمبيين. ليته كذلك فعل، و بشرح تفصيلي واف في جلسة مجلس الأمن. وليته أبان للعالم و بذات التفصيل مَن الذي جلب المرتزقة و مَن دربهم و سلحهم و نقلهم ومكنهم من إبادة أهل السودان و الاستيلاء على أرضهم و مواردهم.

جهد كبير بذله السيد رئيس الوزراء (و طاقمه المعاون) في إعداد الخطاب بمنهجيته العلمية المتسلسلة. و جهد مماثل بذلته البعثة الدائمة لانعقاد مجلس الأمن للتداول الحصري في متعلقات العدوان. تلك كلها جهود واجبة. غير أن الذي يصعب فعلا استيعابه هو:

* المظلومية التي تقدم بها السودان لمجلس الأمن الدولي ناقصة في جوانبها الموضوعية الجوهرية.
* تقاصرت عن بيان الأطراف التي صنعت العدوان .تلك التي جندت و دربت و سلحت و أجرت المرتزقة و نقلتهم و تدفع أجرتها…
* تقاصرت كذلك عن بيان تفاصيل ما تسببه العدوان من أهوال و رزايا: القتل بشتى أنواعه. السجن في حاويات حديدية حتى الموت. الاغتصاب واسترقاق النساء وبيعهن في أسواق النخاسة. و اختطاف الناس من أجل الابتزاز ونهب الأموال و البنوك و المصانع و الأسواق، و المستشفيات ، و الجامعات. و البيوت، و مقار الأمم المتحدة و البعثات الدبلوماسية. و هدم البنى التحتية…الخ.

* اذا انتهت وقائع جلسة مجلس الأمن بالشكل الذي انتهت إليه. فإن مظلومية السودان تشابه واقعة لقتلة مأجورين شاهدهم جمع من الناس يعتدون على أهل بيت فقتلوا منهم عددا و نهبوا أموالهم و استرقوا نساءهم و أحرقوا بيتهم….. ذهب مَن تبقوا منهم يشتكون للنيابة، و لكن تحت تأثير الجناة ذوي السطوة و النفوذ، لم يستطع الشاكون أن يشيروا إلى الجاني باسمه مع توافر الشهود و المعروضات المستخدمة في جريمة القتل و النهب، و مع أن جثث الضحايا لا تزال في العراء، و المنهوبات معروضة في الأسواق، و النساء لم يزلن سبايا…
* تدرون ماذا فعلت النيابة ؟
* لما لم يذكر صاحب المصلحة اسم الجاني و صفته. فقد سجلت الحادثة بلاغاً ضد مجهول !!!
مجهول .. لكن كما أبانت تلك السيدة الأمريكية في إفادتها أمام إحدى لجان الكونغرس الأمريكي بأن المسألة (سر مكشوف an open secret !)

غير أن الخطاب تقاصر عن كل ذلك، و لم ينته إلى السودانيين أهل المصلحة، ما يشفي رغائب السودانيين فيما يتعلق بمصائرهم. ليت السيد رئيس الوزراء يستجلي غموض ما حدث ببيان واف صريح يشفي ما قد يتفاعل بشكل سلبي ما يدور في أذهان أكثر الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى