رؤساء أفارقة من أصول سودانية (2-3) الرئيس بيديه: هكذا قالت جدتي

السفير عطا المنان بخيت
هنرى كونان بيديه، سياسي مخضرم من جمهورية ساحل العاج ـ كوت دو فوارـ ، كان وثيق الصلة بزعيم الإستقلال الإيفورى وأول رئيس للبلاد، هوفويت بوانيه، أو حكيم أفريقيا كما يطلق عليه أنصاره.
تولى هنري بيديه رئاسة البلاد بعد وفاة الرئيس هوفويت فى العام 1993 وحكم فى فترة حرجة جداً حتى العام 1999، وظل بعدها ناشطاً فى السياسة الأيفورية والأفريقية عامة حتى وفاته فى العام 2023.
فى إحدى مؤتمرات القمة للإتحاد الأفريقى، ترأس وفد السودان الرئيس البشير، وأوصت الخارجية السودانية بأن يقابل الرئيس البشير رئيس ساحل العاج هنرى كونان بيديه لطلب مساعدة بلاده للسودان فى مشروعات قدمها للبنك الأفريقي للتنمية الذى يتخذ من مدينة أبيدجان عاصمة ساحل العاج مقرا له، وتلعب دولة المقر دوراً وازناً في صناعة القرار في هذه المؤسسة المالية الأفريقية العريقة. وهكذا تقدمت مراسم الرئاسة السودانية بطلب للقاء الرئيس العاجي. وكما هو معروف فى البرتوكول فإن الرئيس الذي يطلب اللقاء يقوم بزيارة الرئيس المطلوب لقاءه في مقر إقامته. وعليه إستعد الوفد السوداني للتحرك إلى مقر إقامة الرئيس العاجي كما يقتضي العرف الدبلوماسى.
ولكن المفاجأة الأولى في هذا اللقاء الرئاسي المثير، جاءت قبل نصف ساعة من موعد اللقاء، حيث حضر ممثل مراسم جمهورية ساحل العاج ونقل إلينا أن الرئيس العاجي قرر أن يقوم هو بزيارة الرئيس البشير فى مقر إقامته، وسررنا لذلك كثيرا. وشاركت فى ذلك اللقاء مترجماً بين الرئيسين.
حضر الرئيس كونان بيديه في الوقت المحدد برفقة وزير خارجيته عمارة سي، والذي تولى لاحقا رئاسة الإتحاد الأفريقى. إبتدر الرئيس العاجي اللقاء قائلا: يا فخامة الرئيس لقد حرصت أن أبادر بزيارتكم لأنني أحب بلدكم السودان كثيرا، ليس الآن ولكن منذ طفولتي، وواصل قائلا: قد تتعجب لذلك، وهذا طبيعي فإنتم جغرافيا بعيدون عنا جدا، وتاريخكم السياسي مختلف عن تاريخنا السياسي.
ثم واصل قائلا: أنا أحب السودان لسببين، سأقولهما لك من غير ترتيب. بدت الدهشة والأعجاب في وجه الرئيس البشير وقال : يسعدني أن أسمع أسباب أعجابكم ببلدي.
فقال الرئيس العاجي: سأبدأ بالسبب الثاني، وهو أنني عندما تخرجت في الجامعة عملت بالبنك الأفريقى للتنمية، وكان محافظ البنك فى ذلك الوقت، مواطنكم مامون بحيري، أول محافظ للبنك الأفريقي للتنمية. وإستطرد قائلا: لقد عملت في مكتب المحافظ، وتعرفت على مامون بحيري عن قرب، لقد كان إستاذا بالنسبة لي، إهتم بي إهتماما خاصا، وتعلمت أصول العمل المالي والمصرفي منه مباشرة، وفى الواقع يا فخامة الرئيس لقد أعجبت بهذا الشخص وظل عالقا بذهني لدرجة إنني حتى اليوم عندما أدخل مبنى البنك الأفريقي للتنمية أتذكر أستاذي مامون بحيرى. وارجو أن أسمع منكم إذا ما كان على قيد الحياة.
أعجب الرئيس البشير وأعضاء الوفد بهذا الوفاء الجميل، وأثنى الرئيس البشير على مامون بحيري، وأخبره أنه مازال على قيد الحياة في الخرطوم، وقد سر الرئيس العاجي بهذا الخبر وقال إنه سيوجه الدعوة لمامون بحيرى لزيارة ساحل العاج ليرى أن أحد تلاميذه أصبح رئيساً للدولة.
ثم سأله الرئيس البشير عن السبب الأول لحبه للسودان، فقال دون تردد، السبب الأول هو جدتي. وإستطرد قائلا: لقد ولدت فى قرية صغيرة، ومثل كل الأسر الأفريقية كانت جدتي تهتم بتربيتنا وتوجيهنا. كانت تجمعنا حولها كل ليلة وتحكي لنا عن تاريخ أجدادنا، وعن سير أسلافنا، وتروي لنا قصص شيقة. وكانت تقول لنا بإستمرار يا أبنائي أنتم لستم من هذا البلد، أنتم من كوش، وكنا نقول لها وأين كوش فتقول هي السودان. كانت جدتي تحفظ كل تفاصيل رحلة أسلافنا الممتدة من مروي وحتى ساحل العاج، وهي قصة مثيرة وممتعه. وكانت توصينا دائما قائلة: يا أبنائى عندما تكبرون عليكم الذهاب الى السودان والبحث عن أسلافكم وأقاربكم. وأختتم حديثه قائلا: يا فخامة الرئيس منذ صغري كنت أعرف أن لدي أسلاف في السودان، لكن لا أدري كيف أتواصل معهم، وذلك سبب حبي الحقيقي لبلدكم العريق.
أعجب الرئيس البشير برواية الرئيس العاجي، وتأثر بها كثيرا، وقال له مازحا: إذن يا فخامة الرئيس أنت سوداني. فضحك الرئيس بيديه ورد قائلا أرجو أن لا تعلن هذه المعلومة للإعلام يا فخامة الرئيس لأن العاجيون سيطالبون بإبعادي عن كرسي الرئاسة. وضحك الجميع.
إنتهز الرئيس البشير هذه الفرصة ووجه الدعوة للرئيس بيديه لزيارة السودان، ووعده بتظيم زيارة له الى مروي للوقوف على حضارة الأسلاف، وليلتقي بأستاذه مامون بحيري. وقبل الرئيس العاجي الدعوة، ووعد بأن يرسل وزير خارجيته عاجلا لترتيب الزيارة.
وفعلا فقد قام وزير خارجية ساحل العاج بزيارة السودان لترتيب زيارة الرئيس العاجي، ولكن مع الأسف شهدت ساحل العاج إنقلاب عسكرى أطاح حكومة الرئيس بيديه، مما حال دون زيارته المرتقبه للوقوف على أرض الأجداد، وتوفي الرئيس العاجي وفي نفسه شئ من حتى، ودون أن يعرف عنه أحفاد الأسلاف شيئاً.




