رأي

القادسية… حين تتصارع الإمبراطوريات ويتغير وجه التاريخ

 

 

د. إسماعيل ساتي

في السنة الرابعة عشرة للهجرة وقعت واحدة من أكثر المعارك تأثيراً في تاريخ المنطقة، وربما في تاريخ العالم القديم: معركة القادسية.

في ظاهر الأمر كانت المواجهة غير متكافئة على الإطلاق. فمن جهة تقف الإمبراطورية الفارسية الساسانية، إحدى أعظم القوى في ذلك العصر، بجيش ضخم وخبرة عسكرية عريقة وموارد دولة مترامية الأطراف. ومن الجهة الأخرى يقف جيش المسلمين القادم من جزيرة العرب بقدرات محدودة نسبياً مقارنة بما لدى خصمه.

قاد جيش المسلمين سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، بينما قاد جيش الفرس القائد الشهير رستم فرخزاد. وقد حشد الفرس قوات كبيرة، واستعانوا حتى بالفيلة الحربية التي لم يكن العرب قد عرفوا مثلها في ميادين القتال.

كل المؤشرات آنذاك كانت تشير إلى أن الكفة تميل بوضوح لصالح الإمبراطورية الفارسية.

لكن التاريخ (كما يثبت مراراً) لا تحكمه الأرقام وحدها.

لحظة التحول:

استمرت المعركة عدة أيام، تقلبت فيها الكفة بين الطرفين، حتى جاءت اللحظة الفاصلة حين قُتل رستم قائد الفرس. عندها تزعزع تماسك الجيش الفارسي وبدأت ملامح الانهيار الكبير.

لم تكن القادسية مجرد انتصار عسكري في معركة واحدة، بل كانت نقطة تحول فتحت الطريق لانهيار الإمبراطورية الساسانية خلال سنوات قليلة. وهكذا تغير ميزان القوى في المنطقة تغييراً جذرياً، وانتقل مركز التأثير السياسي والحضاري من الإمبراطوريات القديمة إلى قوة جديدة صاعدة.

ولهذا فإن القادسية ليست مجرد واقعة في التاريخ الإسلامي، بل مثال عميق على الكيفية التي تتغير بها موازين القوة في لحظات تبدو مستحيلة في ظاهرها.

منطق القوة… ومنطق الضحية:

إذا انتقلنا إلى حاضرنا سنجد أن الشرق الأوسط يعيش، بدرجة ما، تحت ظل قوة إمبراطورية حديثة تقودها الولايات المتحدة، وتساندها إسرائيل بقوة عسكرية هائلة (أو لعله العكس!).

وخلال عقود طويلة دفعت شعوب المنطقة ثمناً باهظاً لهذا الاختلال في ميزان القوة. فالحروب التي خاضتها الولايات المتحدة أو دعمتها، والعمليات العسكرية التي تنفذها إسرائيل بلا رادع حقيقي، تركت خلفها مدناً مدمرة وملايين الضحايا وموجات هائلة من اللجوء والنزوح.

من العراق إلى غزة، ومن سوريا إلى لبنان، يتكرر المشهد ذاته: طائرات حديثة وصواريخ ذكية في مواجهة أحياء سكنية مزدحمة بالبشر الذين لم يختاروا أن يكونوا جزءاً من هذه الحروب.

وفي كل مرة يُقال إن هذه الحروب ضرورية لأمن الدول القوية، أو لحماية النظام الدولي، أو لردع تهديدات مستقبلية. لكن الضحايا (كما يحدث غالباً في حروب الإمبراطوريات) لا يكون لهم صوت في صياغة هذه الروايات.

غزة… المرآة الأكثر قسوة:

ربما لا توجد صورة تختصر مأساة هذا العصر أكثر من صورة غزة.

قطاع صغير محاصر منذ سنوات طويلة، يعيش فيه أكثر من مليوني إنسان تحت ضغط اقتصادي وإنساني هائل، ثم يجد نفسه بين الحين والآخر تحت وابل من القصف الذي يحول الأحياء السكنية إلى ركام.

وفي كل جولة من جولات الحرب تتكرر المشاهد نفسها: أطفال يُنتشلون من تحت الأنقاض، ومستشفيات مكتظة بالجرحى، وأحياء كاملة تُمحى من الخريطة.

ومع ذلك يستمر الخطاب السياسي في العواصم الكبرى في الحديث عن ”الحق في الدفاع عن النفس“، وكأن حياة المدنيين لا تدخل في معادلة العدالة.

منطق الإمبراطوريات:

عندما تدخل القوى الكبرى صراعاً مفتوحاً فإنها تنظر إليه من زاوية مصالحها الاستراتيجية الواسعة.

فالولايات المتحدة، بوصفها القوة العسكرية الأكبر في العالم، ترى الشرق الأوسط من زاوية حماية شبكة واسعة من المصالح: أمن الطاقة، وحماية الحلفاء، ومنع ظهور قوة إقليمية قادرة على تهديد ميزان النفوذ.

أما إسرائيل فترى في الصراع مع إيران صراعاً وجودياً طويل الأمد، خاصة مع تطور القدرات العسكرية الإيرانية وتنامي نفوذ طهران في عدد من الساحات الإقليمية.

وفي المقابل ترى إيران نفسها قوة صاعدة تسعى إلى كسر ما تعتبره طوقاً استراتيجياً مفروضاً عليها، وتحاول توسيع مجال نفوذها عبر أدوات متعددة: سياسية وعسكرية وأيديولوجية.

لكن التاريخ يعلمنا أن موازين القوى لا تبقى ثابتة إلى الأبد. فالإمبراطوريات الكبرى في التاريخ (من الفرس والروم إلى غيرهم) بدت في لحظات كثيرة وكأنها قوى لا يمكن زعزعتها، قبل أن تأتي أحداث غير متوقعة تغير مسار التاريخ.

دروس القادسية:

لا يعني استحضار القادسية أن التاريخ يعيد نفسه حرفياً، فلكل عصر ظروفه وقوانينه. لكن التاريخ يقدم دائماً إشارات لمن يريد أن يتأملها ويتعلم منها.

الدرس الأول: التفوق الظاهر لا يضمن النصر الدائم. فالشعوب التي تُسحق طويلاً تحت ضغط القوة قد تبدو ضعيفة في لحظة ما، لكنها لا تختفي من معادلة التاريخ. فقد ظن كثيرون في زمن القادسية أن الإمبراطورية الفارسية أكبر من أن تُهزم، لكن ما بدا مستحيلاً في حسابات القوة التقليدية أصبح حقيقة في مسار التاريخ.

الدرس الثاني: الصراعات الكبرى نادراً ما تبدأ بانفجار واحد مفاجئ؛ بل تتشكل غالباً عبر سلسلة طويلة من الأحداث الصغيرة التي قد تبدو في حينها عابرة أو محدودة الأثر. تراكم هذه الأحداث، مع تصاعد مشاعر الخوف والشك بين القوى المتصارعة، قد يقود فجأة إلى مواجهة واسعة لم يكن أحد يتوقع توقيتها.

الدرس الثالث: التحولات التاريخية الكبرى غالباً ما تقع حين يعتقد الجميع أن ميزان القوى قد استقر نهائياً. في تلك اللحظة تحديداً تتولد لدى القوى المهيمنة قناعة بأن تفوقها أصبح دائماً، وأن النظام القائم لن يتغير. لكن التاريخ يبين أن هذه الثقة المفرطة غالباً ما تحمل بذرة انهيارها.

البعد المنظومي:

من زاوية الفكر المنظومي، يمكن فهم هذه الدروس على أنها سلوك طبيعي للمناظيم التاريخية المعقدة. فالتاريخ ليس مجرد سلسلة أحداث منفصلة، بل منظومة متشابكة من القوى والتفاعلات التي تؤثر في بعضها عبر حلقات مستمرة من التغذية الراجعة.

في مثل هذه المنظومات قد تتراكم الضغوط والتوترات بصمت زمناً طويلاً، قبل أن تبلغ نقطة التحول التي يعيد عندها النظام كله ترتيب موازينه، فتظهر التحولات الكبرى وكأنها جاءت فجأة، رغم أنها كانت نتيجة مسار طويل من التفاعلات غير المرئية.

وفي الختام، فإن الدرس الأبرز الذي يفرضه الفكر المنظومي والقادسية معاً: الإمبراطوريات التي تعتقد أن تفوقها المطلق يضمن السيطرة غالباً ما تترك غرورها يمهّد لنهايتها.

فهل ستظل القوى الكبرى تتوهم أن قوتها المطلقة تضمن لها السيطرة، أم أن غرورها سيصبح دائماً السبب الذي يقودها إلى الانهيار؟ ذلك سؤال لا يجيب عنه المؤرخون… بل تصنع إجابته الأيام.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى