معتصم أحمد صالح: صعوبة الوصول وتسييس العمل الإنساني أبرز التحديات التي تواجهنا، والدعم الدولي لايزال دون المستوى

حاورته: صباح موسى
في ظل واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية التي يمر بها السودان في تاريخه الحديث، تتفاقم معاناة الملايين من النازحين واللاجئين والأطفال وكبار السن، وسط تحديات غير مسبوقة تواجه مؤسسات الدولة والمنظمات العاملة في المجال الإنساني. وفي ظل معاناة طويلة عاشها الشعب السوداني بسبب حرب فرضت عليه شردته وقتلت أبناءه ما أدى إلى اتساع رقعة الاحتياج وتراجع الموارد، يبرز الدور المحوري لوزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية باعتبارها الجهة المناط بها تنسيق الجهود، ورعاية الفئات الأكثر هشاشة، وضمان وصول المعونات والدعم إلى مستحقيه.
فكيف تتعامل الوزارة مع هذا الواقع المعقد؟ وما هي خططها لمعالجة أوضاع النازحين واللاجئين؟ وكيف تُدار العلاقة مع المنظمات الإنسانية؟ وما حجم التحديات التي تواجه حماية الأطفال وكبار السن في ظل هذه الظروف؟، حول هذه القضايا وغيرها، أجرينا هذا الحوار مع وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية السوداني معتصم أحمد صالح، ووقفنا معه على تفاصيل الجهود المبذولة، والرؤية المطروحة للتعامل مع الأزمة الإنسانية الراهنة… وفيما يلي نص الحوار:
بداية كيف تصف حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها السودان الآن؟
ما يعيشه السودان اليوم يُعد من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم، من حيث عدد المتأثرين واتساع الرقعة الجغرافية، نحن لا نتحدث فقط عن نقص في الغذاء أو الدواء، بل عن تداعيات حرب طالت سبل العيش، والخدمات الأساسية، والنسيج الاجتماعي، وخلّفت آثاراً عميقة على الأطفال والنساء وكبار السن وذوي الإعاقة، الأزمة إنسانية وإجتماعية ونفسية في آنٍ واحد، وتتطلب استجابة شاملة تتجاوز الإغاثة الطارئة.
موقفنا واضح وثابت أي عودة يجب أن تكون طوعية.. آمنة.. كريمة
ما الأولويات العاجلة للوزارة في هذه المرحلة؟
تنطلق أولويات وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية من اختصاصها كوزارة حماية إجتماعية، وتتمثل في: حماية الفئات الأكثر هشاشة، وعلى رأسها الأطفال والنساء وكبار السن وذوو الإعاقة والأيتام، وتقديم الدعم النقدي المباشر للأسر الأشد فقراً عبر الآليات الوطنية القائمة، وضمان استمرار خدمات الحماية الإجتماعية في الولايات رغم ظروف الحرب، وكذلك تعزيز التنسيق مع مفوضية العون الإنساني والمنظمات لتفادي الازدواجية وسد الفجوات، والاستعداد لمرحلة التعافي ودعم العودة الطوعية الآمنة حيثما تسمح الظروف.
كم عدد النازحين المسجلين لديكم؟ وكيف تتم متابعتهم؟
أعداد النازحين تُقدَّر بملايين المواطنين، ويتم تتبعها عبر آليات وطنية بالتنسيق مع الشركاء الدوليين، إن المتابعة لا تقتصر على الأرقام، بل تشمل تحديد مواقع النزوح، ومستوى الهشاشة، ونوع الاحتياجات، وربط ذلك بخدمات الحماية الاجتماعية، والدعم النقدي، والخدمات الصحية والإجتماعية.
هل توجد مناطق لا تصلها المساعدات؟ ولماذا؟
نعم، توجد مناطق يصعب الوصول إليها في بعض الفترات، ويرجع ذلك إلى الوضع الأمني (مناطق تواجد مليشيا الدعم السريع)، وتعطل الطرق والبنية التحتية، والتحديات اللوجستية، ومع ذلك نعمل على تقليل هذه الفجوات عبر شبكاتنا الولائية والمحلية، والاستفادة من الكوادر المجتمعية الموجودة على الأرض.
ما أبرز التحديات التي تواجه إيصال الإغاثة؟
أبرز التحديات تتمثل في اتساع رقعة الإحتياج مقارنة بالموارد المتاحة، وصعوبات الوصول الآمن، وإرتفاع تكاليف التشغيل، إضافة إلى محاولات تسييس العمل الإنساني، وهو ما نواجهه عبر الحوكمة والشفافية وتنسيق الجهود.
الأزمة في السودان تتطلب استجابة شاملة تتجاوز الإغاثة الطارئة
كيف يتم التنسيق بين وزارتكم ومفوضية العون الإنساني؟
هناك تنسيق مؤسسي واضح يقوم على توزيع أدوار محددة، حيث تختص مفوضية العون الإنساني بالتنسيق الإنساني والمسارات والإجراءات، بينما تضطلع وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية بملفات الحماية الاجتماعية، والفئات المستهدفة، والسياسات، وبرامج الدعم، ويتم ذلك عبر قطاعات التنمية في الولايات وتبادل للبيانات والخطط.
هل توجد ضوابط جديدة لعمل المنظمات الأجنبية؟
نحن نؤمن بالشراكة مع المنظمات، لكن وفق ضوابط تحفظ السيادة الوطنية وتضمن الشفافية والكفاءة، وتشمل التسجيل القانوني، وخطط عمل معتمدة، وتقارير مالية وفنية دورية، والالتزام بمعايير الحماية، وعدم تنفيذ أي نشاط خارج التفويض الإنساني.
كيف تضمنون عدالة التوزيع ومنع التسييس أو الفساد؟
نضمن ذلك عبر معايير استهداف واضحة قائمة على الهشاشة، وفرق ميدانية محلية تعرف مجتمعاتها، وفصل العمل الإجتماعي عن أي اصطفاف سياسي، إلى جانب آليات شكاوى ومراجعة، ورقابة مؤسسية داخلية بالتنسيق مع الشركاء.
ماذا حدث لبرامج الدعم الاجتماعي مثل “ثمرات”؟
برنامج “ثمرات” تأثر بالتطورات السياسية ثم بالحرب، ولم يعد موجودا بصيغته السابقة، لكننا لم نترك فراغا، بل انتقلنا إلى بدائل وطنية واقعية، أبرزها الدعم النقدي المباشر عبر مفوضية الأمان الاجتماعي، إضافة إلى دعم المجتمعات بالتنسيق مع ديوان الزكاة والشركاء.
نؤمن بالشراكة مع المنظمات الدولية وفق ضوابط تحفظ السيادة الوطنية
هل هناك بدائل لدعم الأسر الفقيرة؟ وهل ما زلتم تدعمون التكايا؟
نعم، نعتمد حزمة بدائل تشمل الدعم النقدي المباشر، والدعم الغذائي للفئات الأشد هشاشة، وبرامج سبل كسب العيش في المناطق الأكثر استقرارا.
أما التكايا، فننظر إليها كاستجابة مجتمعية مهمة في هذا الظرف الاستثنائي، ونعمل على دعمها وتنظيمها لضمان وصول ما تقدمه لمستحقيه، دون أن تكون بديلا دائماً للحلول المستدامة.
كيف ترعون الأيتام وكبار السن وذوي الإعاقة والأطفال المفقودين؟
يتم ذلك عبر وحدات متخصصة وبرامج حماية تشمل إدارة الحالة، والإحالة للخدمات، والرعاية البديلة، ودعم ذوي الإعاقة عبر الأجهزة التعويضية، إضافة إلى التعامل مع حالات الأطفال المفقودين ولمّ الشمل بالتنسيق مع الجهات المختصة والشركاء.
هل تعاني الوزارة من فجوة تمويلية؟ وما حجمها؟
هناك فجوة بين حجم الإحتياج والموارد المتاحة، وهي فجوة تعاني منها معظم الاستجابات الإنسانية في ظل هذه الحرب، نعمل على إدارتها عبر ترشيد الاستهداف، ورفع كفاءة الإنفاق، وحشد الدعم الدولي دون الإخلال بالأولويات الوطنية.
نعمل على دعم التكايا وضمان وصول ماتقدمه لمستحقيه
ما حجم الدعم الدولي الذي وصل فعلياً؟ وهل هناك تعهدات لم تُنفذ؟
الدعم الدولي موجود لكنه لا يزال دون مستوى الاحتياج الحقيقي، بعض التعهدات نُفذت جزئيا، وأخرى تأخر تنفيذها، وهو أمر شائع في الأزمات الكبرى، نعمل مع الشركاء على متابعة التعهدات وتوجيه الدعم نحو القطاعات المنقذة للحياة.
هناك انتقادات بأن الوزارة غائبة ميدانياً.. بماذا ترد؟ وهل تعترفون بوجود قصور؟
الوزارة موجودة ميدانياً عبر وحداتها المتخصصة وشبكاتها في جميع الولايات، ومن خلال قطاعات التنمية الإجتماعية الولائية. قد يوجد قصور موضوعي فرضته ظروف الحرب، ونعمل على معالجته بتقوية الهياكل الولائية، وتحسين التواصل مع الرأي العام.
ما خطة الوزارة لفترة ما بعد الحرب؟
تركز الخطة على إعادة بناء منظومة الحماية الإجتماعية، ودعم العودة الطوعية وإعادة الاندماج، ومعالجة الآثار النفسية والاجتماعية، ودعم سبل العيش والتشغيل، وتعزيز الحوكمة والعدالة الإجتماعية.
كيف ستتعاملون مع الآثار النفسية والإجتماعية للحرب؟
عبر برامج الدعم النفسي والإجتماعي، وحماية الطفل والمرأة، وإعادة بناء النسيج المجتمعي، وتأهيل كوادر محلية للعمل داخل المجتمعات المتأثرة.
ما الرسالة التي توجهها للسودانيين؟
رسالتي للسودانيين أن هذه المحنة مهما طالت ستزول بإرادة الناس وتكاتفهم، الدولة مستمرة في واجبها، وسنقيس نجاحنا بعودة الكرامة الإنسانية، واستعادة الاستقرار الإجتماعي، وبناء مستقبل أكثر عدلاً.
انتقلنا من برامج الدعم الإجتماعي القديمة إلى بدائل وطنية واقعية، ولدينا معايير لعدالة التوزيع لمنع التسييس والفساد
تردد أن هناك مطالبات من الحكومة السودانية للحكومة المصرية بعودة السودانيين من مصر.. هل هذا الحديث صحيح؟ وهل يمكن طمأنة العائدين؟
لا، لم تطلب الحكومة السودانية من جمهورية مصر العربية الشقيقة ترحيل أو إعادة السودانيين، موقفنا واضح وثابت: أي عودة يجب أن تكون طوعية، وآمنة، وكريمة، ونرحب بكل من يرغب في العودة متى ما توفرت الظروف في منطقته، وفي الوقت نفسه نحترم حق من يختار البقاء مؤقتاً خارج البلاد حتى تستقر الأوضاع بشكل كامل.



