سودان ما بعد الحرب: السيناريو الذي لا يريد أحد سماعه

مهند عوض محمود
السؤال الذي يحاول الجميع الهروب منه يفرض نفسه اليوم في كل مكان: في مكاتب السياسيين الذين فقدوا البوصلة، وفي سرادق العزاء، وعلى حافة القبور حينما يُستشهد شهيد ويسيل دمه الطاهر فيخضّب الأرض… من سيحكم السودان بعد أن تتوقف البنادق؟ ومن يحمل دولة خرجت من فم الوحش ؟
الحقيقة القاسية أن السودان لن يعود إلى ما كان قبل الحرب، ولن يقفز مباشرة إلى ما بعدها ؛ نحن أمام دولة نجت من السقوط الكامل، وتعيد بناء نفسها بقبضة مركزية صارمة لا مكان فيها للأوهام ولا للشعارات الندية.
وأول ما يجب تثبيته هو أن معسكر الدولة هو الذي منع الانهيار ؛ القوات المسلحة في مركز المواجهة، ومعها القوات المشتركة، والقوات النظامية العاملة في المحاور كافة، وألوية قتالية أصبحت عنواناً للصمود الوطني.
وإلى جانب العمود النظامي تشكّل خطّ شعبي عريض من المستنفرين، كان أبرزهم مستنفرو لواء البراء الذين واجهوا الهمجية عندما كانت الخرطوم تُغتصب، والجزيرة تُحرق، والفاشر تُذبح. بهذا التشكيل المزدوج—النظامي والشعبي—أُغلِق الباب أمام سقوط الدولة.
وفي الجهة المقابلة، هناك كتلة لا مكان لها في مستقبل السودان: الكتلة المدنية المساوية بين الدولة والمليشيا؛ تلك التي تبنّت حياداً زائفاً في لحظة كان الحياد فيها خيانة وطنية كاملة، ووقفت تختزل المجازر في عبارات رخوة من نوع “أخطاء طرفي نزاع”. هذه الكتلة انتهت صلاحيتها السياسية والأخلاقية، ولا يمكن أن يُسمح لها بالعودة كفاعل في مصير وطن خرج من مآسي الحرب.
هذه الكتلة المدنية لم تخرج من الحرب إلا مكشوفة، بلا تنظيم ولا تأثير ولا قدرة على حماية نفسها فضلاً عن حماية وطن منكوب ؛ بعض رموزها تورّطوا في الرمادية الصريحة، والبعض الآخر وقفوا يتأملون الخراب بينما كانت كشوفات الموت في الخرطوم والجزيرة تتحول لديهم إلى مادة لتبريرات باردة. هذا الخطاب لا يصلح لقيادة مرحلة تحتاج قوة دولة لا بيانات مرتجفة.
الآن، السؤال المركزي: من يحكم السودان بعد الحرب؟ وكيف؟
الجواب واضح، مهما حاول البعض تغليفه: السلطة المقبلة ستكون انتقالاً محكوماً بقبضة أمنية–عسكرية واسعة ؛ ليس لأن العسكريين يتشبثون بالحكم، بل لأن البلاد خرجت من تفكك عميق وسلاح منفلت وخرائط انكسرت. أي طرح لسلطة مدنية خالصة الآن هو وصفة لفوضى جديدة بوسائل أخرى—قانونية، ودستورية، واقتصادية، وميدانية—تُستخدم لنسف المرحلة الانتقالية وإرباك مسارها.
أما الفريق البرهان، فالأمر ليس متعلقاً بشخصه بقدر ما هو متعلق بـرأس الدولة.
السودان في لحظة كهذه يحتاج قيادة واحدة، لأن تعدد الرؤوس يعني تعدد الجيوش، وتعدد الجيوش يعني تجدد الحرب.
هل يخلع البرهان البدلة العسكرية؟ قد يحدث ذلك شكلياً عندما تقتضي الحسابات السياسية، لكن خلع الثوب لا يغيّر الجوهر. البلاد لا تحتمل تجريباً جديداً ولا مغامرة غير محسوبة.
الفترة الانتقالية الواقعية تقع بين أربع وست سنوات.
أقصر من ذلك يفتح الباب لاضطرابات بوسائل أخرى: صدامات قانونية ودستورية، شبكات مصالح تعطل مؤسسات الدولة من الداخل، تحالفات جهوية موازية، وافتعال أزمات سياسية واقتصادية تُستخدم لإرباك الدولة وتقويض استقرارها. أمّا تمديد الفترة لما هو أبعد من ذلك فيحوّل “الانتقال” إلى حكم دائم بوجه جديد.
السنوات الأولى ستكون لإعادة السيطرة على الأرض، وترتيبات الأمن، ودمج وتسريح المقاتلين، وإعادة بناء الشرطة والقضاء والخدمة المدنية.
ثم تبدأ صياغة الدستور والتهيئة لانتخابات لا تكون مجرد ديكور بل خاتمة فعلية لمرحلة إستعادة الدولة.
أما المجلس التشريعي—إن تشكّل—فلن يكون برلمان شعارات ولا منصة رغبات.
سيكون برلمان الدولة المنتصرة:
تمثيل للقوات المسلحة بشكل مباشر أو عبر واجهات سياسية، وللقوات المشتركة والمستنفرين، وللحركات المسلحة المتحالفة مع الدولة، وللتيار الإسلامي العريض، ثم شخصيات مدنية تُختار بمعايير الانضباط لا بمعايير الضجيج.
وستدخل الحركات المسلحة بوزنها الجغرافي—أي بتمثيل المناطق التي تحكمها فعلياً، وبثقلها السكاني والقبلي، وبقدرتها على ضمان الاستقرار أو تهديده.
اما الأحزاب التاريخية فقد فقدت حضورها الاجتماعي، وتراجعت بنيةً وتنظيماً، ولا تملك القدرة على قيادة مرحلة بهذا العمق. لكنها ستشارك—بوزن رمزي أو سياسي محدود—ضمن معادلة تُصمِّمها الدولة لا تُصمِّمها هي؛ مشاركة تسمح بالحضور ولا تمنح القيادة.
والقوى التي ساوت بين الدولة والمليشيا، أو اختزلت الدم في تنظير بارد، أو ارتضت الرمادية—هذه خارج اللعبة تماماً.
أما التيار الإسلامي العريض، فسيعود لكن بصيغة مختلفة:
عودة مقيدة، عبر تحالفات لا سيطرة كاملة، وبأدوار تشاركية لا تفرد فيها ؛ لن يعود التمكين، لكن شطب كتلة اجتماعية وسياسية واسعة أيضاً ليس خياراً واقعياً.
وفي النهاية، السودان بعد الحرب لن يحكمه طرف واحد، لكن هناك طرفاً واحداً قادر على منع السقوط: معسكر الدولة.
هو الذي سيحدد شكل السلطة، وحدود اللاعبين، وسقوف المدنيين، وأدوار الإسلاميين، وبنية الحكم في المركز والأقاليم، وكيف تُستعاد الدولة من حافة الفوضى.
السنوات القادمة ليست انتقالاً سياسياً… بل معركة بقاء.
السؤال لم يعد: من يحكم؟
السؤال الحقيقي: من يمنع سقوط السودان؟
ومن يستطيع تفكيك منطق الحرب قبل أن يبتلع منطق الدولة كلّها؟
هذا هو السيناريو الذي لا يريد أحد سماعه…
ومع ذلك فهو السيناريو الذي سيُكتب على السودان أن يسير فوقه، شاء من شاء وأبى من أبى.



