وهم النصر: حرب بلا منتصر… وتسويات على نار هادئة

دكتورة ميادة سوار الدهب
في إطار هذه السلسلة التحليلية التي تتناول تحولات الصراع في المنطقة، يأتي هذا المقال امتدادا لقراءة سابقة حملت عنوان إسرائيل تخسر، إيران تتمدد، وأمريكا تهتز.
غير أن ما اعقب وقف إطلاق النار يفرض إعادة قراءة أكثر دقة لما يجري في العلن وما يدار في الخفاء.
الحديث عن نصر في هذه الحرب يبدو أقرب إلى سردية إعلامية منه إلى حقيقة ميدانية فكل طرف يرفع راية الفوز، بينما تشير الوقائع إلى صورة أكثر تعقيدا ، خسائر متبادلة غير متكافئة، ومكاسب جزئية، ونتائج لم تحسم بعد.
في قراءتنا السابقة، بدا أن إسرائيل تراجعت نسبيا، مقابل توسع في هامش حركة إيران، مع اهتزاز في صورة الدور الأمريكي. لكن ما تلى وقف إطلاق النار لم يكن ترسيخا لهذه المعادلة، بل إعادة تشكيل تدريجية لها تقودها واشنطن بحسابات دقيقة.
تتحرك الولايات المتحدة اليوم لاستعادة زمام المبادرة، ليس عبر المواجهة المباشرة، بل من خلال أدوات ضغط مدروسة. فالقيود المفروضة على الموانئ الإيرانية تهدف الى تقليل فعالية أهم أوراق طهران “مضيق هرمز”. والرسالة الضمنية واضحة: تحييد ورقة هرمز قبل أن تتحول إلى أداة ضغط حاسمة.
بالتوازي، يبرز توجه لفصل المسار اللبناني عن بقية ملفات الصراع، وهو ما يحد من النفوذ الإيراني في المنطقة، ويضعف إحدى أهم ساحاته الاستراتيجية.
لبنان: بين السيادة ومخاطر الفراغ
يمثل حزب الله ركيزة أساسية في بنية النفوذ الإيراني. وبالتالي، فإن تقليص دوره لا ينعكس على لبنان فقط، بل يمتد إلى مكانة إيران لدى حلفائها ويهدد بتراجع الثقة بها وتآكل تماسك محور المقاومة.
لكن هذه المعادلة تحمل مستويات متداخلة من التعقيد ففي حين قد يفتح إضعاف حزب الله المجال أمام استعادة القرار السيادي، فإنه قد يخلق في الوقت ذاته فراغا أمنيا في بيئة هشة، مع غياب دوره كخط دفاع متقدم في مواجهة إسرائيل، ما يرفع احتمالات التوتر الداخلي بدلا من تحقيق استقرار مستدام.
إسرائيل: مكاسب ميدانية وحدود استراتيجية
تسعى إسرائيل إلى تثبيت ما حققته على الأرض، من خلال التوغل داخل الاراضي اللبنانية ومحاولة فرض واقع شبيه بشريط عازل، في سياق امتداد لتحركاتها في سوريا وغزة، وتقديمه كإنجاز يمكن البناء عليه سياسيا بعد تداعيات هجوم 7 أكتوبر على الداخل الإسرائيلي.
إلا أن هذه المكاسب تبقى جزئية، خصوصا في ظل عدم تحقق الهدف الاكبر: إحداث تغيير جذري لبنية النظام في إيران .
إيران: إدارة مرنة للأزمة
في المقابل، لا تبدو إيران في موقع رد الفعل اكثر من الفعل فإدارتها المتزامنة بين التهدئة والتلويح بالتصعيد خصوصا في ما يتعلق بمضيق هرمز وتحديدا بالتزامن مع وقف إطلاق النار في لبنان يعكس محاولة إيران للحفاظ على اوراقها دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
كما أن هذا السلوك يفتح الباب أمام قراءة أخرى: احتمال وجود تفاهمات غير معلنة، أو على الاقل قنوات تواصل مستمرة رغم الخطاب العلني المتشدد من جميع الاطراف.
الملف النووي: الورقة الحاسمة
مع تراجع بعض أدوات النفوذ الإقليمي، يظل الملف النووي أحد أهم أوراق التفاوض لدى طهران. ولا يدور النقاش حول التخلي عنه، بل حول طريقة استخدامه في إدارة الضغط السياسي والاقتصادي.
تجربة الاتفاق النووي الإيراني 2015 توضح أن إيران تميل إلى تقديم تنازلات محدودة في مستويات التخصيب مقابل مكاسب اقتصادية وتخفيف العقوبات، دون أن تمس جوهر برنامجها النووي.
كما أن المفاوضات التي سبقت حرب 12 يوم أظهرت بدورها قدرا من المرونة الإيرانية في ملف التخصيب، بما يشير إلى استعداد للتفاهم ضمن حدود معينة، لكن دون الوصول إلى تنازل كامل أو دائم.
في المقابل، يفرض الوضع الداخلي في إيران ضغوطا واضحة: اقتصاد متعب، بنية تحتية متضررة، وخسائر في مستويات قيادية حساسة، ما يجعل أي اتفاق محتمل أقرب إلى حل مؤقت لتخفيف الضغط، وليس تسوية نهائية مستقرة.
إلى اين يتجه المسار؟
في ضوء هذه التوازنات
يمكن تصور ثلاثة اتجاهات محتملة:
* تسوية مرحلية
مسار التسوية المرحلية، الأقرب في المدى القريب، عبر تفاهمات غير معلنة بمعنى اخر، نحن امام تسوية محدودة تدار خلف الكواليس.
* تصعيد متجدد
عودة التوتر عبر مواجهات غير مباشرة أو ضربات محدودة، مع تمسك إسرائيل بخيارات عسكرية، ورد إيراني عبر ادوات اقليمية.
* تفاهم غير معلن
استمرار التهدئة عبر قنوات خلفية دون اعلان رسمي، مع بقاء الخطاب المتشدد في العلن.
ويبدو ان الارجح هو مسار تسوية مرحلية ، تدار عمليا عبر تفاهمات غير معلنة،
أكثر من كونها اتفاقا سياسيا مكتمل الأركان مع استمرار توظيف التصعيد كأداة ضغط متبادلة.
ويستند هذا الترجيح إلى عدة اعتبارات ابرزها ارتفاع كلفة الحسم على جميع الاطراف،وعدم قدرة أي طرف على تحقيق أهدافه الاستراتيجية بشكل كامل والحاجة إلى الوقت لاعادة التموضع.
إضافة إلى تجربة الاتفاق النووي الإيراني 2015، والتي كشفت أن مسار التفاهم بين الأطراف غالبا ما يأخذ شكل تسويات جزئية لا حلول شاملة.
خلاصة المشهد
ما يجري اليوم لا يبدو نهاية حرب، بل بداية مرحلة جديدة اكثر تعقيد مرحلة التسويات الرمادية لا غالب فيها ولا مغلوب، بل توازن هش يحاول كل طرف من خلاله تقليل خسائره وتعظيم مكاسبه.
قد يعلن الجميع النصر…
لكن الحقيقة الاوضح: لم ينتصر احد بعد، وما يحسم فعليا لا يزال قيد التفاوض.
يتبع…



