رأي

ذهب السودان … ثروة ضائعة وفوضى التعدين العشوائي

د. إسماعيل ساتي

بعد أن سمحت الدولة للأفراد بالتنقيب عن الذهب، تعويلاً على أن يشكل ذلك رافعة للاقتصاد الوطني ويعوّض فاقد عائدات النفط التي انتقل معظمها إلى الجنوب بعد الانفصال، بدا القرار استجابة سريعة لأزمة حادة. غير أن تجربة تجاوزت العقد من الزمان بين 2012 و2025، أثبتت بالأرقام أن ترك التنقيب والإنتاج “سداح مداح” لم يكن خياراً اقتصادياً رشيداً.

الحقائق الرقمية بين 2012 و 2025

بيانات قطاع الذهب تُظهر أن الإنتاج الرسمي والتصدير لا يعبران عن الكم الحقيقي للذهب الذي يُستخرج ويُستغل داخل البلاد، مما يثبت أن ترك القطاع بلا تنظيم فاقم الفساد والتهريب:

• 2012: إنتاج 40 طناً، قيمة الصادرات نحو 2.158 مليار دولار.
• 2013–2014: الإنتاج ارتفع إلى 70 و73.4 طنًا على التوالي، مع عائدات متفاوتة، بداية توسع التعدين.
• 2017: بلغ الإنتاج ذروته تقريباً 107.3 طناً، لكن قيمة الصادرات الرسمية لم تعكس كل الإنتاج.
• 2018–2021: الإنتاج متقلب بين 93.5 طناً في 2018 و 49.7 طناً في 2021، مع عائدات أقل من الإمكانات الحقيقية.
• 2022: إنتاج 41.8 طناً، بقيمة صادرات 2.02 مليار دولار (46.3% من الصادرات غير النفطية).
• 2023: الإنتاج الرسمي تراجع إلى 23.1 طناً، بسبب التدهور الأمني.
• 2024: عاد الإنتاج للارتفاع إلى 64 طناً تقريباً رغم الحرب، مع عائدات ملحوظة.
• 2025: الإنتاج الرسمي نحو 70 طناً، بقيمة 1.8 مليار دولار، مما يجعل الذهب المورد الأهم للنقد الأجنبي.

ما تكشفه هذه الأرقام: الفجوة بين الإنتاج الرسمي والإنتاج الفعلي، إضافة إلى التهريب والذهب المنتج بواسطة مليشيات مسلحة، تقدر أحياناً بأكثر من 50–70% من الإنتاج السنوي، ما يحرم الدولة من مليارات الدولارات ويضعف الأثر الاقتصادي للذهب على المواطنين.

فوضى التعدين العشوائي من منظور استراتيجي

الذهب ليس مورداً يمكن تركه للإدارة العشوائية، بل هو ثروة استراتيجية حيوية. تكشف الأرقام بوضوح أن ترك إنتاجه وتصديره بلا تنظيم، بعقلية “سداح مداح”، أدى إلى فشل واضح في تحقيق أي أثر اقتصادي ملموس للدولة، مما يجعل الاعتماد على هذا النهج خطأً لا ينبغي تكراره.

برغم أن الذهب شكل المورد الرئيس للنقد الأجنبي، لم يشهد الاقتصاد تحسناً يتناسب مع الكم الهائل من الإنتاج، إذ استمر الجنيه في التدهور وارتفع التضخم وتراجع مستوى المعيشة. وهذا يثبت أن وفرة المورد لا تعني بالضرورة وفرة العائد، إذا غابت الحوكمة وسيادة الدولة.

ضرورة استعادة الدولة للسيطرة:

إن تجربة السنوات الماضية تؤكد أن:

• تحرير التنقيب للعامة دون ضوابط صارمة أضعف الدولة بدل أن يقوّيها.
• كثرة المنتجين الصغار والعشوائيين جعلت الرقابة شبه مستحيلة، وفتحت الباب واسعاً للتهريب والفساد.
• الذهب مورد سيادي لا يحتمل الإدارة العشوائية، لأن أي خلل في التحكم به ينعكس فوراً على الاقتصاد الكلي.

الطريق الصحيح .. مؤسساتية وشفافية:

إن المعالجة الجادة تقوم على:

• سحب التنقيب والإنتاج من الفوضى الفردية، وإعادة تنظيمه تحت مظلة الدولة.
• حصر عمليات التنقيب والإنتاج في شركات متخصصة، عالمية ومحلية، ذات قدرات فنية وملاءة مالية، وتحت عقود شفافة.
• فرض رقابة صارمة على كامل السلسلة: من الاستخراج، إلى المعالجة، إلى التصدير، بما يضمن دخول كل جرام ذهب إلى القنوات الرسمية.
• تطبيق عقوبات صارمة على التهريب أو الاستغلال غير القانوني.

فالذهب يمكن أن يكون رافعة حقيقية للخروج من الأزمة، لكنه لن يكون كذلك ما لم تنتقل إدارته من الفوضى إلى المؤسسية، ومن العشوائية إلى التخطيط، ومن الاستنزاف إلى الاستثمار. عندها فقط، يمكن أن يتحول من ثروة ضائعة إلى أداة تعافٍ اقتصادي حقيقي، يشعر المواطن بأثرها، وتلمس الدولة نتائجها في تعزيز الإيرادات ودعم الاستقرار المالي وتمكين برامج التنمية المستدامة.

الذهب سيصبح حينها عنصراً فاعلاً في بناء الاقتصاد الوطني، لا مجرد رقم على الورق أو ثروة مهربة تستفيد منها قلة على حساب الشعب، ويصون الثروة الوطنية ويخدم المواطن دون أي طرف آخر، قد يكون معادياً لدولتنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى