رأي

بريطانيا تعود عبر البوابة الأمنية: ماذا تريد لندن من بورتسودان؟

مهند عوض محمود

لم تكن زيارة الوفد البريطاني الرفيع إلى بورتسودان الثلاثاء الماضي حدثًا عابرًا أو زيارة مجاملة تُضاف إلى سجل العلاقات الثنائية، بل خطوة محسوبة جرت في لحظة يُعاد فيها تشكيل طريقة تعامل القوى الدولية مع السودان، حيث تتقدم القناة الأمنية على غيرها بوصفها المدخل الأكثر واقعية وفعالية لفهم الحرب، ورسم مسارات الاستقرار، وضبط التوازنات في منطقة تتداخل فيها الحدود مع الممرات البحرية والمصالح الاستراتيجية.

الوفد الذي وصل بورتسودان حمل دلالات أبعد من الصياغات البروتوكولية ؛ فترؤس شخصية بمستوى مساعد وزير الدفاع البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومشاركة المبعوث البريطاني للقرن الأفريقي، يعني أن لندن لم تأتِ لتبادل مجاملات سياسية، وإنما جاءت من قلب مؤسستين تمسكان بملفات القوة الفعلية: وزارة الدفاع والذراع الدبلوماسية المختصة بالإقليم. هذا المستوى من الحضور ما كان ليحدث لو لم تكن بريطانيا قد قررت أن تعيد تموضعها في ملف السودان عند لحظة تعتبرها حاسمة في رسم مستقبل البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

اللقاءات التي عقدها الوفد مع مدير جهاز المخابرات العامة، ووزير الخارجية، ورئيس مجلس السيادة، لم تكن لقاءات تعريفية، بل كانت جزءًا من انخراط مباشر مع المؤسسات التي تمسك اليوم بزمام الدولة، وتتعامل مع يوميات الحرب، وتحدد مواضع الخطر ونقاط الاختراق المحتملة. و مشاركة ممثلين من وزارتي الدفاع والخارجية السودانيتين في جلسات المباحثات الثنائية أوضحت أن طبيعة الزيارة تتجاوز الحوار السياسي إلى مقاربة أمنية–استراتيجية تبحث عن قاسم مشترك يمكن البناء عليه في المدى القريب والمتوسط.

ولندن، شأنها شأن واشنطن والقاهرة، تدرك أن قراءة الحرب في السودان لم تعد ممكنة من زاوية السياسة وحدها، لأن الحدود الرخوة وممرات التهريب ومخاطر الانفلات هي التي تحدد اليوم درجة الاستقرار وقدرة الدولة على حماية عمقها. ومن هنا، فإن الملفات التي طُرحت — وإن لم تُعلن تفصيلاً — يمكن قراءتها ضمن ثلاث دوائر يعرفها الخبراء جيدًا: أمن الحدود، أمن المجال البحري، ومخاطر التحولات التي قد تنتج بيئات جريمة منظمة أو تهديدات عابرة للحدود إذا تُركت بلا ضبط.

ويبرز في هذا السياق ظهور رئيس الوفد البريطاني بزيه العسكري وأداؤه للتحية العسكرية خلال لقائه بالبرهان. هذه الإشارة، وإن بدت شكلية، تحمل وزنًا سياسيًا واضحًا: بريطانيا تتعامل مع الدولة السودانية عبر مؤسساتها الرسمية، وتخاطب قيادتها العسكرية بوصفها الطرف الذي يمسك بالأرض وبمفاتيح الأمن، وتبعث رسالة غير معلنة بأن التعامل يتم وفق بروتوكول “النظير–النظير”. مثل هذه اللقطات ليست تفاصيل ثانوية في دول تُدار ملفاتها الحساسة بالصورة والإشارة بقدر ما تُدار بالمفاهمات المباشرة.

وبالنظر إلى تاريخ العلاقات السودانية–البريطانية في مجال التعاون الأمني، فإن لندن وإن لم تكن الدولة الأكثر حضورًا في العلن، إلا أنها حافظت عبر السنوات على قنوات فنية تتصل بمكافحة الإرهاب، ورصد مسارات التطرف، وقضايا الهجرة غير الشرعية، إضافة لمتابعة تطورات القرن الأفريقي وما يرتبط بها من تحولات على شواطئ البحر الأحمر. لكنها في سنوات الحرب الحالية لم ترسل وفدًا بهذا المستوى، ما يجعل زيارة بورتسودان خطوة استثنائية من حيث الوزن والتركيبة واللحظة.

وليس من المصادفة أن تتزامن هذه الزيارة مع صعود لافت لدور المخابرات في إدارة ملف السودان على المستوى الإقليمي والدولي. فزيارة الفريق أول أحمد إبراهيم مفضّل إلى واشنطن، وزيارة الوزير اللواء حسن محمود رشاد إلى بورتسودان، تفتح جميعها نافذة لقراءة جديدة: القوى الكبرى باتت تتعامل مع السودان عبر القناة التي تمتلك القدرة على تقديم المعلومات الميدانية، وفهم الخرائط اللوجستية، وتقدير المخاطر البحرية والحدودية، وتحديد خطوط الانخراط العملي بعيدًا عن الضجيج السياسي.

وفي هذا الإطار، فإن بريطانيا لا تأتي منافسة لواشنطن ولا موازية للقاهرة، بل تأتي مكملة لمنظومة بدأت تتشكل حول السودان، عنوانها الأبرز: أن الاستقرار في وادي النيل والبحر الأحمر لا يمكن تأمينه بدون قناة أمنية فعّالة تربط الخرطوم بالعواصم المؤثرة. هذه ليست مصادفة ولا مجاملة؛ إنها قراءة عملية لطبيعة المرحلة التي أصبحت فيها المعلومات، وحركة الحدود، وطبيعة الموانئ، أكثر أهمية من أي بيان سياسي أو مبادرة فضفاضة.

والزيارة — بتركيبتها العسكرية والدبلوماسية — تؤكد أيضًا أن بريطانيا لا تريد ترك السودان منطقة فراغ تُملأ بمصالح الآخرين. فالفراغ في بيئة شديدة الحساسية مثل البحر الأحمر يتحول بسرعة إلى مساحة نفوذ قد تتجاوز قدرة الاحتواء لاحقًا، ولذلك فإن لندن، التي راقبت ارتفاع وتيرة الانخراط الأمريكي والمصري، اختارت اللحظة التي تضمن فيها لنفسها موضع قدم واضحًا في صياغة مرحلة ما بعد الحرب.

في المحصلة، ما جرى في بورتسودان ليس حدثًا عادياً، ولا خطوة رمادية في سياق العلاقات التقليدية. إنه جزء من إعادة تشكل هندسة الأمن الإقليمي حول السودان، حيث تعود القوى الكبرى من بوابة يفهمها الجميع: بوابة الدفاع والمعلومات. ومن يفهم هذه البوابة يدرك أن رسائل العواصم لا تُقرأ فقط بما يُعلن، بل بما تُظهره الزيارات من مستوى تمثيل، وما تعكسه من صيغة تعامل، وما ترمز إليه من اعتراف عملي بأن السودان، ببحره وحدوده وموقعه، لم يعد ملفًا يمكن تأجيل الانخراط فيه. وفي عالم لا يحتمل الفراغ، فإن من يمسِك بالقناة الأمنية يكتب السطر الأول في مستقبل الإقليم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى