تقارير

الدبلوماسية السودانية بين تعدد الوزراء و ثبات النظم و اللوائح

 

المحقق- مريم أبشر

تعيش وزارة الخارجية والتعاون الدولي، منذ فترة طويلة حالة من عدم الاستقرار فى قمة هرمها الوظيفي، منذ التغيير الذي شهده نظام الحكم في السودان في أبريل 2019، فقد تولت كرسي الوزارة في حكومة الدكتور عبد الله حمدوك الأولى السيدة أسماء محمد عبد الله أعقبها الدكتور عمر قمر الدين الذي تولى المنصب بالتكليف ثم خلفته الدكتورة مريم الصادق، وهكذا تعاقب ثلاثة وزراء المنصب في غضون عامين.

 

وفي الفترة ما بعد 25 أكتوبر 2021 أوكل رئيس مجلس السيادة إدارة الوزارات للوكلاء بالتكليف، و قد تولى مقعد وزير الخارجية بالتكليف الوكيل حينها السفير على الصادق، فبقي في المنصب لعامين و نصف العام ، أعقبه الوكيل حينها السفير حسين عوض، ولم يمكث سوى بضعة أشهر حتى غادر ليحل من بعده الدكتور و الخبير الدبلوماسي على يوسف و لم يبق هو الآخر سوى أشهر معدودة.

بيد أن أقصر الوزراء فترة في تولى مهمة وزارة الخارجية كان السفير عمر صديق حيث تولى منصب الوزارة لأيام فقط قبل أن يقوم رئيس الوزراء المعين حديثاً، الدكتور كامل إدريس، بإعفاء الوزراء وتكليف الوكلاء بتسيير الوزارات لحين تشكيل الحكومة.

 

وبعد مدة تم تعيين السفير عمر صديق بمنصب وزير دولة بالخارجية، لكنه لم يبق إلا فترة قصيرة تقدم بعدها باستقالته من الوزارة، ليأتي بعده الوزير الحالي السفير محي الدين سالم

 

لوائح و نظم:

بعض المراقبين يرون أن توالي التغييرات فى قمة هرم الوزارة أثر سلباً على الأداء العام في فترة بالغة الحساسية، لجهة أن لكل وزير رؤيته الخاصة بتسيير دولاب العمل رغماً عن أن خارطة السياسة الخارجية للبلاد تضعها قيادة الدولة، فيما يرى آخرون أن تغيير الوزير لا يؤثر طالما أن قوانين و لوائح و أسس العمل بالوزارة و سياسة التعامل مع الخارج بشتى ضروبه على المستوى الثنائي ، الإقليمي و الدولي و الشراكات و غيرها تضع أطرها العامة قيادة الدولة وأن دور الوزارة ينحصر في التنفيذ وهو ما تقوم به كوادر الوزارة الدبلوماسية و الإدارية .

 

الأربع الأخيرة:

الملاحظ، بحسب مراقبين ذوي صلة، أن الأربع سنوات الأخيرة و خاصه منذ اندلاع حرب المليشيا فى العام 2023 أن رئاسة الوزارة شهدت تغييرات كثيرة، فقد شهد العام 2025 وحده تعاقب خمسة وزراء بعضهم قضى بضعة أيام فقط.

 

البعض يرى أن عدم الاستقرار يعود لاستهداف الوزارة في ذاتها و كيانها، بحسبان أن التغييرات المتكررة لم تحدث فى أي من وزارات الجهاز التنفيذي في كل أنظمة الحكم المتعاقبة على السودان، و يشير مصدر مختص تحدث لــ”المحقق” أنه معلوم بالضرورة أن البلاد تعيش حالة حرب و تعاني من ضائقة مالية، لكنه على الرغم من ذلك ظلت الوزارات الأخرى مستقرة في قمة هرمها الإداري بخلاف وزارة الخارجية.

 

 

الإشراف:

المصدر المختص يرى أن أحد أسباب عدم الاستقرار فى وزارة الخارجية يرجع لتدخلات بعض المسؤولين فى الدولة في تفاصيل الشأن المتعلق بعمل الوزارة، و أضاف إن رئيس مجلس السيادة وضع لبعض أعضاء المجلس مهمة الإشراف على الوزارات ومن المعلوم أن الهدف من الإشراف ليس التدخل في تفاصيل العمل الدبلوماسي الديواني اليومي للوزارة و أن هذا الأمر أسهم فى خلق بعض الخلافات و عدم التناسق بين معظم الوزراء الذين تعاقبوا على الوزارة و المشرفين عليها، و أرجع الخلاف لعدم التوصيف الدقيق لمهمة الإشراف علماً بأن جميع الوزراء الذين تعاقبوا على الوزارة كانوا من التكنوقراط وهم لا يحتاجون لتدخلات خارجية في مجال عملهم الديواني و أن التنسيق كان ينبغي أن يكون مباشراً مع رئيس مجلس السيادة المسؤول الأول فى البلد عن السياسة الخارجية وتوجيهها بجانب التنسق مع الوزارات و الأجهزة الأخرى ذات العلاقة بالعمل الخارجي،

مذكراً بأن الوزارة لا تنفرد بالعمل الخارجي لوحدها وإنما هنالك تداخلات و تشابكات مع جهات داخل الدولة و أن واجب الخارجية كجزء من روتينها اليومي هو التشاور مع هذه الجهات الحكومية فيما يتعلق بتوجيه السياسة الخارجية فى المجال المحدد.

 

برغم الظروف :

المصدر ذكر أنه برغم كل الظروف الصعبة، إلا أن الوزارة و منذ قيام الحرب و حتى اليوم ومع وجود العداء الشديد من دول الجوار و المحيط الإقليمي و الدولي و الدول الغربية، استطاعت الوزارة عبر منسوبيها و بنفس هادئ و بطول بال أن تضعضع هذا التآمر على السودان و العداء السافر للحكومة في هذه الفترة ابتداءً من دول الجوار السوداني(اثيوبيا ، ليبيا ،تشاد ،أفريقيا الوسطى) و وهو عداء إمتدّ إلى كينيا ويوغندا، وصولاً إلى الإتحاد الأوروبي و الإتحاد الأفريقي والإيغاد ،كمنظمات إقليمية وشبه إقليمية.

 

و أضاف المصدر أنه من المعلوم أن العمل الهادئ فى ظروف الحرب لا تكون نتائجه ملموسة

لافتاً إلى أن روسيا و هي دولة عظمى تواجه بسبب حربها مع أوكرانيا ذات موجة العداء الذي يواجهه السودان من الاتحاد الأوروبي وأن عضويتها في بعض المنظمات تم تعليقها، مشيراً إلى أن العمل الدبلوماسي لصيق بالداخل خاصة فى حالة الحرب وأنه كلما استطاع الجيش تحقيق انتصارات على الأرض إنعكس ذلك على العمل الخارجي فضلاً عن وقوف الشعب بصلابة خلف قيادته وجيشه لاسترداد الكرامة و الثأر للانتهاكات الفظيعة التى ارتكبتها مليشيا الدعم السريع المتمردة، مشيراً إلى أن تحركات الدبلوماسية المصحوبة بالحقائق على الأرض غيرت كتيراً من صورة السودان فى الخارج و سهلت عمل وزارة الخارجية

 

مرآة عاكسة:

وزير الخارجية الأسبق إبراهيم طه أيوب يعزي أسباب عدم الاستقرار لعدة عوامل أهمها تعيين بعض منسوبي الوزارة من الدبلوماسيين على أسس حزبية أو انتماءات قبلية أو جهوية الأمر الذي أدى إلى تصدع كبير في الانسجام الواجب توفره بين الأقران ومنتسبي المهنة الواحدة مضيفاً بأنه من الطبيعي أن يتعاون الأقران فى التعاضد والتكاتف للدفاع بالحق عن المهنة التى ينتمون إليها و ليس لتمرير أجنداتهم الشخصية دون اعتبار للأجندة المهنية أو القومية الواجب اتباعها خاصة بهذه الموسسة الحساس عملها.

 

و يرى أيوب في حديث خاص لــ”المحقق” النتيجة أن يتربى ناشئة السلك على نفس المنوال ونجد بعد حين من الدهر صاروا قيادة العمل الدبلوماسي، و لذلك عجزوا عن مواجهة التحديات التى تواجههم سواء تلك التى تصدر من وزيرهم أو تلك التي تأتي من جهات أخرى لا دخل لها فى تخطيط السياسة الخارجية او تنفيذها.

