أخبارثقافية

في تدشين كتابه بمنتدى اسناد عثمان كبر: دارفور تجاوزت مربع الأزمة وحميدتي تم استغلاله

القاهرة- المحقق- صباح موسى
شهد المنتدى الثقافي لمبادرة إسناد السودانيين المتأثرين بالحرب، اليوم الأربعاء، فعالية تدشين كتاب «السودان.. أزمة دارفور: الجذور، الوقائع والحلول» للدكتور عثمان محمد يوسف كبر، نائب رئيس الجمهورية السابق ووالي ولاية شمال دارفور في الفترة من 2003 إلى 2015، وهي المرحلة التي اندلعت فيها أزمة دارفور الأولى وتشابكت خيوطها المحلية بالإقليمية والدولية.

حضور نوعي
وجاءت الفعالية وسط حضور نوعي لافت، ضم قيادات سياسية وولاة سابقين ووزراء وشخصيات عامة من إقليم دارفور، إلى جانب باحثين وأكاديميين وإعلاميين، ما أضفى على المنبر طابعا معرفيا عميقا ونقاشا ثريا حول واحدة من أعقد أزمات السودان المعاصر، وأدار النقاش السفير العبيد أحمد مروح رئيس تحرير موقع “المحقق” الإخباري، بمشاركة رئيس مجلس إدارة مبادرة اسناد الدكتورة أميرة الفاضل، ونائب رئيس اللجنة العليا للمبادرة والدكتور كمال حسن علي.

تخوم الكارثة
استعرض كبر مؤلفه الذي جاء في نحو 300 صفحة موزعة على سبعة فصول، مؤكدا أن دارفور «تجاوزت اليوم مربع الأزمة إلى تخوم الكارثة»، وأن الكتاب سعى منذ مستهله إلى تفكيك الجذور الأولى للأزمة، واستعراض أسبابها وتداعياتها، عبر «سرد أمين ومحايد» يقوم على التحليل والتوثيق الدقيق واستحضار الوقائع كما جرت، بعيدا – على حد قوله – عن روح الإدانة أو الرغبة في تجريم أحد.

بيئة السجن
وأوضح كبر أن الفترة التي تناولها الكتاب تمتد من عام 1980 حتى 2019، مع الإشارة إلى تطورات ما بعد 2023، مشيرا إلى أن البيئة التي كتب فيها العمل كانت «بيئة السجن»، حيث أتاح له ذلك – كما قال – فرصة لاستدعاء وتفريغ حصيلة أربعة عقود من التجربة، منذ أن كان معلما ورئيس لجنة شعبية، مرورا بمواقعه التنفيذية والسياسية، وصولا إلى موقع نائب رئيس الجمهورية، ثم سجينا في كوبر، مؤكدا أن هدفه من هذا العمل ليس المحاكمة ولا تصفية الحسابات، وإنما «تثبيت الحقائق» كما رآها وعاشها، باعتبار أن كتابة التاريخ – في تقديره – مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون عملا سياسيا.

فصول الكتاب
وبيّن كبر أن الفصول الستة الأولى تناولت الأسباب والتداعيات والنتائج، فيما خُصص الفصل السابع والأخير للحلول، واصفا إياه بأنه خلاصة عملية لنتائج عشرات المؤتمرات والملتقيات التي انعقدت حول دارفور داخل السودان وخارجه، مشيرا إلى أنه اطلع على توصياتها جميعا، وأنها – في مجملها – لم تترك مسألة جوهرية إلا وأشارت إليها، غير أن الإشكال ظل في التنفيذ والإرادة السياسية.

جزء أصيل
وصحح كبر ما يتردد بشأن انضمام دارفور إلى السودان عام 1916، مؤكدا أن دارفور «جزء أصيل من ممالك السودان القديم»، وأن الحفريات الأثرية تثبت وجود حضارة وادي هور قبل أكثر من ألف عام قبل الميلاد. وأضاف أن كل المناطق الواقعة جنوب الصحراء الكبرى كانت تُعرف بالسودان، الممتد بين البحر الأحمر والمحيط الأطلسي، إلى أن جاء محمد علي باشا فعمل على توحيد تلك الممالك، وتطرق إلى أصول سكان دارفور، موضحا أنهم ينحدرون من مصادر متعددة ومتنوعة: حامية وسامية وزنجيّة، معتبرا أن هذا التنوع مسألة تاريخية طبيعية تعكس التداخل البشري والثقافي عبر القرون.

نظام الحكم
كما تناول كبر نظام الحكم في دارفور منذ القدم، مبينا شروط اختيار السلطان والهيكل الإداري الذي كان قائما، مشيرا إلى أن ملامح الإدارة تبلورت بصورة أوضح في عهد سلطنة الفور، حيث كان السلطان على قمة الهرم، تعقبه الوزارات والمؤسسات التقليدية. ولفت إلى أن الإدارة الاستعمارية البريطانية أبقت على هذا البناء الإداري إلى حد بعيد، واستقطبت الزعامات التي مالت إليها ودمجتها في ما أسمته «الدولة الجديدة»، في خطوة وصفها بالذكية لأنها لم تهدم النظام السابق بالكامل، بل أعادت توظيفه، مشيرا إلى أن دار مساليت ضُمت عام 1920، وبصفة رسمية في 1922، كما تناول نشأة جبهة نهضة دارفور عام 1964، وتكوين الأحزاب السياسية السودانية بين عامي 1945 و1946، منتقدا تلك الأحزاب لأنها – بحسب قوله – لم تستوعب القيادات الكبيرة في دارفور، مما أرسى مبكرا إحساسا بالتهميش، موضحا أن جبهة حماية دارفور رفعت مطالب عدالة الثروة والتنمية وقسمة السلطة بالتساوي، وكانت – بحسب توصيفه – حركة وحدوية في وقت كانت فيه حركات أخرى تنادي بالانفصال، إلا أنها لم تجد الاهتمام الكافي من الأحزاب، بل واجهت العزلة، حتى نقلت رئاستها إلى الفاشر. كما أشار إلى عدم استيعاب نواب دارفور الفائزين في انتخابات 1954 داخل الأحزاب بصورة فاعلة.

جذور العنف
ورأى كبر أن حرب دارفور التي اندلعت عام 2003 انطلقت من داخل الإقليم، وكانت في بدايتها محدودة، قبل أن تتجه بعض الأطراف إلى تدويلها. وأرجع جذور العنف إلى انتشار السلاح وتنامي ظاهرة النهب المسلح منذ عام 1980 في ولايات دارفور كافة، مشيرا إلى أن حوادث النهب بلغت – وفق وثائق الشرطة – 431 حادثة عام 1991، وانخفضت إلى 393 حادثة عام 1996، وأضاف أن التجنيد القبلي وضعف مشاركة أبناء دارفور في المركز شكلا عاملين مهمين، موضحا أن نسبة مشاركة أهل دارفور في السلطة المركزية والحكومة والقضاء والقوات المسلحة وغيرها ارتفعت – بحسب أرقامه – من 1.4% عام 1989 إلى 40.6% عام 2019. كما أشار إلى ضعف التنمية والخدمات والقصور الإداري، وغياب الدولة بصورة قوية في الإقليم، وتراجع دور الإدارة الأهلية وضعف هيبة الدولة.

الأرض والحواكير
وتوقف كبر عند مسألة الأرض وملكيتها واستخداماتها، معتبرا أنها تمثل إحدى الحلقات الجوهرية في الأزمة، وأشار إلى أن أول صراع حول الأرض كان داخل الأسرة المالكة، وأن هناك فترة تاريخية تمتد نحو مائتي عام تكتنفها الضبابية، خاصة بين 1440 و1645، وأوضح أن الأرض كانت – بقرار – ملكا للسلطان، وأن الفرق بين «الدار» و«الحاكورة» كان أُس الإشكال؛ فالدار هي الكيان الأكبر الذي يضم داخله حواكير، بينما الحاكورة أرض داخل أرض.

مسارات الحل
واستعرض كبر مسارات الحل، مشيرا إلى تكوين آلية دارفور عام 2002، ومحاولات الحوار قبل اندلاع القتال، وإنشاء نيابة خاصة بجرائم دارفور. كما تناول الجهود الدولية بدءا من مبادرة أباتشي في تشاد عام 2003، التي استضافت ثلاث جولات وأسفرت عن اتفاق تطور لاحقا إلى نشر قوات «يوناميد»، مشيرا إلى مفاوضات أنجمينا، ثم أديس أبابا، وصولا إلى أبوجا في سبع جولات، مبينا أن الفترة بين 2004 و2006 شهدت دعما أمريكيا ملحوظا، إلى جانب أدوار ليبية ومصرية ونيجيرية، ولفت إلى أن مجلس الأمن دخل بقوة على خط الأزمة، وأصدر – بحسب حديثه – خمسة قرارات في شهر واحد بشأن دارفور، و15 قرارا في عام 2007، مع حضور دائم لوزراء الخارجية الأمريكيين ووفودهم إلى الفاشر بين 2003 و2008.

غياب الخطة
وأرجع كبر اتساع الأزمة إلى غياب خطة واضحة ومتكاملة ومعلنة، متفق عليها بين مؤسسات الدولة، قائلا إنه خلال توليه منصب والي شمال دارفور لم تصله رؤية متكاملة من الحكومة المركزية حول إدارة ملف دارفور، «وقد تكون موجودة لكنها لم تصلني»، على حد تعبيره. وأشار إلى أن تعدد جهات إدارة الأزمة والتنافس بين الأجهزة، فضلا عن اقتصار الوجود الحكومي الفعلي على الأمن والشرطة، كلها عوامل أسهمت في تعقيد المشهد، وتناول لجنة تقصي الحقائق التي شكلها الرئيس الأسبق عمر البشير برئاسة دفع الله الحاج يوسف، وكذلك لجنة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة، مشيرا إلى أنهما توصلتا إلى نتائج متقاربة.

استغلال حميدتي
وفي رده على سؤال لـ«المحقق» حول ما إذا كان قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي» مشروعا أُعد لتحقيق ما فشل فيه التمرد الأول في دارفور، قال كبر إنه لا يعتقد ذلك، مرجحا أن حميدتي «تم استغلاله لاحقا». وأضاف أنه كان من الرافضين لتكوين الدعم السريع، وأنه سأل الرئيس البشير عن مبررات إنشائها، ووجد – في حينه – أن الرد كان مبررا بالنسبة له.

شهادة موجعة
الحضور، الذي وُصف بأنه متخصص ومدرك لأبعاد أزمة دارفور، اعتبر الكتاب إضافة نوعية ومساهمة جادة في فهم جذور الأزمة، مشددا على أن الحل يكمن في حوار سوداني- سوداني شامل، بلا إقصاء، وبمعالجة قومية تتجاوز الحلول الجزئية، وتعددت مداخلات الباحثين والسياسيين والإعلاميين، واختلفت زوايا النظر إلى أسباب الأزمة، لكنهم التقوا جميعا عند ضرورة المعالجة الشاملة. وروى أحد الحضور تجربته الشخصية مع الحرب الأخيرة في الفاشر، قائلا إنه شهد دخول قوات الدعم السريع إلى المدينة، وأن ما جرى خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة «لا يمكن تخيله». وتساءل بمرارة إلى أي حد أوصلتنا هذه الدائرة من الانتقام والتشفي؟ مؤكدا أن أعداد القتلى فاقت كل تصور، وأن السكان عاشوا أوضاعا مأساوية حد أكل جلود البهائم والزحف من شدة الجوع، وشدد المتحدث على أن الحلول التقليدية التي طُرحت سابقا لم تعد مجدية في ظل تعقيدات الحرب الأخيرة، التي تختلف – في رأيه – عن كل ما سبقها، داعيا إلى التفكير «خارج الصندوق» بحثا عن مقاربة جديدة توقف النزيف وتعيد للإقليم عافيته.

بهذا التدشين، لم يكن الكتاب مجرد عمل توثيقي، بل منصة لإعادة فتح ملف دارفور على نحو نقدي، واستدعاء الذاكرة السياسية والتاريخية، في محاولة للاقتراب من سؤال ظل معلقا منذ عقدين وهو كيف نطوي صفحة المأساة، دون أن نطوي معها الحقيقة؟.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى