مأزق نهاية التأريخ

محمد عبد الرحيم جاويش
الولايات المتحدة الأمريكية دولة عمرها 250 عاماً فقط، وهو عمر قصير جداً في حياة الأمم، استطاعت في هذا العمر القصير أن تتربع على عرش الدول من ناحية القوة الاقتصادية والعسكرية والتكنلوجيا، وتهيمن على جزء كبير من الكرة الأرضية، في إنجاز مثير للاعجاب، ويرجع ذلك إلى عدة عوامل لعل أهمها الاهتمام بالبحث العلمي التطبيقي والابتكار ووجود رؤية ونزعة مركزية للتفوق في كل جوانب السيطرة من مكونات ومؤسسات المجتمع رغم أن بنية الدولة الأساسية تقوم على القطاع الخاص في كل شئ ، حتى في الصناعات الدفاعية وخدمات وزارة الدفاع، والمدهش أن تتحرك الدولة في نسق واحد وفي خط مستقيم وكأنها دولة حزب واحد، وتلك عبقرية الذين صمموا نظامها الأساسي.
من ناحية أخرى يظل فقدانها للتأريخ نقصاً جوهرياً، يجعل هذه القوة والهيمنة بلا أخلاق وقيم راسخة، إذ أنها تكتسب بالتقادم، و تظهر الولايات المتحدة بين الدول كمواطن وافد في قرية أو مدينة، دائما يبدو جاهلاً بالأعراف والسلوك الذي يجب أن يتبعه، لذا فهي أكثر دولة خاضت حروبا، خسرت كثيراً منها، في فيتنام، الصومال، أفغانستان، العراق، والدولة الوحيدة التي استخدمت أسلحة الدمار الشامل (في هيروشيما ونجازاكي)، ورغم ذلك تخوض مغامرتها الحالية في إيران والتي كل المؤشرات تشي بأنها دخلت مأزقا جديدا.
ومن المثير أن هذه المغامرة تشبه لحد كبير في كثير من تفاصيلها مغامرة الدعم السريع في 15 ابريل 2023 للسيطرة على نظام الحكم، في عملية ظنها خاطفة، اعتماداً على الوجود الكثيف لقواته في الخرطوم، ولكنه أغفل نقطة مهمة، وهي (تأريخ) مؤسسة الجيش السوداني الذي لم يسبق لقوة من خارجه أن سيطرت عليه، مثلما حدث في عدد من الدول الأفريقية.
عقدة أمريكا الأساسية إيمانها بأنها نهاية التأريخ، ولو كانت تهتم بدراسة التأريخ للاعتبار ، لأيقنت أن القوة لم تستمر لأمة في عمر البشرية منذ خلق الله آدم ، ولعلمت أن استخدام القوة بلا قيم العدالة واحترام الآخرين هو سلوك الحيوانات المفترسة التي تحركها غريزتها، ولتجنبت سفك الدماء والحروب الكثيرة التي خاضتها وتخوضها، وبينما تنشغل أمريكا في مأزق حرب لصالح إسرائيل تنطلق الصين وتستثمر فوائض أموالها في بناء اقتصادها في الوقت الذي تهدر فيه الولايات المتحدة التريليونات في الحروب.
أورد الكاتب إدوارد سعيد في سفره الرائع “تغطية الإسلام” ، ملاحظة مهمة جداً عن موظفي السفارة الأمريكية في طهران والإعلاميين الأمريكان الذين كانوا يغطون أحداث الثورة الإيرانية في سبعينيات القرن الماضي، حينها لم يكن بينهم من يتحدث الفارسية، كما سخر من تصرف السفارة التي كانت تتخلص من تقاريرها المطبوعة، بتقطيعها بماكينة تقطيع المستندات ( shredder machine) ثم ترميها في الزبالة، فتلتقطها الأيادي في دولة أحد مهارات نسائها الراسخة عملية النسيج اليدوي، ولهم صبر موروث أجيال بعد أجيال في ذلك، فأخذوا القصاصات وأعادوا نسجها وأصبح كل شيء مكشوفا لهم. ولازالت أزمة رهائن السفارة حية في الذاكرة والمحاولة الكارثية لإنقاذهم وموت ثمانية جنود أمريكان، مما ترتب عليه استقالة وزير الخارجية الأمريكي حينها السيد سايروس فانس.
لو كان الأمريكيون يدرسون التاريخ لعلموا أن الفرس قوم لهم خبرة عريقة ضاربة في القدم في الحروب وتكتيكاتها، فقبل أكثر من 1400 عام تجمع تحالف في الجزيرة العربية للقضاء على الدولة الناشئة في المدينة المنورة (الهدف إسقاط النظام)، والمثير أن اليهود كانوا جزءًا من ذلك التحالف، وكل مؤشرات القوة المادية حينها توحي أن إسقاط النظام لن يأخذ أياماً، وعندما اقتربوا من المدينة فوجئوا بتكتيك عسكري لم يعهدوه في الجزيرة العربية، إذ كان من بين الصحابة من جاء من بلاد الفرس وقدم فكرة حفر خندق حول المدينة، وهو تكتيك لم تكن تعرفه الجزيرة العربية، وانتهت المعركة بهزيمة نكراء للتحالف، وعلى إثر ذلك بدأت دورة جديدة في التاريخ وأمة إسلامية لم تزل باقية.
يبدو من المسار الحالي للحرب أن تحالف أمريكا وإسرائيل دخل في مأزق بسبب الإيمان الأعمى بفكرة نهاية التأريخ وتجاهل التأريخ، ورغم استعمال آخر ما توصلت إليه البشرية من تطور تقني وعسكري، هاهي الأيام تثبت من مسيرة الحرب أن الذكاء الاصطناعي لا قيمة له عندما يكون تحت أيدي الغباء الطبيعي، وقليل من الذكاء الطبيعي في الحرب يمكن أن يتفوق على كثير من الذكاء الاصطناعي، إذا توفر الإيمان والعزيمة وعدالة القضية… وخلا من الغرور والغطرسة، وستكشف الأيام تكتيكات بسيطة للفرس استنزفت المنظومات العسكرية المعززة بآخر ما ابتكرته البشرية من أنظمة الذكاء الاصطناعي.