 

وأضاف: أما العامل الآخر هو ليس فقط تعدد الوزراء وتبديلهم بصورة كبيرة بل عدم قدرة هؤلاء الأشخاص وهم فى الأصل دبلوماسيون متقاعدون على مواجهة التحديات والتوجيهات التى تاًتيهم من الجهات غير المعنية بتنفيذ السياسة الخارجية للدولة. مشيراً إلى أن جميع الذين اختيروا لملء منصب قيادة الدبلوماسية كان المطلوب منهم المشاركة في وضع السياسة الخارجية وتقديم المشورة لقيادة البلاد ومن ثم تنفيذ السياسة المتفق عليها واضعين فى الاعتبار مصالح البلاد وعلى راًسها إقامة أوثق العلاقات مع العالم ودوله ومؤسساته الدولية منها والاقليمية دون أن يكون هذا الوزير ناطقاً لبعض الجهات الداخلية التي تعمل على تحقيق مصالحها الخاصة فضلاً عن أن الخارجية تعد مراًة عاكسة لما يدور داخل أجهزة الدول.

 

دبلوماسية المهنة :

على النقيض يرى مختصون أن جميع من تولوا حقيبة الخارجية هم دبلوماسيون مهنيون بمن فيهم رئيس الوزراء السفير كامل أدريس و أنهم دخلوا وزارة الخارجية عبر التنافس القومي الحر الذي تشرف عليه لجنة الاختيار للخدمة المدنية منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي، و أنهم جميعاً مشهود لهم بالكفاءة و التميز فى الأداء في مضمار الدبلوماسيية السودانيةَ و حتى رئيس الوزراء الدكتور كامل ادريس يعد أول دبلوماسي سوداني يتبوأ منصب مدير لإحدي منظمات الأمم المتحدة و يتم انتخاباته لدورتين.

 

و حسب الناطق الرسمي الأسبق لوزارة الخارجية السفير الصادق المقلى فإن جميع الوزراء الذين تولوا مهام وزارة الخارجية أتوا في وقت عصيب يعاني فيه السودان من عزلة دولية و إقليمية و قطيعة تامة مع المنظومة المالية الدولية متعددة الأطراف و على رأسها مجموعة البنك الدولي و بنك التنمية الأفريقي ، كما تم تعليق مسار إعفاء الديون في إطار مبادرة الهيبيك و تجميد مشاركة السودان في أنشطة الاتحاد الافريقى، عقب فض الشراكة بين المكونين المدني والعسكري في أكتوبر 2021 .

 

و تابع المقلي: انتقل اعتراف دول المعسكر الغربي علي رأسها أمريكا و الإتحاد الأوروبي من الاعتراف بصفة القانون بالحكومة السودانية في عهد الفترة الانتقالية إلى الاعتراف بصفة الأمر الواقع… مما يعني تعليق كافة العلاقات الثنائية مع هذه الدول و حصرها فقط في إرسال مبعوثين في إطار مساعيها لايجاد حل سلمي للنزاع في السودان. فيما شكل تدخل بعض الجهات في أمور هي من صميم ولاية وزارة الخارجية و الجهاز التنفيذي و ما يدلون به في بعض الأحيان من تصريحات تضر بالعلاقات الثنائية مع بعض الدول خاصة دول الجوار الإفريقي، والتضارب في الخطاب الرسمي للدولة، أحد أسباب عدم الاستقرار فى رئاسة الوزارة

 

تقاطعات:

مصدر دبلوماسي فضل حجب اسمه قال لــ”المحقق” إن وزارة الخارجية تتمتع بقوانين ولوائح وقيم و نظم ومرونة تنظيمية وادارية راسخة في تسيير دولاب العمل من أدنى الهرم إلى قمته توارثتها عبر أجيال من منسوبي الوزارة جيلا بعد جيل

و أضاف المصدر أنه قلما يتأثر الأداء بغياب أحد القيادات لفترات معهودة ومألوفة في المهام والماموريات المعتادة، أو الإجازات الطارئة في الحالات المرضية إذ قلما تمتعت القيادة العليا بإجازاتها السنوية طيلة السنوات الماضية لظروف البلاد.

و لكن ذات المصدر أشار إلى أنه برغم ذلك فإن تعدد الوزراء والتغيير في الوكلاء في الفترة من أبريل 2019 حتي ديسمبر 2025 ألقى بآثاره علي مجمل الاستقرار بالوزارة قطعاً، لجهة عدم ثبات السياسات والأولويات نتيجة لاختلاف الرؤي سواء في التعاطي مع الشأن الخارجي وقيادة الدولة ومؤسساتها المختلفة خاصة ذات العلاقات المرتبطة والمتقاطعة بالعمل الخارجي أو حتى تلك العلاقة الرأسية والأفقية داخل الوزارة و بعثاتها دبلوماسياً ومهنياً وإدارياً ومالياً.

 

.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى