الذاكرة السودانية: رحلة نور الهدى محمد بين طيات الكتب السودانية


محمد الشيخ حسين
حزمة من المشاعر الطيبة تملأ الذهن حين تطالع بين أضابير الموقع الإلكتروني لاتحاد الناشرين العرب السيرة الذاتية للأستاذ نور الهدى محمد نور الهدى صاحب ومدير دار عزة للنشر.
وتسعدك تفاصيل صغيرة بثها نور الهدى في أضابير رحلته في عالم الكتب دراسة وتوزيعاً ثم نشراً وطباعة ومشاركة في المعارض الدولية والمؤتمرات الخارجية في شأن الكتاب والكتابة وهنا التفاصيل.
(1)
أطلق نور الهدى صرخة الميلاد من داخل دانقة تتوسط حوش ود الحاج في أبوروف بأم درمان في فبراير من العام 1946. كان الابن الأكبر لمحمد نور الهدى ولذا أخذ اسم نور الهدى من جده.
أما ود الحاج فهو جده لوالدته.
نحن أمام رجل أم درماني المولد والهوى لكنه عاصمي النشأة والتكوين إذ قضى طفولته وشبابه وكهولته في الديوم الغربية وهي آنذاك حي شعبي يشغل مساحة واسعة من المكان الذي يشغله نادي الضباط في الخرطوم حالياً. وكان منزل أسرته في المكان الذي يشغله حالياً مسجد السادة الأدارسة بالخرطوم 2.
نال نور الهدى دبلوم المكتبات من جامعة أم درمان الاسلامية في العام 1968 . ومن ثم عمل في مكتبة جامعة أم درمان الإسلامية حتى 1973.
(2)
عندما يضع نور الهدى تفاصيل سيرته الذاتية في مجال الدراسة بين أيدي الجميع، يأمل أن يكون مفيداً في أي من المجالات التي طرقها. فقد حصل نور الهدى على دبلوم علوم المكتبات في العام 1976. ثم حصل على دبلوم علوم المكتبات العالي في العام 1983.
تلقى تدريباً عملياُ ونظرياً لمدة عام في لندن 1984.
وفي مجال التوظيف شغل مساعد أمين مكتبة بالجامعة الإسلامية خلال الفترة من 1968 إلى 1972.
وتوج رحلة التوظيف التحاقه بدار النشر بجامعة الخرطوم في العام 1973.
وفي دار النشر بجامعة الخرطوم تدرج نور الهدى في الوظايف حتى أُحيل إلى المعاش من منصب مدير دار الكتب والتوزيع بجامعة الخرطوم.
(3)
(عزة) دار نشر سودانية قام بتأسيسها الأستاذ نور الهدى محمد في أغسطس 1998، بدأت كمكتبة ثم تطورت لدار نشر. أصدرت خلال ربع قرن من الزمان بين عامي
2001 و 2026، 726 كتاباً تراوحت بين الفكر والأدب والتوثيق والعلم والأكاديمية.
وكان أول كتاب أصدرته هو ديوان (ليل المُغنِّين) للشاعر السوداني عمر الطيب الدوش في العام 2001.
ورغم أن صاحب عزة نور الهدى يستند على خبرة طويلة في مجال المكتبات والنشر إلا أنه يرد الفضل لنجاح الدار للكتاب والمبدعين السودانيين الذين تعاونوا مع الدار منذ نشأتها
(4)
يتجاوز عمر مشاركة الأستاذ نور الهدى في المعارض الخارجية الأربعين عاما اذ شارك منذ العام 1986 في معارض الكتاب في أبوظبي، تونس، الشارقة، الرياض، فرانكفورت، القاهرة، وصنعاء.
ويعتز نور الهدى كثيراُ لكونه أول ناشر سوداني يشارك في معارض الكتاب خارج السودان.
كما يعتز كثيراً بأن دار عزة للنشر قد مثلت السودان في معرض فرانكفورت للكتاب العربي عام 2005. وفي هذا المعرض افترش نور الهدى كتب السودان على الأرض بعد أن ارتدى الزي الوطني كاملاً.
وكانت مشاركة مختلفة استوقفت الأستاذ عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية وجعلته يقف أمام المعرض الأرضي ويتجاذب أطراف الحديث مع نور الهدى نحو 20 دقيقة.
(5)
بعد أيامٍ قليلةٍ تكمل معركة الكرامة عامها الثالث تاركة في منزلي عدداً من الكتب القديمة في مجالاتٍ متنوعة. أثناء إعادة وضع هذه الكتب في الرفوف إن وجدت،
لن أكتفي بتصنيفها حسب موضوعها، وأن أصنِّفها مع الكتب الجديدة وفق المرحلة التي كُتبت فيها. ترتيب الكتب تاريخياً يجعلها بوابةً تكشف عن تغيّراتٍ شتّى، اجتماعيةٍ وسياسيةٍ وفكريةٍ، مدمجةً في بنى هذه الكتب. وليس وجود الإنسان إلا هذا التاريخ.
في ظلال هذه الفهم أنهيتُ قراءة قايمة عناوين الكتب التي أصدرتها عزة للنشر في مطلع العام الحالي، وعدتُ لمهمّة ترتيب الكتب. لم يتغيّر مكان الكتاب في أيّ تصنيفٍ من التصنيفات. ففي الفن مثل المنطق مثل الفيزياء، ظلّ الكتاب هو المعلِّم الأوّل والأبرز. إلّا أني ولَّيتُ وجهي شطرَ كتب التاريخ، فالتاريخ هو ما يبدأ بعد الأوّل، وتحديداً بين الأوراق المنسيّة.
(6)
عند العودة إلى قايمة عناوين الكتب التي اصدرتها عزة للنشر على مدى ربع قرن من الزمان نجدها تحتوي على 726 عنوانا أي بمعدل كتابين ونصف كتاب كل شهر. وهذا انجاز ضخم جدا تحققه مؤسسة فردية. وأيضا تجربة فريدة ذلك أن نور الهدى نجح نجاحاً باهراً مقارنة بجامعة الخرطوم التي تعلم في أضابيرها فن إعداد وطباعة الكتاب. بالمناسبة دار جامعة الخرطوم للطباعة والنشر لم تصدر نصف ما أصدره نور الهدى من كتب خلال أكثر من 60 عاماً من نشأتها. وتلك قصة أخرى.
(7)
كانت بداية عزة للنشر في الاصدار شعرية إذ أصدر الكتاب الثاني ديوان (السنبلاية) لمحجوب شريف والثالث ديوان (لوحة وطن في عيون طفلة) لقاسم أبوزيد.
وتنوعت مجالات النشر في دار عزة بين الرواية والقصة والمسرح والمذكرات الشخصية والسياسية والزراعة وسائر العلوم الأخرى.
على أن أهم إصدار لدار عزة نجاحها في طباعة الأعمال الكاملة للاستاذ عبد الخالق محجوب رحمه الله. وهو جهد يستحق التنويه من جهة حفظ وإتاحة تراث فكرة سوداني بقيمة عالية للجميع. ليت نور الهدى ينجح بمعاونة الخالة نعمات مالك في طباعة الاعمال الكاملة للراحل عبد الخالق محجوب.
وهناك جهد آخر يستحق التنويه ويتمثل في طباعة كل المؤلفات التي دونها الأستاذ محمد ابراهيم نقد.
قايمة مطبوعات عزة ضخمة ومثيرة للاهتمام إذا ذكرت كاتبا فذا هو عبد الله علي ابراهيم تجد له اكثر من عنوان. ولن يفوتك كاتب آخر هو الدكتور احمد محمد البدوي. بالمناسبة (ود البدوي هو العقادي الثاني في السودان وتلك قصة لم تكتب بعد).
القايمة طويلة وتجد فيها أسماء جهيرة في سماء أهل السودان تجد أكثر من خمسة عناوين لرجل باذخ هو مزمل سليمان غندور. وتجد فيها سير أمدرمانية فذة خطها يراع البروفسيور موسى عبد الله حامد.
القايمة طويلة ومتنوعة وكتاباتها بمذاق سوداني طاعم بأفكار جديدة ستبحر مع عالِم عباس في قصص الشوق القديمة. ويستوقفك د. عمرو عباس محجوب في طرح جديد مع التعدد والتنوع كمصدري قوة.
القايمة طويلة ومتنوعة وكتاباتها مغرية ونور الهدى فاعل خير لا يتوقف كثيرا مع من لا يملكون المال الكافي للشراء.
(8)
الأسطر السابقة تحكي رحلة ناشر سوداني بين طيات سحب النشر وبروق رعود الطباعة.
وعود على بدء يعتبر القاضي إبراهيم صديق أول ناشر سوداني، إذ نشر كتاب الطبقات عام 1922 في القاهرة، ووزّعه عبر المكتبة الأهلية.
أما أول كتاب سوداني مطبوع داخل البلاد، فهناك اختلاف حوله:
البعض أشار إلى ديوان نسمات الربيع للشاعر السوري عبد الرحمن مصطفى قليلات (1917م أو 1923م).
آخرون أوردوا أن ديوان البنا للشاعر عبدالله محمد عمر البنا هو أول كتاب سوداني طبع في العام 1922.
(9)
خير ختام لرحلة عزة بين طيات الكتب إصدارها لترجمة نادرة قام بها عبد الخالق محجوب لكتاب الأدب في عصر العلم
Literature for an Age of Science
للكاتب والمفكر البريطاني هايمان ليفي
Hyman Levy.
ويستكشف الكتاب العلاقة بين التطور العلمي وتأثيره على التعبير والأدب. ويعد الكتاب من الكتب المهمة جداً على مستوى العالم.



