رأي

تعليقي على مقالة السفير العبيد المروح : “زلزال السودان.. هل نقترب من تشكل الكتلة الكبرى؟”

الدكتور الخضر هارون

• تكمن أهمية المقالة في الدعوة للتفكير خارج الصندوق . و لقد أثارت المقالة قضايا مهمة ظلت راكدة ساكنة بلا حراك كتطاول فترة الانتفال. قلت في رسالة صغيرة مقتضبة للأخ السفير العبيد أن طولها يشارف بعد قليل عمر الفترتين الديمقراطيتين “اللتين أعقبتا سقوط نظامي الجنرالين عبود ونميري رحمهما الله، وغدت فترة الانتقال الحالية كما لو أنها مفتوحة بلا سقوف open-ended وسبب ذلك أن الجيوبولتيك طغى هذه المرة علي القرار الوطني وأصبح البحث الكليل عن وصفة لحكومة يرتضيها الإقليم والعالم الفسيح المتكالب علينا بقضه وقضيضه، يجعل طلاب ذلك عصي التحقق يندرج في قوائم المستحيلات يشابه البحث عن بقرة بني إسرائيل !

• ولمن غلبت عليه شكوكه وهواجسه ورأى أن سوء الظن من حسن الفطن، له أن يتصور إن شاء و أن يظن أن القائمين علي الأمر يتخذون ذلك مطية تبقيهم حيث هم في دائرة السلطة والأضواء مُدداً متطاولة، ففي حِكمنا المعوقة أن العجلة من الشيطان وأن في السكون البركة.

• ويقيني أن كثيرين يرون ذلك ومن حقهم، بيد أن الأمر أعوص وأشكل من ذلك كما أن الخوض فيه بالأمانة والصراحة المطلوبة لمثل هذا الحوار والتجرد محفوفة بالاتهامات وبمساحات مهولة من سهام سوء الظن والشكوك في النوايا التي تجعل النأي والابتعاد عن المشاركة وإبداء الرأي أسلم وأحفظ لود متناثر لا يغني عن الحق شيئاً.

• وأود أن أؤكد أن إبدائي لهذه الملاحظات وللواردة بأدناه تأتي في إطار أنني مؤمن بوحدة الدولة السودانية وبقداسة التضحية في سيبل بقائها وأثمن وأحي تضحيات القوات المسلحة والمشتركة وتضحيات المستنفرين وأترحم علي شهدائهم جميعاً، وظني حسن بكل الذين يعملون في خدمة هذه الدولة وما أقوله لا ينطلق من منصة حزبية أو سياسية أو أيدولوجية والحديث لا يقترب من شخص أو شخصيات لمزاً أو همزاً فالأشخاص جميعا موضع احترام وتجلة وكل الذين نعرفهم منهم من أصحاب التجارب والخبرات والكفايات التي تؤهلهم لتسنم المناصب لذا فكل ما يرد محمول على المجرد والنظر على ما أن تكون عليه المؤسسات هكذا قبل أن يفد عليها الأشخاص. ذلك بقدر ما يتسع التجرد من الهوى ومن الرغائب والهوى و الحب والبغضاء.

• يقيني في البداية أن السودان ليس بدعاً بين الدول التي خضعت مثله للاستعمار وأدخلت مثله في العصر الحديث وفي زمرة الدولة الحديثة-الأمة، فجلها تعاني ما يعانيه من تباين أو تعدد المكونات الثقافية والدينية ولا توجد دولة متجانسة في أفريقيا عرقيا وثقافيا سوي الصومال، ويقتتل أهلها بين بطون القبائل لا بين القبائل نفسها، وفي آسيا هناك ربما اليابان وحدها المتجانسة.

والسودان لا يعاني من تباين شديد الحدة يحول بينه وبين ما يكفي لقيام دولة متجانسة ومستقرة إذا صوب الهدف المخلص لذلك، إذن التركة الاستعمارية في التكوين وصعوبة تجاوزها بعد سبعين عاماً من الاستقلال لا ينفرد بها السودان فهي عامل مشترك بين دول العالم الثالث لا تعلق عليها اخفاقات تفاوتت جهود غيرنا في تجاوزها.

• وفي سياق مقالة السفير العبيد أبدأ الحديث عن اتفاق جوبا و وأري أنه الخطأ الأول الذي يطيل أمد هذا الانتقال. جيداً كان ومطلوبا المصالحة الوطنية التي تمت مع الحركات المسلحة التي تمردت علي المركز بسبب مطالب مشروعة في إنصاف مناطقها وإشراكها في إدارة السياسة والتخطيط في البلاد كغيرها من مكوناته. وهنا تكون المصالحة إيماناً بوحدة البلاد وبعدم أحقية المركز أن ينفرد بإدارة البلاد وحده بإقصاء بعض أجزائه. ذلك يقتضي إشراك القادمين الجدد في كيفية تصحيح الأخطاء وتكوين وضع جديد لإدارة البلاد دون تمييز ويستلزم ذلك إدماج قوات الحركات في المؤسسات العسكرية وفق معاييرها الموضوعية. تلكم هي الجائزة الكبرى التي تم الحصول عليها.

• لكن حكومة الانتقال بشقيها المدني والعسكري تحت نشوة الانتصار علي الإنقاذ رغم أن الإنقاذ هي نفسها التي أنهت الإنقاذ، متمثلة في اللجنة الأمنية وأزعنت لمطلب التغيير، لم تر في تلك اللحظة الفارقة سانحة نادرة لتصفير العداد وإشراك كافة القوي الغالبة التي رحبت بالتغيير لبلورة حوار عميق مختلف يعي واقع البلاد الداخلي والجيوبولتيكا، لكن عوضا عن ذلك، اختار الفصيل الذي ساهم في إحداث التغيير والذي وجد نفسه في هرم السلطة، الاقصاء ووجدها فرصة ذهبية لتصفية الحسابات للانتقام من الخصوم السياسيين فأقصى قوى وطنية عديدة شاركت في الاعتصامات والتظاهرات جنباً إلي جنب معه ورغبت في الاتيان والاستقواء بالقادمين الجدد علي اعتبار أنهم بالضرورة أعداء للنظام الذي ذهب رغم أن بعضهم كان يعارض مبدأ الاقصاء. تجاوزت الحكومة الجديدة ذلك بالدخول في محاصصات جديدة استلهمت اتفاق نيفاشا في “المشورة الشعبية” لمن قاتلوا مع الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان في دارفور والنيل الأزرق بل أقول وراء نظام المناطق المغلقة الاستعماري الذي يكرس الانقسامات الجهوية والعرقية بدعوى الحفاظ على الخصوصيات الثقافية للمناطق بينما كان يحاذر من خلق بوتقة جامعة متماسكة تهز عروشه.
وتلك كانت نظرة عجلى تحت الأقدام كان الأحرى أن ترنو ببصرها بعيدا وراء الآكام وآفاق المستقبل وأن الفرصة قد أتت لتعظيم وحدة الوطن ومشاركة الجميع في رسم خطوط مستقبله ودفن المرارات والإحن القديمة إلي الأبد فتكتفي بضم قيادات تلك الحركات في أجهزة الانتفال السياسية وفيهم أكفاء مؤهلون نجلهم، ليسهموا مع الجميع في خلق الوضع الجديد المستدام الذي كان يتوق إليه كل السودانيين بمن فيهم غالب مؤيدي حكم الإنقاذ تحت شعار ” نحن أولاد النهار دا! نفتح صفحة جديدة في سجل الوطن.” وترك قسمة التركة لمؤسسات الحكم المنتخبة حيث لا مجال لإعمال مشروع للتميز الإيجابي المعروف لمعالجة الاختلالات التاريخية في فترة انتقال.

• ذلك التمييز الإيجابي المطلوب يترك للأجهزة المنتخبة المجمع عليها ليكون الحل شرعيا دائماً وموضع اجماع. وأري أن التمييز الإيجابي يأتي عند التداول في البرلمان لقيام التأسيس الذي أشار لضرورة إقراره مقال السفير العبيد وعند إقرار نظام اتحادي يقسم البلاد لوحدات إدارية كبرى تمنح فيها الوحدات الأضعف مزايا تلحقها ببقية أجزاء الوطن في التنمية والتعليم لا على أساس التاريخ وإنما على أساس رصد علمي مجرد لواقع الحال عندئذ ولمدى زمني يتم الاتفاق عليه.

• لقد أخطأت تلك الحكومة بشقيها بتلك التدابير العجلى بجعل دارفور بولاياتها الخمس إقليما والنيل الأزرق إقليما دون سائر ولايات السودان فخلق ذلك غبائن في مناطق أخرى كالجزيرة والشمالية الكبرى والبحر الأحمر الذي أغلق الميناء والطريق القومي وأسهمت احتجاجاته في إسقاط تلك الحكومة، وتزايد الاحتقان مع التدابير الخارجية المفضوحة التي أشعلت الحرب التي يعاني منها السودان حاليا. وبهذا التدبير المتسرع تبدو البلاد اليوم وكأنها تدار بأكثر من حكومة، فقادة الأقاليم يسافرون إلي الخارج ويلتقون المسؤولين الأجانب والمبعوثين وفي البلاد حكومة ووزارة للخارجية.

• ويبدو أن تجنب الحساسيات يضعف السلطات المدنية في المدن في القيام بواجباتها في حفظ وبسط الأمن وحماية المواطنين وقد رأينا اللغط الذي حدث عند المطالبة بإخراج العسكريين من العاصمة الخرطوم وفي عطبرة، وفي عهد الإنقاذ ما جرى في الأبيض من تناوش مع الدعم السريع.

• لا يستبطن هذا الحديث تهماً لأحد فقد قاتلت كل القوات تحت إشراف الجيش بشرف في مواطن كثيرة وقدمت المهج والأرواح لكن تعدد الواجهات المدنية والعسكرية يخلق معضلات يصعب تفاديها ويجعل التفريق بينها وبين حدود صلاحياتها صعباً للغاية ويغل يد الإدارة المدنية عن الفعل الناجز المبتغى. وحديث وسائط الإعلام الرسمية – لا وسائط التواصل الاجتماعي – كل يوم عن اكتشاف عشرات المكاتب لجماعات إجرامية مسلحة تنتحل صفة القوات النظامية لإرهاب المواطنين والاستيلاء علي ممتلكاتهم وضبط خلايا نائمة تابعة لتمرد الدعم السريع وشاحنات ضخمة تزوده بالمؤن والذخائر من عاصمة تحررت قبل عام مغلق للغاية ومخيف.

• والسؤال الملح هل ستبقي تلك التدابير غداً عندما تقام مؤسسات الدولة الثابتة الشرعية المنتخبة كما هي ويبقي الخلل بين توزيع الصلاحيات بين أجزاء الوطن مختلاً بعضه أقاليم تتمتع بامتيازات والبعض الآخر ولايات (ساكت)؟! أتمني أن تعتبر أقاليم اليوم ذلك تدبيرا مؤقتا حتي قيام الانتخابات. وتكون تلك تضحية
غالية مقدرة وذكية من أجل السودان الوطن الواحد الموحد.

والآن أما آن لهذا الانتقال أن يترجل؟
دعونا نفكر قليلاً خارج الصنوق ونعتبر الفترة الحالية فترة أنتقال (أ) اقتضت الظروف أن تكون بلا سقف، أن نبتدر فترة أنتقال (ب) جديدة محددة بعامين مثلا تجري بعدها الانتخابات العامة علي النحو المقترح بأدناه.
جميع الانتخابات التي أجريت بعد الاستقلال كانت جزئية استُثنيت منها مناطق الحروب في الجنوب. ما الذي يمنع من تشكيل لجنة قومية من موظفي الخدمة المدنية والخبراء لإعداد البلاد للانتخابات العامة في المناطق الآمنة تبدأ بإحصاء السكان؟
حتي النازحين منهم، فالنازحون خارج مناطقهم سودانيون يتم احصاؤهم أين ما كانوا وتحدد الدوائر الانتخابية ويكون الانتخاب بالترفيع تصاعديا من القري والفرقان حتي المستوي الاتحادي، مجلس وطني جامع يشكل حكومة بتوافق مع الجيش وكذلك الأقاليم تكون الحكومات الولائية ويتفرغ الجيش لمهامه الأساسية في تحرير البلاد بكفاءة أكثر من دنس التمرد. لتكن طبيعة هذه الانتخابات لا حزبية تعطي الأولوية فيها الشباب والشابات (أقصي حد للتنافس فيها سن الخمسين) في المحليات ويكون التنافس وفق عطائهم في خدمة مواطنيهم أثناء فترات الحرب والنزوح، يعتبر هذا الترتيب مؤقتا في سياق فترة انتقالية محددة من سنتين تجري بعدها الانتخابات العامة في جميع أنحاء البلاد الخالية من الحروب .
ألا يعطي ذلك المواطنين ثقة في أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح ؟ وأن الانتقال لم يعد يعني الديمومة اللامتناهية ؟ ألا يرسل ذلك رسالة للعالم تبدد شكوكه وأن الاستقرار قد حل بالسودان أخيراً بديلاً لوضع السودان الحالي : منزلة بين منزلتين؟ أظن ذلك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى