رأي

الازمة السودانية واتساع الخلاف بين الحلول الوطنية والدولية

 

محمود حسين سري

منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023 يعيش السودانيون والدولة السودانية أسوأ فترة يسودها الانقسام والانشقاق والاختلاف حول إدارة الأزمة وحلها والخروج منها. والسبب الرئيسي لهذه العلة يكمن في ثلاثة أسباب:

الأول، لا يوجد مشروع وطني يُجمع عليه أهل السودان فالشعب منقسم بين مشروعين. المشروع الأول هو حرب الكرامة والحل في استمرار الحرب والمشروع الثاني هو مشروع لا للحرب وإعادة الدولة إلى ماقبل اكتوبر 2021.

والسبب الثاني يكمن في انشطار مبادرات المجتمع الدولي والاقليمي حتى أصبح هناك أكثر من 13 مبعوث دولي كل يغني على ليلاه وأكثر من 6 مبادرات كلها فشلت في توفير رؤية وتقديم الحل للأزمة والوصف الدقيق و الحقيقي لأسبابها. وأصبح كل الضغط والعمل الدولي منصب حول هدنة إنسانية ووقف إطلاق النار وإيصال المساعدات الإنسانية وإطلاق حوار سياسي مدني يحقق مصالح المسهلين والمبعوثين الدوليين وليس مصلحة السودان الوطنية.

أما السبب الثالث والأخير في في هذا الانقسام والانشقاق مابين الحلول المحلية الوطنية والدولية هو استقواء الأطراف السودانية السياسية المدنية الهشة بالمجتمع الدولي و اللجوء إلى مبادراته لحل الأزمة أو الاستقواء بالقوات المسلحة السودانية و قوات الدعم السريع في فرض سياسة الأمر الواقع على الأرض.

وبينما يعيش السودان في هذا الصراع السياسي والتمزق واتساع الهوة بين الحلول المحلية و الوطنية والحلول الدولية لحل الأزمة في السودان يتجه السودان كل يوم إلى الانزلاق في مربع الانقسام والتقسيم و هاوية تدهور الوضع الإنساني ليصبح الأسوأ بالعالم بسبب الهجمات العسكرية كل يوم و تفشي معدلات المجاعة والأمراض التي تتسبب في مقتل عشرات الآلاف من المدنيين ونزوح الملايين ليعيشوا في ظروف بالغة الصعوبة وهروب اللاجئين إلى دول الجوار والإقليم ومواجهة حملات المطاردة حيث طال أمد الأزمة وأصبح الوجود السوداني يشكل عبئاً على اقتصاديات واجتماعيات هذه الدول المستضيفة.

الحل للأزمة يحتاج إلى مجهود مضاعف من الأطراف الحكومية في السودان والأطراف الدولية والحواضن السياسية للقوات المسلحة السودانية المؤسسة الشرعية والدستورية التي تحمى البلاد في هذه الفترة للجلوس والحوار والتواصل لردم الهوة والخلافات والفروق الشاسعة بين ما هو مطروح وطنياً من حلول وماهو متاح دولياً من حلول.

إن أول نقاط الاختلاف بين ما هو دولي ومحلي هي تعريف الأزمة الإنسانية والتي تستخدمها كثير من الدول والمبادرات مثل الرباعية كمدخل لحل الأزمة. فالرؤية الوطنية ترى أن الأزمة الانسانية موجودة فقط في المناطق التي يسيطر عليها التمرد. وترى أن التمرد يمنع المواطنين من الهروب لمناطق سيطرة الجيش لتجنب الأزمة الانسانية. كما ترى الحكومة أن المجتمع الدولي ضعيف و فشل في تطبيق قرارات الأمم المتحدة لفك الحصار حول الفاشر مما تسبب في مجاعة وجرائم إبادة ضد سكانها. كما ترى الحكومة أن المجتمع الدولي ضعيف وفشل فشلا زريعاً في تطبيق قرارات الأمم المتحددة حول منع السلاح للوصول إلى دارفور. كما أن القوات المتمردة رفضت وقف إطلاق النار الإنساني في السابق و لايمكن الوثوق فيها مرة أخرى والعودة للمفاوضات من النقطة الاولى وتجاهل كل ما توصل إليه في اتفاق جدة. كما تقول الحكومة إن القوات المتمردة تستخدم القوافل والممرات الإنسانية لنقل السلاح والمرتزقة. كما تتهم الحكومة المجتمع الدولي بتوفير الدعم المالي والدبلوماسي لكثير من المنظمات الإنسانية غير المسجلة لتكون وريثة للجان المقاومة التابعة لقوى سياسية معينة تدعم التمرد. كما تسعى الحكومة إلى وصف الأزمة الإنسانية التي يروج ويتاجر بها المجتمع الدولي بأنها مسيسة ولا تسعى إلى حل الأزمة الإنسانية بل استخدامها كمدخل لتحقيق أهداف أخرى ويتجلى ذلك واضحاُ في بيانات الحكومة ووزارة الخارجية أن المجتمع الدولي يقف صامتا حول كل الانتهاكات التي تقوم بها القوات المتمردة ضد المواطنين ومنظمات العمل الإنساني والهجوم على البنية التحتية الإنسانية في السودان.

