الصادرات السودانية تفقد بريقها في الأسواق العالمية.. الأسباب والحلول

المحقق- نازك شمام
بعد عقود طويلة من الصدارة، بدأت الصادرات السودانية تفقد بريقها في الأسواق العالمية، تزامناً مع أوضاع سياسية واقتصادية بالغة التعقيد تجتاح البلاد، وفي ظل احتياج الاقتصاد السوداني الماس لقيمة الصادرات لمعالجة الاختلال الظاهر في الميزان التجاري من خلال التراجع الكبير لقيمة الصادرات وارتفاع قيمة الواردات ، الأمر الذي جعل الحكومة تكثف اجتماعاتها في محاولة منها للسيطرة على الوضع الاقتصادي المعتل بسبب الحرب وبسبب عدم القدرة على السيطرة على جماح أسعار صرف الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية.
وعلى الرغم من التعويل الكبير على الصادرات إلا أن عقبات ومشاكل عديدة ساهمت بشكل بارز في أن تفقد جل الصادرات السودانية صدارتها في الأسواق العالمية لا سيما السمسم والفول السوداني وحب البطيخ والصمغ العربي بالإضافة إلى الذهب الذي يقع هو الآخر بين سندان التهريب ومطرقة السياسات غير المحفزة.
ويشهد صادر محصول السمسم السوداني تراجعاً مريعاً في الأسواق العالمية حيث فقد 94% من حصته في السوق العالمي، وفقاً لتقارير اقتصادية حديثه.
ولم يتوقف الأمر عند محصول السمسم السوداني بل ذهب صادر الفول السوداني في طريقه، حيث ارتفع سعر الطن منه في السودان الى 1350 دولار مقارنة ب 1300 دولار في الأسواق الصينية التي تعد المستورد الاكبر للمحصول من السودان بما جعل الصين تتجه للإستيراد من الدول الأقل سعراً.
أرقام وبيانات:
وبلغ إجمالي الصادرات السودانية ، العام الماضي نحو 2.64 مليار دولار، مقابل واردات بلغت 6.49 مليار دولار، مما أدى إلى تسجيل عجز تجاري قدره نحو 3.86 مليار دولار”.
وبحسب التقرير الاحصائي لبنك السودان المركزي فإن هيمنة الصادرات كانت من نصيب قطاع المعادن والمنتجات الزراعية والثروة الحيوانية.
وكشف التقرير أن السودان قام بتصدير 14 طنًا و722 كيلوغرامًا و15 غرامًا من الذهب بمبالغ وصلت إلى 1.536 مليار دولار، كما صدر حيوانات حية بمبلغ 466 مليون دولار وسمسمًا بقيمة 333 مليون دولار، وتشير بيانات البنك المركزي إلى أن الذهب وحده يمثل أكثر من 58% من إجمالي الصادرات السودانية خلال العام الماضي
تراجع وانخفاض مساحات السمسم:
ويرى تاجر السمسم بسوق القضارف، ياسر علي الصعب إن فقدان محصول السمسم لريادته في الأسواق العالمية جاء على خلفية التكلفة العالية للإنتاج، بالاضافة إلى الأمراض التي تصيب نبات السمسم بسبب تناقص دور مكافحة وقاية النباتات.
وكشف الصعب في حديثه لـ”المحقق” أن ظهور مرض الهاموش الذي يصيب محصول السمسم ساهم بشكل كبير في الإضرار بانتاجية المحصول
وأشار إلى أن الانخفاض الذي صاحب أسعار السمسم في الأسواق العالمية مع ارتفاع تكلفة انتاجه داخلياً ساهم بشكل كبير في تراجع المساحة المزروعة من المحصول.
انزلاق السمسم السوداني:
والاسبوع الماضي تأسف عضو الغرفة القومية للمصدرين، مهند عوض محمود، في مقال منشور في منصة “المحقق” على انزلاق السمسم السوداني من موقع الريادة إلى هامش السوق تزامنا مع احتلال دول أخرى للمساحة التي تركها السودان.
وكشف مهند في المقال عن فقدان السودان لنحو 94% من حصته في الأسواق الصينية باعتبارها أكبر الأسواق العالمية خلال سنوات قليلة، وأوضح أن الصين كانت تستورد في عام 2018 نحو 254,935 طناً من إجمالي واردات بلغت 827,878 طناً؛ أي ما يقارب 30.8% من حصة السوق الصيني لافتاً إلى هبوط الكمية في 2025 إلى 26,618 طناً فقط من إجمالي 1,460,169 طناً؛ أي نحو 1.8% فقط.
وأشار المقال إلى احتلال عدد من الدول مكان السودان لتوريد المحصول للصين من بينها النيجر ، تنزانيا وموزمبيق والبرازيل.
وأرجع عوض أسباب التراجع لارتفاع أسعار السمسم السوداني في الأسواق العالمية بواقع 1450 دولار للطن بينما لا تتجاوز أسعار الدول الأخرى 950 دولارا.
واستبعد عوض أن تكون الحرب الدائرة في السودان هي السبب الوحيد في تراجع وارد السمسم في الأسواق العالمية
وأشار إلى عدد من الأسباب الأخرى من بينها أن المنتج في السودان لا يخسر في الحقل؛ بل يُستنزف قبل أن يصل إلى الميناء. بسبب تراكم الرسوم والجبايات فضلاً عن تكاليف النقل المتصاعدة.
وعن الفول السوداني يؤكد عوض أنه يذهب في ذات طريق السمسم السوداني بسبب الاتاوات والجبايات المفروضة عليه لا سيما بعد سيطرة الدعم السريع على أماكن الإنتاج وتحويل مركز الصادرات الى مدينة الدبة شمالي السودان بما جعل الرسوم والجبايات ترفع من قيمة الطن بأكثر من السعر العالمي
كسل متخذي القرار :
ويوضح الصحفي المتخصص في الشؤون الإقتصادية، عبد الوهاب جمعة ، إن الاسباب التي ادت الى تراجع الصادرات السودانية في الاسواق العالمية تعود الى ما يسمي بغياب السياسات الداعمة، ليست على مستوى الجهات المسؤولة عن الصادر وإنما تشمل أيضا الجهات المسؤولة عن الانتاج ذات نفسها.
وقال جمعة في حديثه مع “المحقق” إن عدم انتظام السياسات على مستوى تصاعدي وتراكمي تسبب في وصول الصادرات السودانية لمرحلة الاختناق.
وأشار إلى أنه ومنذ انفصال الجنوب في 2011 ظلت السياسات الداعمة للصادرات تتراجع رغم محاولة إظهارها أنها متقدمة، معتبراً أن ذلك يعود لـ”كسل” متخذي القرار وعدم اطلاعهم على المتغيرات في التجارة الدولية.
استمرار التراجع:
وأكد جمعة أن مشاكل الصادر معروفة غير أنه ليس هناك جهة أو شخص يريد التحرك وإيجاد الحلول، لافتا إلى أنه بدون إجراء عملية “إصلاح” عميقة لكل ما يتعلق بالصادر والعمليات الانتاجية وحتى السياسات النقدية والمالية فإن النتيجة ستظل تراجعاً مستمراً في الصادرات.
وحذر جمعة من وصول الصادرات السودانية إلى ” زيرو صادر” لأن هزة عميقة وارتدادية ستشمل هيكل الاقتصاد السوداني ككل وتعمل على إزالة كل المكاسب السودانية في الصادر على مدى عقود.
خارطة طريق:
وعن خارطة الطريق التي تمكن الصادرات السودانية من استعادة صدراتها قال جمعة “نحتاج إلى خطة عمل إسعافية وأخرى طويلة المدى، موضحاً أن الاسعافية تتطلب تحركاً بين الجهات الولائية والاتحادية باتخاذ “ممر أخضر” للصادر وهو قرارات وسياسات تبدأ من الحقول للمنتجات التي تصدر وعبر مراحل سلاسل الامداد وحتى موانئ التصدير مع أهمية حشد الموارد من البنوك لدفع الصادر.
ودعا جمعة إلى إشراك القطاع الخاص ودفعه نحو تحقيق أهداف التصدير عبر سياسة تحفيز عند تحقيقه للصادر موضحا أن التحفيز يشمل إعفاءات جمركية وضريبية تتزايد وفق المنجز من الصادر.
مطلوبات عاجلة:
بينما يري الخبير الاقتصادي، أحمد بن عمر أن عودة الصادرات السودانية إلى المنافسة تكمن في تأمين طرق الإنتاج والتصدير . وقال “لا يمكن للصادرات أن تتعافى من دون فتح وتأمين الطرق بين مناطق الإنتاج والموانئ والمعابر، لأن الحرب رفعت كلفة النقل وأوقفت تدفق السلع إلى الأسواق الخارجية”.
وأشار بن عمر في حديثه مع “المحقق” إلى ضرورة توحيد الرسوم وإلغاء الجبايات المتعددة، وأضاف: “من أهم أسباب ضعف الصادر تعدد الرسوم والجبايات على السلع، لذلك يجب توحيد الرسوم الجمركية والولائية وتقليل الإتاوات غير الرسمية حتى تصبح الصادرات السودانية أكثر قدرة على المنافسة”.
وشدد على أهمية تطبيق النافذة الواحدة في الموانئ والجمارك وإعادة تأهيل البنية اللوجستية حيث أن السودان يحتاج إلى إصلاح الطرق، المخازن، الموانئ، مناطق الكشف الجمركي، ووسائل المناولة، لأن ضعف هذه الحلقة يرفع الفاقد ويعطل الصادر حتى عندما يتوفر الإنتاج.
ودعا إلى التركيز على السلع الأسرع عودة للأسواق مع العمل على مكافحة التهريب ورفع التصدير الرسمي والعودة إلى تشغيل سلاسل القيمة الزراعية.



