معركة الإقرار المسبق: اختبار الدولة أمام اقتصاد التهرب

مهند عوض محمود
المعركة الدائرة اليوم حول تطبيق نظام الإقرار المسبق للشحنات ليست خلافاً إجرائياً بين الجمارك والمستوردين، ولا نقاشاً تقنياً حول منصة إلكترونية أو توقيت تطبيقها، بل هي في جوهرها مواجهة مباشرة بين منطق الدولة ومنطق اقتصاد الظل. ما يجري هو محاولة جادة، وإن جاءت متأخرة، لإعادة ضبط بوابة الاستيراد، في مقابل مقاومة منظمة من شريحة من التجار اعتادت تحويل الثغرات القانونية واللوائح المرتخية إلى نموذج عمل مستقر يحقق أرباحاً كبيرة على حساب الخزينة العامة وعلى حساب السوق العادل.
نظام Advance Cargo Declaration (ACD)، أو ما يُعرف بالإقرار المسبق للشحنات، هو نظام رقابي جمركي يقوم على إلزام المستورد بتقديم بيانات الشحنة الأساسية قبل شحن البضاعة من بلد المنشأ، لا بعد وصولها إلى الميناء. وتشمل هذه البيانات المستورد الحقيقي، والمورد، والفاتورة التجارية، وبوليصة الشحن، ووصف البضاعة وبنود التعرفة وبلد المنشأ. ظهر هذا النظام ضمن التحول العالمي نحو إدارة المخاطر في التجارة الدولية، حيث تسعى إدارات الجمارك إلى الانتقال من التفتيش التقليدي بعد الوصول إلى التحليل المسبق للبيانات، بما يسمح باستهداف الشحنات عالية المخاطر، وتسريع التخليص للشحنات منخفضة المخاطر، والحد من التلاعب في القيم والفواتير والتهرب الجمركي والضريبي. وقد أثبتت التجارب أن نجاح هذا النوع من الأنظمة لا يرتبط بوجود المنصة التقنية فقط، بل بوضوح الإطار القانوني، وسيادة الدولة الكاملة على البيانات، وشفافية اختيار وتشغيل الشريك التقني.
خطاب الغرفة القومية للمستوردين الموجّه مباشرة إلى رئيس الوزراء بتاريخ الرابع من ديسمبر 2025، والموقّع من رئيس الغرفة، جاء محمّلاً بلغة احتجاجية ركزت على عدم الجاهزية، وغياب التشاور، والمخاطر المرتبطة بالبيانات، وعدم استيفاء متطلبات منظمة التجارة العالمية. غير أن القراءة المتأنية للخطاب تكشف أن الاتجاه العام لم يكن السعي إلى تحسين شروط التطبيق أو المطالبة بضمانات حوكمة واضحة، بل الدفع نحو تعطيل القرار أو تأجيله، وهو ما يتسق عملياً مع مصالح شبكات استفادت لسنوات من غياب الرقابة المسبقة وضعف التكامل بين مؤسسات الدولة.
ومع ذلك، ورغم تأييد مبدأ الإقرار المسبق للشحنات كأداة ضرورية لضبط الاستيراد، فإن من الواجب تسجيل التضامن الكامل مع ما ورد في خطاب الغرفة القومية للمستوردين فيما يتعلق بالشركة التي تم اختيارها للتوقيع مع هيئة الجمارك. فقد تم الإعلان عن التعاقد مع شركة تحمل اسم Sustainable & Alpha Group دون أن تُقدَّم للرأي العام أو للمتعاملين في القطاع أي معلومات واضحة عن ماهية هذه الشركة، أو مكان تسجيلها القانوني، أو هيكل ملكيتها، أو سجلها المهني وخبراتها السابقة في تشغيل أنظمة مماثلة في دول أخرى. والأخطر من ذلك أن هذا التعاقد لم يُطرح، بحسب ما هو معلن، عبر مناقصة عامة أو مسار تنافسي شفاف، وهو خطأ جوهري في مسار إصلاحي يفترض فيه منذ البداية أن يقوم على أعلى درجات الإفصاح والحوكمة. إن غياب هذه المعلومات يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة تتعلق بالسيادة على البيانات، وأمن المعلومات التجارية، وطبيعة العلاقة التعاقدية، وآليات الرقابة والمحاسبة، وهي أسئلة لا يمكن تجاوزها أو التقليل من شأنها بدعوى الاستعجال أو الضرورة. دعم الإصلاح لا يعني القبول بتجاوز قواعد الشفافية، بل على العكس، نجاح أي نظام رقابي جديد مرهون أولاً بثقة المتعاملين فيه، وهذه الثقة لا تُبنى في الظلام.
الحقيقة التي يتجنب كثيرون قولها بوضوح هي أن جزءاً كبيراً من نشاط الاستيراد في السودان لا يقوم على المنافسة العادلة ولا على الكفاءة الاقتصادية، بل على التهرب بوصفه ممارسة شبه طبيعية. تهرب من الجمارك عبر تقديم فواتير مخفّضة، وتهرب من الضرائب عبر إخفاء الحجم الحقيقي للنشاط، وتهرب من المسؤولية القانونية عبر استئجار السجلات التجارية وتقاسم الحاويات بين عدة تجار لا يجمعهم كيان واضح ولا التزامات مستمرة. في هذا الواقع المختل، تُقصى الشركات الجادة التي لديها موظفون ونظم محاسبية والتزامات ضريبية، بينما يُكافأ مَن يعمل في الظل لأنه ببساطة لا يدفع ما عليه.
نظام الإقرار المسبق للشحنات يهدد هذا النموذج في أساسه، لأنه ينقل لحظة الرقابة من ما بعد وصول البضاعة إلى ما قبل شحنها من بلد المنشأ. فالمستورد الحقيقي، والمورد، والفاتورة، وبوليصة الشحن، وطبيعة البضاعة، تصبح كلها بيانات معلنة ومترابطة قبل دخول الشحنة البلاد. هذا التحول يرفع تكلفة التلاعب، ويكشف الأنماط المتكررة، ويحد من ظاهرة السجل المؤجَّر والحاوية المشتركة التي شوّهت السوق وأفرغت المنافسة من معناها.
أما الادعاء بأن السودان غير مؤهل لتطبيق مثل هذا النظام، فليس سوى ذريعة لتعطيل الخطة الإصلاحية وإفراغها من مضمونها. فالدول لا تنتظر اكتمال مثاليتها المؤسسية حتى تبدأ الإصلاح، بل تبدأ الإصلاح لأنها غير مثالية. ربط التحديث بعضوية منظمة التجارة العالمية أو بتجارب دول أخرى هو هروب من جوهر القضية، لأن المشكلة ليست في المعايير الدولية، بل في غياب الإرادة لمواجهة اقتصاد غير منضبط استفاد طويلاً من الفوضى.
الفائدة الحقيقية من نظام الإقرار المسبق لا تقف عند حدود الجمارك، بل تتجاوزها إلى كسر الفصل المصطنع بين الاستيراد والضرائب. فالتاجر الذي يقدّم فاتورة مخفّضة عند التخليص هو نفسه الذي يتهرب من ضريبة القيمة المضافة ومن ضريبة أرباح الأعمال. وعندما تُربط بيانات الاستيراد بالضرائب وبالنظام المصرفي، تتوسع المظلة الضريبية تلقائياً، وتتعظم الإيرادات عبر الامتثال لا عبر زيادة الرسوم، وتُخفف الحاجة إلى حلول سهلة لكنها مؤذية مثل رفع الدولار الجمركي الذي يدفع المواطن ثمنه في نهاية المطاف.
وإذا كان هناك مثال فاضح يوضح كيف تحولت بعض اللوائح إلى أدوات استنزاف مباشر للخزينة، فإن ملف تقسيط الجمارك، خاصة في سلعة مثل السكر، يقدم صورة مكتملة لهذا الخلل. السكر سلعة نقدية سريعة الدوران، تُباع فور دخولها السوق ولا تحتاج إلى أي دعم ائتماني. ومع ذلك، استفادت شركات من تقسيط جماركها على فترات طويلة، وفي إحدى الحالات قبل الحرب بلغ حجم الجمارك المقسّطة على شركة واحدة فقط أكثر من ثلاثين تريليون جنيه سوداني، حين كان سعر الدولار في حدود 580 جنيهاً، أي ما يتجاوز خمسين مليون دولار أمريكي كجمارك فقط. عملياً، لم يكن هذا تشجيعاً للاستثمار ولا سياسة استثنائية مبرَّرة، بل تمويلاً مباشراً من الخزينة العامة لمستورد يبيع نقداً ويعيد تدوير أموال الدولة في أنشطة أخرى، من شراء محاصيل للتصدير إلى المضاربة، بينما تتحمل الدولة العجز. وهذه الحالة ليست استثناءً، بل مثال واحد فقط من عشرات شركات الاستيراد التي استفادت من تقسيط الجمارك خارج منطقها الاقتصادي، في وقت كان يفترض فيه أن يقتصر هذا التقسيط على مدخلات الإنتاج، والماكينات، والآليات، والمركبات والشاحنات، لا على سلع استهلاكية أساسية معروفة بأنها تباع نقداً وبطلب عالٍ.
ولا يقل خطراً عن ذلك استغلال الإعفاءات الجمركية تحت مظلة الاستثمار، حيث تستورد بعض الشركات مواد خام لا تضيف عليها قيمة حقيقية سوى إعادة تشكيل أو تغليف، ثم تتمتع بإعفاءات صُممت أصلاً لتحفيز التصنيع الحقيقي ونقل المعرفة. النتيجة في هذه الحالات واحدة: خصم مباشر على حساب الدولة، وتشويه لمفهوم الاستثمار، وإضعاف للمنتج المحلي وللشركات التي تعمل وفق قواعد واضحة.
من حق المستوردين الاحتجاج على ارتفاع الدولار الجمركي وعلى أثر السياسات المالية في الأسعار، لأن ذلك ينعكس مباشرة على حياة المواطن، لكن ليس من حقهم، اقتصادياً ولا أخلاقياً، مقاومة تحديث أنظمة رقابية تهدف إلى ضبط السوق ومحاربة التهرب وحماية المنافسة العادلة. الاعتراض على العبء المالي مشروع، أما الاعتراض على الشفافية والضبط فهو دفاع صريح عن اختلال قائم.
نظام الإقرار المسبق للشحنات ليس حلاً سحرياً ولن يقضي وحده على كل مظاهر الفساد، لكنه خطوة ضرورية في مسار طويل لإعادة بناء دولة قادرة على رؤية اقتصادها كما هو، لا كما يُراد لها أن تراه عبر فواتير مصطنعة وسجلات مؤجَّرة. الخطر الحقيقي لا يكمن في تطبيقه، بل في تعطيله أو إفراغه من مضمونه بذريعة الجاهزية.
المعركة اليوم ليست بين الجمارك والمستوردين، بل بين دولة تحاول استعادة أدواتها، واقتصاد ظل يخشى الضوء. ومن يحسم هذه المعركة سيحدد شكل السوق، وعدالة المنافسة، وقدرة الدولة على تمويل نفسها، لسنوات طويلة قادمة.