نقطة الخلاف الثانية هى أن الجيش قدم خريطة طريق واضحة لتطبيق اتفاق جدة لا يعيرها المجتمع الدولي أي اهتمام أو اعتبار ويحاول خلق منابر جديدة وبديلة مرفوضة للسودان. وبالرغم من تقديم رئيس الوزراء كامل إدريس مبادرة سلام متكاملة للمجتمع الدولي في مجلس الأمن بالأمم المتحدة في العام الماضي ورحبت بها منظمات و دول إلا أن المبادرة ذهبت إلى الأرشيف ولم تفعل ولا تجد متابعة لها ولم يتم ضمها إلى المبادرات الاقليمية أو الدولية المطروحة.

ويستمر الخلاف بين الحلول الوطنية والدولية إلى ملفات أخرى مثل أن الحل للأزمة السودانية لابد أن يكون سودانياً ولا يفرض من الخارج ويختلف المجتمع الدولي في مَن يمثل السودان هل هي الحكومة الشرعية التى تحميها القوات المسلحة السودانية أم الحكومة الموازية في نيالا التي تحميها قوات الدعم السريع أم القوى السياسية في المنفى المعروفة بصمود التي تروج لنفسها بأنها حكومة الشرعية الثورية التي انقلب عليها الجيش والدعم السريع في 2021.

كما أن وجود الإمارات العربية المتحدة في كل المبادرات الإقليمية والدولية المطروحة والحرص على الزج بها هو محل اختلاف كبير بين الحلول الوطنية والدولية حيث تتهم القوات المسلحة السودانية دولة الإمارات العربية المتحدة بأنها الممول والداعم و المساند والطرف الذي يقوي التمرد على الدولة السودانية.

ويستمر الخلاف بين الحلول الوطنية والدولية حول مستقبل مشروع قوات الدعم السريع في الدولة السودانية. فالحكومة السودانية ترى أن قوات الدعم السريع تمردت على الجيش والدولة والمؤسسات في أبريل 2023 وأصبحت قوات غير قانونية ومتمردة وأن الدعم السريع تم حله بالقانون، وتعريفه الآن قانونياً هو أنه مليشيا متمردة ضد الدولة. وبالرغم من كل هذه الخطوات مازال المجتمع الدولي والاقليمي يستقبل ممثلين للمتمردين و الأجنحة السياسية للتمرد، والمتمردون يقاتلون بأسلحة غربية متطورة حصلوا عليها من دول مجاورة واقليمية بموافقة الغرب. كما أن وقوف دول كثيرة موقف المشاهد والمحايد الإيجابي وعدم التدخل، ومساواة الطرفين ببعض والسماح بنشاط قوى سياسية داعمة للدعم السريع في الزيارات الدولية والبرلمانات الأجنبية ومراكز صنع القرار جعل كثيراً من الدول أن تقف موقف المسافة الواحدة بين الجيش والدعم السريع المتمرد حيث أصبحت كل هذه الخطوات انحيازاً واضحاً و ضد الجيش والدولة والمؤسسات الشرعية في السودان.

وقد نجحت القوى السياسية الداعمة للدعم السريع في توصيل معلومتين الأولى أن الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني والمقاتلين الإسلاميين يسيطرون على الحكومة السودانية والقوات المسلحة السودانية، كما نجحت في إيصال صورة مغلوطة أن قوات الدعم السريع وحواضنها السياسية تمثل تياراً سياسياً وعرقي وإثني عريض مهمش في السودان، وأن مايحدث في السودان اليوم هو انهيار دولة 56 ونخبتها ونظامها ومؤسساتها وجيشها واستبدادها ضد المهمشين في الدولة.

وترتبط نقطة فرض العقوبات الدولية على القوات المسلحة كنقطة اختلاف أخرى وواضحة بين الحلول الوطنية والحلول الدولية. حيث أن العقوبات الدولية على القوات المسلحة التى دورها في الأصل هو حماية المواطنين من الإرهاب و الجرائم والانتهاكات الواضحة والبشائع التي تعرض لها المواطنون السودانيون على يد قوات الدعم السريع الغادرة والمتمردة هي إجراء دولي غير مبرر هدفه المساواة بين الجيش وقوات الدعم وإهلاك الدولة وإضعافها وتركيعها لقبول أي مبادرة أو وساطة وعزل السودان من محيطه الإقليمي الأفريقي والعربي والدولي حتى أصبح بعض المسؤولين الدوليين يرفضون التقاط الصور مع المسؤولين في الحكومة السودانية ويكتفون بمقابلتهم في الغرف المغلقة بعيداً عن كاميرات الإعلام وهو سلوك مخالف لما يقومون به مع ممثلين قوات الدعم السريع ووفود صمود التي تتجول دولياً بحرية ودون قيود.

نقطة الخلاف الأخرى بين الحلول الوطنية والدولية هي في تعريف الصراع نفسه. فبينما سبب الصراع في السودان واضح تعريفه: انقلاب عسكري من قوات الدعم السريع المتمردة على الجيش والدولة بدعم إقليمي من الامارات العربية المتحدة ودولة إسرائيل برضاء أمريكي وأوروبي، تقوم كثير من القوى السياسية السودانية والاعلاميون والمجتمع الدولي بتعريف ما يدور في السودان على أنه صراع بين الحركة الإسلامية و العلمانيين، وصراع بين جنرالين – البرهان وحميدتي- متعطشين للسلطة، وصراع بين قوى إقليمية على السودان تقوده الإمارات والسعودية وقطر وتركيا ومصر وآخرون. بينما يرى آخرون أن تعريف الصراع في السودان هو أنه صراع دولي تقوده أمريكا وأوروبا وروسيا والصين، بأدوات إقليمية وسودانية، ويعرف آخرون الصراع بأنه صراع بين النخب السودانية المتكالبة على كرسي السلطة بأدوات عسكرية تورط فيها الجيش والدعم السريع وتقوم فيه هذه النخب بالاستقواء بالقوى الإقليمية والدولية. وهنا نخلص لأنه ما دام هناك اختلاف وطني ودولي على تعريف الصراع وأسبابه فستستمر الحرب.

يستمر الخلاف بين المجتمع الدولي ليصطدم مع الحلول الدولية حول مستقبل ملف “صمود” والتي يرى كثير من الوطنيين أنها واجهة لمخطط دولى للسيطرة على السودان وأن صمود وتأسيس هما وجهان لعملة واحدة وهي جماعات سياسية تؤيد التمرد للوصول للسلطة بالقوة والحرب. تقود هذه النقطة إلى نقطة خلاف أخرى وهي من يشارك في الحوار السوداني القادم بعد وقف إطلاق النار وكيف يكون هذا الحوار عملية سودانية خالصة بإرادة سودانية يديرها سودانيون ومفتوح لكل سوداني يحمل الجواز السوداني ماعدا المطلوبين للعدالة بتهم الفساد والقتل وارتكاب جرائم يعاقب عليها القانون الدولي والإنساني.

ويتخوف كثير من أصحاب الحلول الوطنية أن ينتج عن الحوار السوداني إتفاق إطاري جديد ينسي رغبات الشعب السوداني في اختيار مَن يحكمه عبر انتخابات حرة و نزيهة، ويُمكِّـن قحت جديدة ومشروع فولكر جديد لحكم السودان. كما يتخوف المجتمع الدولي أن ينتج عن الحوار إعادة الإخوان المسلمين ودولة المؤتمر الوطني للمشهد السياسي وحكم السودان.

أخيراً يأتي ملف العدالة الدولية حيث يرى المجتمع الدولي أنه ملف أساسي ورئيسي وأن الحكومة والسلطات السودانية يجب أن تسلم كل المطلوبين في نظام الرئيس السابق البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية وأن تفتح الدولة أبوابها ونوافذها لتحقيق دولي واسع حول جرائم المنسوبة للقوات المسلحة و قوات الدعم السريع وأن تتم الإطاحة بكل الصفوف الأولى والثانية والثالثة في الجيش التي تربت في كنف النظام الإسلامي السابق حيث يشكك المجتمع الدولي في ولائها للمشروع الوطني في السودان. هذا الحل الدولي المتشدد يصطدم مع الحلول الوطنية التي تدعو إلى الحوار والمصالحة التاريخية والعفو والتعويض عن الجرائم التي ارتكبت وانخراط المجتمع الدولي في دعم المؤسسات الوطنية السودانية العدلية وتطويرها وتحديثها وتقويتها لتقوم هي بواجبها الوطني والسيادي في تحقيق العدالة وتفعيل دور المفوضيات مثل مفوضية حقوق الإنسان و مفوضية مكافحة الفساد ومفوضية الخدمة الوطنية ومفوضية العون الإنساني.

وفي الختام فإن الهوة والاختلاف بين الحلول الوطنية والدولية كبير في ما يخص الأزمة في السودان. والحل في الحوار والحوار الجاد والحوار الحقيقي بين وزارة الخارجية السودانية وسفاراتها في العواصم الدولية وفي دور الاعلام في نشر الوعي وفي دور الجاليات السودانية في الخارج في التعريف بأزمة السودان وفي دور الأحزاب السودانية الوطنية التي تقف في المعسكر الصحيح وهو الدفاع عن الدولة الوطنية السودانية ومؤسساتها الشرعية في القيام بدورها في توفير الحلول الوطنية وفي دور المسؤولين السودانيين الذين يستقبلون الجهات الأجنبية والدولية في شرح الأزمة وفرض الحلول الوطنية وخفض وتقليص الفجوة بين ما هو مطروح دولياً كحل وما هو متاح ويخدم مصلحة الوطن ووحدته وسلامة أراضيه. لا بديل للحوار إلا الحوار وعلى كل الجهات السودانية المذكورة أعلاه الاقتحام والطرق المستمر لكل الأبواب والتواصل مع الجميع دولياً والتواجد في كل محفل إقليمي ودولي والإصرار بأن حل الأزمة السودانية يجب أن يصنع في السودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى