ظاهرة الهووبلا وصناع المحتوى؟

د. خالد البلولة **
يصف د. محمد عثمان السيد،أستاذ الإعلام بجامعة البحرين، صناعة المحتوى بأنها ظهرت في بداياتها متزامنة مع بروز ظاهرة المؤثرين، التي تعود جذورها إلى غرب الولايات المتحدة، وتحديدًا ولاية كاليفورنيا ومدينة لوس أنجلوس، وهي بيئة عُرفت بانفتاحها على الفنون الرائجة (Popular Arts) مثل الموسيقى والتمثيل والموضة، وهي مجالات لطالما جذبت الباحثين عن الشهرة.ويؤكد د.محمد عثمان السيد أن المجموعة الأولى من المؤثرين كانت في معظمها من النساء اللائي افتقرن إلى الموهبة والتخصص والمعرفة، وقد أُطلق عليهن وصف (مشهورات بسبب شهرتهن)، أي أن شهرتهن لم تستند إلى موهبة أو إنجاز أو تخصص معرفي، وإنما اعتمدت فقط على السمع (Reputation). ومن بين أوائل هؤلاء المؤثرين، باريس هيلتون (Paris Hilton) المنتمية إلى أسرة هيلتون الثرية المالكة لسلسلة فنادق هيلتون الشهيرة، حيث مثّلت نموذجًا واضحًا لهذه الفئة التي اكتسبت شهرتها من لا شيء، دون امتلاك موهبة فنية أو خبرة إعلامية حقيقية.
ويُتعامل في الولايات المتحدة مع الإعلام بوصفه صناعة (Industry) أكثر من كونه رسالة معرفية أو ثقافية، برزت ظاهرة صنّاع المحتوى امتدادًا لظاهرة المؤثرين،الذين تأسست شهرتهم على البهرجة والتضخيم لا على الإبداع أو المهنية.
مالهووبلا ؟ : تُعرف ظاهرة صناع المحتوى في الثقافة الأمريكية بمصطلح الهوبلا (Hoopla) أي البهرجة والتضخيم لشيء فارغ المضمون، حيث يُمنح الاهتمام والانتشار لأشخاص أو ظواهر تفتقر إلى قيمة حقيقية، تحت لافتة صناعة المحتوى. ويرتبط مفهوم كتابة المحتوى، كمصطلح وممارسة، بوسائل التواصل الاجتماعي السيبرانية، وله خصوصية وظيفية تتمثل في التشويق والجذب بهدف التسويق، سواء قُدّم المحتوى في قالب إخباري أو قصصي أو غيره. ويُعد مصطلح صنّاع المحتوى (Content Creators) جامعًا لكل من ينتج مادة رقمية، سواء كانت نصًا أو صورة أو فيديو أو صوتًا. يستخدم هؤلاء وسائط متعددة بهدف الانتشار وبناء جمهور، وقد تتنوع أهدافهم بين الترفيه أو التوعية أو التسويق. وتعتمد مرجعيتهم الأساسية على المنصة نفسها وما تفرضه من ترندات وخوارزميات، ما يجعل مفهوم صناعة المحتوى فضفاضًا، يساوي بين المحتوى العميق والمحتوى السطحي دون تمييز.
كاتب المحتوى ليس قاصًا أو صحفيًا أو أديبًا، إنما يستعين بأساليب هذه الأنواع الكتابية لتحقيق غرض جذب الجمهور المستهدف، لمتابعة الموقع أو تكرار الزيارات، وتسويق سلع أو خدمات أو أفكار.
تداخلت الأدوار واختلطت المفاهيم،حتى صار المؤثر يُقدَّم بوصفه إعلاميًا، وصانع المحتوى يُساوى بالصحفي وكاتب المحتوى يُنسب إليه الإبداع المعرفي، ما جعل البعض ينظر إلى مستقبل الصحافة بأنواعها المختلفة كمهنة بدأت تضمحل، غير أن التفريق بين هذه الأدوار ليس مجرد مسألة لغوية،بل يمثل ضرورة مهنية وأخلاقية، والإجابة عن مستقبل الصحافة أصبحت مسألة ملحة.
الراديو والتلفزيون في وجه العاصفة الرقمية:
يذهب كثير من المتابعين إلى أن المشهد الإعلامي شهد تحوّلًا عميقًا مع صعود المنصات الرقمية، ولم تعد الوسائل التقليدية ــ الصحافة والإذاعة والتلفزيون ــ المصدر الحصري للمعلومة أو لصناعة الرأي العام. ومع ذلك، ما تزال هذه المؤسسات المهنية تمثّل ركيزة أساسية في البنية الإعلامية، بما تمتلكه من أدوات للتحقق، ومنهجيات عمل دقيقة، ومرجعيات أخلاقية ومهنية راسخة. ويبرز ذلك بوضوح في إنتاج البودكاست، بوصفه مادة إذاعية بامتياز تعتمد على الصوت والصورة، وتتخذ أحيانًا شكل (الإذاعة المتلفزة) أو صيغة المونولوج الشخصي الذي يروي فيه المقدم تجربته أو ذكرياته. وهذه النماذج ليست جديدة في جوهرها،إذ تعود إلى قوالب برامجية معروفة في الإذاعة والتلفزيون،لكنها تختلف في نمط التلقي،حيث يشاهدها المتلقي أو يستمع إليها في الوقت الذي يختاره، دون وصاية أو التزام بجدول برامجي محدد. وبهذا المعنى،تختفي البرمجة التقليدية التي كانت سائدة في الراديو والتلفزيون،ليحل محلها تحكّم الفرد في زمن المتابعة. وفي خضم هيمنة الترندات السريعة وتسليع المحتوى، يظل الصحفي في الإذاعة والتلفزيون مسؤولًا عن تقديم معلومة موثوقة، وتحليل متوازن،ورواية معتمدة للوقائع،وهو ما يمنح رسالته عمقًا ومصداقية تفوق كثيرًا المحتوى العابر والمتداول في المنصات الحديثة.ويكمن التحدي الأكبر في قدرة هذه الوسائط التقليدية على التكيّف مع متطلبات العصر الرقمي، من خلال تبنّي التقنيات الجديدة وابتكار صيغ حديثة للبث والتقديم، دون التفريط في المهنية والمعايير الأخلاقية، بما يضمن استمرار تأثيرها وصدقيتها في زمن تتسارع فيه الأخبار وتتشابك الحقائق مع الإشاعات.
انتهت الصحافة أم تطورت الأدوات والوسائط الإعلامية؟
باختصار: لم تنتهِ… لكنها لم تعد كما كانت. ما تغيّر ليس المهنة، بل تطوّر الوسيط الناقل الذي غيّر الشكل التقليدي للصحافة دون إلغائها. لم يعد الصحفي يقتصر على نقل الخبر، ولا المؤسسة تحتكر المعلومة. أعادت وسائل التواصل الاجتماعي، والخوارزميات، والذكاء الاصطناعي تشكيل الممارسة الصحفية، وأنجبت صحافة الجوال وصحافة المواطن وأنماطًا مختلفة من الصحافة، غالبًا تفتقر إلى التحقق في زمن الإشاعة، والتحليل العميق في زمن التسطيح، والاستقصاء في ظل التضليل.
ما تمر به الصحافة اليوم يشبه ما مر به المسرح عند ظهور السينما، والإذاعة بعد بروز التلفزيون، والكتاب الورقي أمام الكتاب الصوتي والإلكتروني، والصحيفة الورقية أمام الصحيفة الإلكترونية. لم تختفِ الفنون ولا الوسائط، بل تغيّرت الأدوات وتبدّلت المسميات. لم يعد الصحفي محصورًا في صورته الكلاسيكية، بل أصبح كاتبًا، أو صانع محتوى،أو محلل بيانات،أو راوٍ قصصي، أو باحثًا،أو صحفيًا استقصائيًا،وفقًا للأداة والوسيط ومتطلبات العصر وسوق العمل. وتظل الصحافة مهنة متحورة و متحوّلة، متطوّرة بتطوّر الوسائط الرقمية. قد ينتهي الصحفي الذي يقف محلك سر في المحطات القديمة، بينما يمضي قطار التجديد الصحفي بسرعة الوسائط الحديثة. أما الصحافة فتمضي إلى الأمام، منتقلة من مجرد مطاردة الأحداث والوقائع إلى قراءة ما وراء الخبر: التقصي، وفهم الدوافع، وتحليل الأسباب، وربط الوقائع، وتوظيف الأدوات المتجددة والمستحدثة. ستظل الصحافة ما دامت هناك حياة، وما دام هناك إنسان يصنع الوقائع والأحداث.
** صحفي وأكاديمي



