رأي

الجنيه السوداني بين مطرقة الحرب وسندان التضخم: كيف نستعيد قيمة العملة الوطنية؟

نعمان يوسف محمد **

لم يعد إنهيار الجنيه السوداني مجرد أرقام تتبدل في شاشات أسعار الصرف أو أخبار إقتصادية عابرة، بل أصبح واقعاً يومياً قاسياً يعيشه المواطن في تفاصيل حياته الأساسية: في الخبز، والدواء، والمواصلات، والإحتياجات الضرورية التي باتت تتآكل قدرته على تأمينها مع كل تراجع جديد في قيمة العملة الوطنية.

حين يصبح ثمن مثلث جبنة صغير 1,000 جنيه (1,000,000 جنيه بالقديم) ويقفز سعر الدولار إلى 4,100 جنيه (4,100,000 جنيه بالقديم)، فإن القضية لم تعد مسألة غلاء أسعار فحسب، بل مؤشر خطير على تدهور القوة الشرائية للجنيه السوداني، وعلى دخول الإقتصاد مرحلة حرجة من التضخم الجامح الذي يهدد الإستقرار المعيشي والإجتماعي معاً.

العملة الوطنية مرآة الإقتصاد:

العملة ليست مجرد ورقة نقدية تحمل أرقاماً، بل هي إنعكاس مباشر لقوة الإقتصاد وإنتاجيته وإستقراره السياسي والنقدي. وكلما ضعفت الثقة في الإقتصاد، ضعفت الثقة في العملة، فيتجه الناس إلى اكتناز العملات الأجنبية أو الذهب أو السلع، مما يزيد الضغط على الجنيه ويُدخل الإقتصاد في دائرة مفرغة من الإنخفاض المستمر.

وفي الحالة السودانية، فان الحرب الدائرة لم تدمر البنية التحتية ومصادر الإنتاج فقط، بل عطلت دورة الإقتصاد الطبيعية، وأضعفت قدرة الدولة على ضبط الأسواق، وقلصت الإيرادات العامة، وزادت الإنفاق غير المنتج، فكان من الطبيعي أن ينعكس ذلك في صورة تضخم متسارع وإنخفاض حاد في قيمة الجنيه.

الحرب .. المحرك الأكبر للإنهيار

لا يمكن فهم التدهور الحالي في قيمة الجنيه بعيداً عن آثار الحرب، فالحرب تخلق إقتصادا مشوها قائما على الندرة والمضاربة والإضطراب. فعندما تتعطل الزراعة والصناعة والتجارة والنقل، يقل المعروض من السلع والخدمات، بينما تستمر الحاجة إليها .. بل تزداد، فتقفز الأسعار بصورة حادة.

وفي الوقت نفسه، تضطر الحكومات في أوقات الحرب إلى تمويل نفقاتها بوسائل إستثنائية، من أخطرها التمويل بالعجز وطباعة النقود دون غطاء إنتاجي، وهي وصفة مؤكدة لتآكل قيمة العملة وإرتفاع معدلات التضخم.

فكل جنيه جديد يُضخ في السوق دون زيادة مقابلة في الإنتاج، يعني عمليا أن كمية أكبر من النقود تطارد كمية أقل من السلع، فتكون النتيجة الحتمية هي إرتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية.

السوق الموازي وتعميق الأزمة:

مع إتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي للعملات الأجنبية، تتفاقم أزمة الجنيه بصورة أكبر. فالسوق الموازي لا يعكس فقط ضعف فعالية السياسة النقدية، بل يغذي المضاربة ويخلق سعراً نفسياً جديداً للعملة، يدفع التجار إلى تسعير السلع وفقا لتوقعات إنهيار قادم، لا وفق التكلفة الحالية فقط.

وهكذا يصبح المواطن ضحية مزدوجة: ضحية إنخفاض قيمة الجنيه، وضحية تسعير مبالغ فيه تحكمه المضاربات والمخاوف وإنعدام اليقين.

التضخم .. العدو الأخطر للفقراء

التضخم لا يوزع أضراره بالتساوي، بل يضرب الفئات الضعيفة بأقسى صورة. فذوو الدخل المحدود هم أول من يدفع الثمن، لأن دخولهم ثابتة أو بطيئة الحركة، بينما الأسعار تقفز بسرعة.

ومع إستمرار التضخم، تتآكل المدخرات، وتنخفض الإجور الحقيقية، ويتراجع الإستهلاك، وتتسع دائرة الفقر. وهنا لا تصبح الأزمة إقتصادية فقط، بل تتحول الى أزمة إجتماعية تهدد الإستقرار العام.

كيف نكبح جماح التضخم؟

رغم صعوبة المشهد، فإن وقف إنهيار العملة ليس مستحيلا، لكنه يتطلب حزمة متكاملة من الإجراءات النقدية والمالية والإنتاجية، لا حلول جزئية أو مؤقتة:
أولا: وقف التمويل بالعجز،
فأخطر ما يهدد قيمة العملة هو طباعة النقود لتمويل الإنفاق الحكومي. لذلك يجب وقف التوسع النقدي غير المدعوم بالإنتاج، لأن إستمرار ضخ السيولة دون غطاء حقيقي يعني إستمرار التضخم.

ثانيا: إستعادة الثقة في الجهاز المصرفي، إذ لا يمكن حماية العملة الوطنية دون نظام مصرفي موثوق. المطلوب هو تشجيع المواطنين على التعامل عبر البنوك، وتسهيل التحويلات، وتوفير أدوات إدخار مجزية بالجنيه، حتى لا تتحول العملات الأجنبية إلى الملاذ الوحيد.

ثالثا: تقليص الفجوة مع السوق الموازي، فمحاربة السوق الموازي بالقوة الإدارية وحدها لا تنجح، بل يجب معالجة أسبابه عبر زيادة المعروض من النقد الأجنبي، وتشجيع الصادرات، وضبط الواردات غير الضرورية، وتوحيد سعر الصرف تدريجيا.

رابعا: دعم الإنتاج المحلي، فلا قيمة لاي سياسة نقدية دون زيادة الإنتاج الحقيقي. الزراعة والصناعة هما خط الدفاع الأول عن العملة الوطنية. وكل زيادة في الإنتاج تعني سلعاً أكثر، وضغطاً أقل على الأسعار، وطلباً أقل على العملات الأجنبية.

خامسا: ترشيد الإنفاق العام،
فالحفاظ على قيمة العملة يبدأ من الإنضباط المالي. تقليل الإنفاق الحكومي غير الضروري، ومحاربة الفساد والهدر، وتوجيه الموارد للقطاعات المنتجة، كلها عوامل تحد من التضخم وتعزز إستقرار الجنيه.

سادسا: بناء إحتياطي نقدي، ذلك أن وجود إحتياطي من العملات الأجنبية يمنح البنك المركزي قدرة أكبر على التدخل لحماية العملة، ويعزز الثقة في الإقتصاد. وهذا يتطلب إدارة فعالة للصادرات والتحويلات والموارد السيادية.

المعركة الحقيقية ليست نقدية فقط..

الحقيقة أن معركة الجنيه السوداني ليست معركة نقدية بحتة، بل هي معركة إستقرار سياسي وإنتاج إقتصادي وثقة مؤسسية. فلا يمكن لعملة وطنية أن تتماسك في ظل حرب تستنزف الموارد، وتضرب الإنتاج، وتبدد الثقة.

إن حماية الجنيه تبدأ بوقف أسباب النزيف الإقتصادي، لأن العملة لا تنهار من فراغ، بل تنهار حين ينهار الإنتاج، وتضطرب السياسات، وتغيب الثقة.

خاتمة:
ما يواجهه الجنيه السوداني اليوم ليس مجرد أزمة سعر صرف، بل أزمة إقتصاد فقد توازنه تحت ضغط الحرب والتضخم والمضاربات. وإذا لم تُتخذ إصلاحات جادة وعاجلة، فان التدهور سيستمر، وسيدفع المواطن الثمن الأكبر.

إن إستعادة قيمة العملة الوطنية تتطلب إرادة سياسية، وإنضباطاً نقدياً، ودعماً للإنتاج، واستعادة الثقة في مؤسسات الدولة. فالجنيه لا تحميه القرارات وحدها، بل يحميه إقتصاد قوي ودولة مستقرة.

وفي النهاية، فإن قيمة العملة الوطنية هي في جوهرها قيمة الإقتصاد نفسه؛ فإذا أُصلح الإقتصاد، تعافى الجنيه، وإذا استمر الخلل، فلن تتوقف العملة عن التراجع مهما تعددت المعالجات المؤقتة.

** مصرفي سابق – إستشاري التطوير المؤسسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى