بين المروح و الباز وأسئلة السودان المؤجلة؛ دور الإعلام في إعادة تأسيس معنى الوطن

د. مزمل سليمان حمد
في خضم الحوار الفكري المتجدد الذي فتحه الأستاذ السفير العبيد مروح، المدير الأسبق للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون وصاحب موقع المحقق الإعلامي، حول “زلزال السودان” وأسئلة “التأسيس الانتقالي”، يجيء اشتباك الأستاذ عادل الباز في مقاله “أسئلة التكوين… وانفجار التاريخ المؤجل (2/2)” بوصفه امتدادًا نقديًا مهمًا لهذا النقاش، لا يكتفي بالتعليق، بل يعيد تفكيك الفكرة ذاتها من زاوية أعمق: زاوية المعرفة قبل السياسة، والتكوين قبل الانتقال، والوعي قبل السلطة.
هذا الحوار، في جوهره، لا يدور حول اختلاف في الرأي بقدر ما يكشف أزمة أعمق في التجربة السودانية: أزمة إنتاج المعرفة المؤسسة للدولة، وليس فقط إدارة خلافاتها السياسية.
ينطلق الأستاذ العبيد مروح في مقاله الثاني من سؤال جوهري: كيف ننتقل من دولة لم تفهم مجتمعها إلى دولة تنبع من فهم دقيق لتكويناته ومظالمه وتحولاته؟ ويقترح لذلك ما أسماه “التأسيس الانتقالي”، سواء عبر نخب فكرية موسعة أو بدعوة من الدولة نفسها، وهي مقاربة تسعى إلى فتح باب التفكير الجماعي في جذور الأزمة السودانية قبل الدخول في تفاصيل السلطة.
لكن الأستاذ عادل الباز، وهو يتفاعل مع هذا الطرح، يذهب إلى منطقة أكثر نقدية، إذ يرى أن هذه المقترحات، رغم جديتها، ليست جديدة على التجربة السودانية، فقد جُرّبت بأشكال مختلفة طوال عقود عبر مؤتمرات وحوارات ولجان، دون أن تنتج تحولًا حقيقيًا. والسبب في تقديره ليس نقص النوايا، بل غياب المنهج نفسه: أي غياب المعرفة العميقة بطبيعة الدولة السودانية، وبنيتها التاريخية والاجتماعية والثقافية.
تتفق الرؤيتان في نقطة مركزية: أن الأزمة السودانية ليست أزمة سياسية سطحية يمكن حلها بتسويات أو محاصصات، بل هي أزمة “تكوين” بالمعنى العميق؛ أي كيف تشكلت الدولة، وكيف تبلورت الهويات، وكيف نشأت علاقة مختلة بين المركز والهامش، وبين الدولة والمجتمع.
لكن الباز يضيف تحذيرًا بالغ الأهمية: أن العودة إلى ذات الأدوات القديمة — المؤتمرات، والحوارات السياسية، والتسويات السريعة — تعني ببساطة إعادة إنتاج الفشل، لأننا نكرر معالجة الأعراض بينما تظل الجذور دون تشخيص علمي حقيقي.
ومن هنا ينتقل النقاش إلى نقطة أكثر حساسية: من يملك حق “التأسيس”؟ هل هي النخب السياسية؟ أم الدولة؟ أم النخب الفكرية؟ أم العلماء في التاريخ والاجتماع والاقتصاد؟ هنا تطرح رؤية مختلفة مفادها أن التأسيس لا يجوز أن يُترك للسياسيين وحدهم، لأن السياسي بطبيعته محكوم بإدارة اللحظة، بينما التأسيس يحتاج إلى تفكيك التاريخ وبناء المعرفة، لا إدارة الصراع فقط.
وهذا يقود إلى فكرة مركزية: أن السودان لم يفشل لأنه لم يعقد مؤتمرات كافية، بل لأنه لم ينتج معرفة كافية بنفسه. أي أننا دخلنا إلى الحلول قبل أن ننجز التشخيص، وذهبنا إلى اقتسام السلطة قبل أن نتفق على معنى الدولة، وكتبنا التوصيات قبل أن نجيب عن السؤال المؤسس: لماذا يتكرر الفشل أصلًا؟
وفي هذا السياق، يبرز حديث الأستاذة هويدا شبو عن “عقد اجتماعي جديد” كجزء مهم من النقاش، لكنه يحتاج إلى شرط سابق لا غنى عنه: تأسيس معرفي شامل. فالعقد الاجتماعي لا يمكن أن يكون مجرد وثيقة سياسية، بل يجب أن يكون نتيجة فهم عميق لطبيعة المجتمع السوداني وتاريخه وتناقضاته.
ومن هنا تتبلور الفكرة الأكثر أهمية: أن “التأسيس الانتقالي” إذا لم يتحول إلى مشروع إنتاج معرفة، فإنه سيعيد إنتاج نفس الأزمة تحت مسميات جديدة. أما إذا تحول إلى مرحلة علمية تحليلية تشارك فيها عقول التاريخ والاجتماع والاقتصاد والثقافة، فإننا قد نكون أمام بداية مختلفة فعلًا.
وفي خلفية هذا النقاش، يبرز التحدي الأخطر: فوضى الوعي، حيث تختلط المعلومة بالدعاية، والرأي بالحقيقة، والخطاب السياسي بالتضليل الإعلامي. وهنا تصبح أهمية التكوين الإعلامي والثقافي جزءًا لا ينفصل عن مشروع التأسيس نفسه، لأن أي دولة لا تملك وعيًا نقديًا لدى مواطنيها، ستظل أسيرة إعادة إنتاج أزماتها مهما تغيّرت الحكومات.
إن ما يجمع بين مداخلات العبيد مروح، وتحليلات عادل الباز، ومساهمات الأصوات الأخرى، هو إدراك متزايد بأن السودان لا يحتاج فقط إلى انتقال سياسي، بل إلى “إعادة تأسيس للمعنى”: معنى الدولة، ومعنى المواطن، ومعنى الهوية، ومعنى الحقيقة نفسها في الفضاء العام.
وهكذا يتحول هذا الحوار الفكري المفتوح إلى ما هو أبعد من مجرد نقاش صحفي؛ إنه محاولة مبكرة لطرح السؤال الأصعب: كيف يمكن للسودان أن يفهم نفسه قبل أن يحاول تغيير نفسه؟
وفي النهاية، ربما يكون أهم ما يقدمه هذا الاشتباك الفكري هو أنه يعيد وضع السؤال في مكانه الصحيح: ليس كيف نحكم السودان؟ بل كيف نفهم السودان أولًا؟
فمن دون هذا الفهم، سيظل التاريخ يدور في حلقته المؤجلة… ويظل الانفجار القادم احتمالًا دائم الحضور.



