رأي

زيارة وزيرة خارجية ليبيريا…. وأشجان إستوائية

 

السفير عبد المحمود عبد الحليم

بمثل سرعة أيام الشهر الفضيل وهى تعدو لنهاياتها تابع الناس عبر الوسائط الإعلامية وصول ومقابلات ومغادرة السيدة سارة بيسولو نيانتي وزيرة خارجية ليبيريا للسودان في تواصل هو الأرفع بين البلدين منذ عدة سنوات عبر هذه الزيارة التي قال المراقبون أنها أول زيارة لمسؤول أفريقي يهبط البلاد بمطار الخرطوم.

السيدة سارة دبلوماسية مرموقة وخبيرة فى مجالات التنمية والدبلوماسية الإنسانية وقضايا المرأة والطفل والقيادة والحوكمة، وكانت تشغل قبيل تقلدها منصب وزير الخارجية في بلادها موقع مساعد الأمين العام للأمم المتحدة، وقد عملت مع الأمم المتحدة في مواقع قيادية باليونيسيف وفي نيبال كمثل مقيم، وجنوب السودان كنائب لرئيس بعثة الأمم المتحدة هناك ، كما كانت أحد المرشحين لمنصب رئيس الجمهورية في ليبيريا في انتخابات عام 2023 قبل أن تدعم الرئيس الحالي جوزيف بواكاي في الجولة الثانية، وقد مثلت بلادها في عدة مهام ونشاطات دبلوماسية بمنطقة الساحل و الإيكواس ومجلس الأمن حيث تشغل بلادها أحد المقاعد غير الدائمة فيه..

ولـليبيريا أو “أرض الأحرار ” خصوصيات أفريقية هامة فهي أول جمهورية مستقلة في القارة الأفريقية منذ عام 1874 كأرض للمحررين من العبودية الأمريكية، كما حمل اسم عاصمتها منروفيا إسم الرئيس الأمريكي مونرو، ولم تتعرض ليبيريا وإثيوبيا للتسلط والغزو الأوروبي ماعدا سنوات الاحتلال الطلياني لإثيوبيا عام 1936-1941…..

أثارت زيارة الوزيرة الليبيرية أشجاناً استوائية قديمة.. كانت السحب الأطلسية رحيمة بنا وهى توفر شمساً ساطعة مكنتنا من نافذة الطائرة، وهي تدنو للهبوط بمطار منروفيا، من مشاهدة شواطئها الساحرة وغاباتها المطيرة لنجد في استقبالنا وزير خارجيتها سيسل دينس وقتها بطوله الفارع وبدلته الأفريقية ناصعة البياض ليرحب ترحيباً حاراً بوفدنا القادم لاجتماعات القمة الأفريقية السادسة عشر عام 1979 بمنروفيا ذات الأهمية الخاصة للسودان حيث كان السودان يترأس منظمة الوحدة الأفريقية عقب انعقاد القمة الأفريقية الخامسة عشر بالخرطوم عام 1978 والتى كانت من أنجح القمم الأفريقية حضوراً من قبل الرؤساء والقضايا التي عالجتها، وكان من واجبات وفدنا تقديم الرئيس نميري لخطابه أمام قمة منروفيا حول نشاطات عام الرئاسة وتسليم رئاسة المنظمة للرئيس الليبيري وليام تولبرت..

كانت القمة بليبيريا سودانية بالأصداء التي خلفتها والنجاحات التي حققها عام رئاسة السودان وخاصة جهوده فى ترجمة قرار قمة الخرطوم الخاص بالاعتراف بالجبهة الوطنية (موقابى/نكومو- زانو/زابو) بزمبابوى ، وإسقاط “التسوية الداخلية ” لأيان اسمث هناك، والتي حاول عبرها الالتفاف حول منح الاستقلال لزمبابوي مما مهد لاحقاً لمؤتمر لانكستر هاوس وإكمال ترتيبات وإعلان الاستقلال، وشملت نشاطات قمة الخرطوم جهود رئاسة القمة فى متابعة قرار مجلس الأمن رقم 435 بشأن استقلال ناميبيا ودعم ممثلها الشرعي حركة سوابو ، وكذلك نشاطات لجان الوساطة التي شكلتها قمة الخرطوم لمعالجة الخلافات بين بعض الدول الأفريقية، وجهود لجنة الحكماء برئاسة نميري والخاصة بموضوع الصحراء الغربية، ومستجدات القرار المتصل بتحويل اليونيدو لوكالة متخصصة، ومساعي وجهود الرئيس نميري و ابتعاثه للسفير فيليب أوبانق إلى كوتونو وليبرفيل مندوباً عنه لحل الأزمة التي نشبت والمتصلة بطرد رعايا بنين من القابون، وكان الحدث اللافت فى بيان السودان طرح موضوع الغزو التنزاني ليوغندا ولفت نظر القارة لتبعاته.

غادرنا منروفيا ولم نكن ندري أن الدوائر سوف تدور على نظام الرئيس وليام تولبرت وأن تلك الشواطئ الجميلة سوف تكون مكان إعدام وزير الخارجية الأنيق سيسل دينس ومسئولي الحكومة الكبار وان الرئيس تولبرت سوف تتم تصفيته فى انقلاب الرقيب صمويل دو الذي حكم البلاد من عام 1980- 1990 والذي ، خلافا للنظام السابق الذي ساده المحررين من عبودية الولايات المتحدة، كان يمثل المجموعات الليبيرية المحلية، وقد دارت على صمويل دو الدوائر هو الآخر ليشرب من ذات الكأس حيث شاهد الملايين حول العالم صراخه وأذنه تقطع وأعضاء جسده الأخرى بواسطة برنس جونسون أحد أمراء الحرب ، ولتشهد ليبيريا حربين أهليتين الأولى من عام 1989-1996 والثانية من 1999-2003. كان من نتائج الحرب الأولى صعود نجم تشارلس تايلور وانتخابه رئيساً أما في الثانية فقد أجبر على الإزاحة والنفي لنيجيريا التي حاول الهرب منها ليتم اعتقاله وهو يعبر الحدود إلى الكاميرون حيث تم إرساله للجنة جرائم الحرب في سيراليون بحكم دعمه للحركة الثورية المتحدة المتمردة فيها بقيادة فودي سانكو ، حيث قضت المحكمة بسجنه خمسين عاماً يقضيها حالياً بسجن بريطاني..

شهدت ليبيريا أحداثاً هامة خلال العقدين الماضيين للتعافي من موبقات الحروب الأهلية فاز فى إحداها وفي انتخابات حرة ومباشرة لاعب كرة القدم الليبيري المتميز جورج وِيـّا بمنصب رئيس الجمهورية ليحكم البلاد خلال الفترة من 22 يناير 2018 وحتى 22 يناير 2024 كأول لاعب كرة قدم محترف ينال هذا الشرف، وكان ويا الذى فاز بلقب أفضل لاعب في العالم في منافسة الكرة الذهبية للفيفا عام 1995 قد نال تجارب احترافية أيضاً بموناكو الفرنسي وباريس سان جيرمان وميلان الإيطالي وتشيلسي ومانشستر سيتى وأولمبيك مرسيليا.. وقد انتخب ويا خلفاً للسيدة إيلين جونسون سيريليف التي كانت أول سيدة أفريقية يتم اختيارها كرئيسة للبلاد عبر عملية انتخابية لدورتين.

لا تزال ليبيريا تجاهد منذ توقيع اتفاقية أكرا للسلام عام 2003 لطي صفحة حربين أهليتين خلفتا 250 الف قتيل عبر مسارات سياسية وعمل لجنة للحقيقة والمصالحة ونزع سلاح المليشيات وتوفير موارد للنمو والإنعاش الاقتصادي، وكان الرئيس جوزيف بواكاي قد قام بتكريم رمزي للرئيسين صمويل دو ووليام تولبرت واعتذر للشعب وللضحايا في مسعى لجبر الخواطر، ولايزال طريق التعافي طويلاً أمام ليبيريا رغم النجاحات التي حققتها بسبب الفقر والحاجة للموارد ومضاعفات الأوبئة التي كانت قد فتكت بالبلاد مثل الإيبولا…

في منروفيا لاتزال مياه الأطلسي تعانق سواحلها الساحرة .. لعلها تواقة لغسل دماء عزيزة أسيلت فوقها….

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى