رأي

سردية الحرب وأفق السلام (6-7): المحتملات “السيناريوهات” .. الفرص والتحديات

تاج الدين بانقا

نحاول في هذا المقال بحث السيناريوهات المستقبلية المحتملة الثلاثة في بعض صورها (كانت استمراراً لماهو عليه الحال أو تطوراً درجاً أو دركاً) مع التحليل للسياق السياسي، الأمني، والاجتماعي الذي يحدد هذه الاحتمالات في ظل استمرار الحرب الراهنة والتوترات الداخلية والإقليمية.

مقدمة :
السودان الذي حباه الله بثروات بشرية و طبيعية لامثيل لها وموقع جيوسياسي مميز يواجه حرب عدوان نشبت في أبريل 2023 و لحقت بها تطورات فتقت النسيج الاجتماعي وهددت أمنه، وحدته، و بناء دولته. واستمر العنف والانتهاكات الجسيمة والارتهان للخارج وليس انتهاءً بإعلان حكومة موازية.

الحرب خلقت أزمة إنسانية واقتصادية حادة وضغطًا دوليًا وإقليميًا يؤثر في كل السيناريوهات المستقبلية.

هناك جهود ومبادرات داخلية وخارجية لحل الأزمة، لكنها ما زالت غير قادرة على إنتاج سلام ووقف دائم للحرب أو حل سياسي شامل حتى الآن.

السيناريوهات المستقبلية المحتملة :

1. السيناريو المتفائل (التطور درجاً) :
وهو أن تقف الحرب ويحل السلام والأمن والاستقرار ربوع البلاد.
(سيناريو مرغوب وممكن )
في هذا السيناريو:
يتم وقف الحرب عبر الحسم العسكري وانتصار القوات المسلحة وهزيمة مليشيا الدعم السريع أو استسلامها أو قبولها للتفاوض الذي يضمن حماية المدنيين وإخلاء المرافق الخدمية وتسهيل إغاثة المتضررين من الحرب وتيسير العودة للمهجرين قسراً ودمج المقاتلين – من غير القيادات – في القوات النظامية حسب التجارب السودانية المعهودة مع تسريح المتبقي منهم وإعادة دمجهم في المجتمع وفق تجارب مفوصيات الــ DDR مضافاً إلى ذلك خروج مؤججي الحرب من الداخل والخارج عن المسرح. مع تحمل المجتمع الدولي والأصدقاء مسؤولية إعادة إعمار ما دمرته الحرب

ثم تبدأ بعد ذلك عملية سياسية تشاركية شاملة عبر حوار سوداني – سوداني يؤسس لعدالة انتقالية بنموذج سوداني خالص ويعالج أزمات المعاش والأمن المستفحلة، وتبنى فيه مؤسسات مؤقتة لإدارة الحكم حتي ا لانتخابات المقبلة.

هذا السيناريو مرغوب ويحل أزمة البلاد ويحقق الأمن و الاستقرار ولكنه محاط بجملة تحديات لامناص من مواجهتها وتتمثل في؛
– إنعدام الثقة بين الأطراف المسلحة والمدنية على حد السواء. وكذلك الأطماع والتدخلات الخارجية السافرة؛
وتكمن فرص نجاحه في إرادة وطنية وعزم ووعي ودعم شعبي حقيقي وجبهة داخلية متماسكة إذا ترافق ذلك مع تعاون وضغوط دولية من الأصدقاء .

2. السيناريو المتشائم (التطور دركاً)
استمرار الحرب وتطاول أمدها بفضل الدعم الخارجي المتواصل للتمرد،
وهو أن تستمر الحرب لفترة أطول ونطاق أوسع تتعمق فيها الانقسامات المجتمعية والسياسية ويتوسع النزاع ليشمل مناطق أكثر، وربما تدخل جماعات قبلية أو إقليمية بشكل أكبر. وينتج عن ذلك تزايد النزوح والدمار وانهيار شبه كامل للبنية الاقتصادية والاجتماعية مع إمكانية توسع الحكومة الموازية وقد تجد اعترافاً أسوة بأرض الصومال أو تكوين نموذج أقرب للنمودج الليبي

وقد يصل الأمر إلى انزلاق الدولة إلى حالة فوضى وتصبح الدولة غير قادرة على التحكم في كل أراضيها وتتشكل هيمنة مناطقية أو قبلية مستقلة عن السلطة المركزية. يغذي هذا السيناريو قوى دولية وأخرى إقليمية طمعاً في ثروات البلاد وخيراتها أو حسدا من عند أنفسهم.
هذا السيناريو يعتبر الأكثر خطورة ويهدد وجود الدولة نفسها.
يجب على الحكومة والقوى السياسية والمدنية وكل الشعب مقاومته بالسبل كافة.

3. السيناريو الثالث استمرار الحال على ماهو عليه
وهو أن يبسط الجيش سيطرته الكاملة على مناطق نفوذه ويمنع تمدد المليشيا ويشل قدرتها على التحرك على الأرض أو عبر المسيرات. وتقوم الحكومة باستعادة خدمة المرافق الأساسية وتؤمن أمن ومعاش الناس وتهيئ للعودة الطوعية مناخها؛ وذلك يتطلب إكماله باتفاق يمنع العدائيات ويسهل العمل الإنساني على قرار ما حدث في جدة مايو 2023 مع توفير ضمانات انفاذه والتزام المجتمع الدولي بواجباته تجاه الأمن والسلم الدوليين مع ممارسة الضغوط اللازمة لمنع التدخلات الخارجية السالبة وتشجيع التعاون الدولي الإيجابي.

خاتمة:
السودان يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم: بلدٌ مُنهك بالحرب لكنه غني بالإمكانات والطريق إلى المستقبل فيه الكثير من الفرص رغم التحديات، و الحرب – رغم فداحتها – فتحت نافذة لضرورة دعم القوات النظامية وتأهليها للحفاظ على الأمن القومي وسيادة البلاد. وكذلك تأطير علاقة المركز بالأقاليم في لامركزية حقيقية تؤمن التنمية المستدامة المتوازنة والمشاركة السياسية الفاعلة، و تتيح للدولة فرصة لتوظيف الموقع الجيوسياسي الاستراتيجي للبلاد و الثروات الهائلة في شراكات إقليمية ودولية متوازنة، تكون الأولوية فيها لمصالح البلاد العليا، بدل أن يكون السودان ساحة لتضارب الأجندات الإقليمية والدولية و تصفية الحسابات.
ونواصل ،،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى