حين تلتقي الصهيونية الدينية والإنجيلية: البعد العقائدي للحرب مع إيران[2]

دكتورة ميادة سوار الدهب
لم يعد التصعيد المتكرر في المنطقة يُقرأ فقط وفق توازن النفوذ الإقليمي،
حيث أن مستوى آخر يتشكل في الخفاء ، تتداخل فيه السياسة بالعقيدة ، وفق رؤية تعتبر الصراع أكثر من مجرد تنافس جيوسياسي.
فهل نحن أمام مواجهة أمنية تقليدية تتعلق بالنووي والنفوذ الإقليمي، أم أن هناك بعداً عقائدياً يعيد صياغة الصراع ؟
يتجاوز التصعيد المتكرر بين إسرائيل وإيران الحسابات العسكرية التقليدية. فإلى جانب خطر البرنامج النووي، يتشكل بعد فكري ، يتمثل في إصطفاف اكثر عمقاً بين تيارات صهيونية دينية ومسيحية نافذة في الولايات المتحدة، ليمنح الحرب صفة “المهمة التاريخية” ، هذا الاصطفاف يساهم في تأطير الصراع ليصبح ذو طابع تاريخي وعقائدي…
في الفكر الصهيوني الديني، لا تعتبر إسرائيل دولة حديثة، بل مشروع يحقق وعد تاريخي ذو بعد لاهوتي. من هذا المنطلق ، فإن أي تهديد إقليمي وخاصة من دولة تعلن عداءها الصريح يعتبر تهديداً للمشروع برمته.
إذ تعتبر إيران على رأس محور معادٍ “للنظام الإقليمي الجديد” الذي تسعى إسرائيل إلى تحقيقه.
فالصراع مع إيران أكثر من تهديد أمني، إنه مواجهة مع قوة تصنف أيديولوجيا كخطر وجودي على “المشروع التاريخي”.
في المقابل، تؤمن قطاعات واسعة من المسيحية الإنجيلية الأمريكية بأن قيام إسرائيل واستمرار هيمنتها عنصر أساسي في معتقدات دينية تتعلق بنهاية الزمان. هذه الرؤية حاضرة في القاعدة الانتخابية التي تؤثر في القرار السياسي الأمريكي، خصوصاً داخل التيارات المحافظة.
البعد العقائدي لإيران في الفكر الشيعي الاثني عشري:
تؤمن إيران بعودة الإمام المهدي في آخر الزمان ليقيم العدل بعد انتشار الظلم.
وأن المواجهة مع قوى كبرى قد تكون جزءاً من هذا المسار التاريخي.
لكن من المهم الأخذ في الاعتبار أن المؤسسة الدينية الرسمية في إيران لا تتبنى ذلك بشكل رسمي، بل تعتبر أن واجب الدولة هو حماية نفسها ومواجهة الهيمنة.
هذه الفكرة ترتبط أيضاً بنظرية ولاية الفقيه التي طرحها روح الله الخميني، حيث يُنظر إلى الدولة الإسلامية باعتبارها نظاماً يحفظ المجتمع حتى زمن ظهور المهدي.
عندما تتقاطع هذه الرؤى الثلاث:
المهدوية في إيران الصهيونية الدينية في إسرائيل الإنجيليون في الولايات المتحدة، فإن ذلك يعزز سردية أن الصراع في الشرق الأوسط لا تحركه فقط الجغرافيا السياسية، بل أيضاً رؤى دينية عميقة تتداخل مع المصالح الاستراتيجية.
تاريخياً، ليست هذه أول مرة يعطى فيها الصراع السياسي بعداً دينياً. فالحروب الصليبية في أوروبا حملت طابعا دينيا ، كما استخدم الدين في فترات لاحقة لتبرير توسعات استعمارية وحروب أيديولوجية.
وهكذا، فالحرب بين التحالف الأمريكي الصهيوني وإيران ليست حرباً دينية بالمعنى الكلاسيكي، ولكنها حلقة من مسار تاريخي ممتد ..
هذا ما يجعل الحرب اليوم
أبعد من مجرد مواجهة عسكرية عابرة أو أزمة إقليمية، إنه مشروع مستمر لتشكيل واقع جديد، يتبنى مواقف إيديولوجية أكثر منها سياسية.
وهذا ما يمكن تسميته “إعادة تشكيل الشرق الأوسط” ليس فقط بحدود جديدة، بل بهوية جديدة و سلطة جديدة.



