رأي

هل ينقصنا الرجال… أم أن السياسة أفسدت ميزان الاختيار في السودان ؟

 

د. إسماعيل ساتي

من أكبر الأكاذيب التي رُوجت في الحياة السياسية السودانية أن أزمتنا هي أزمة “قلة كفاءات”، أو أن السودان بلد فقير في الرجال القادرين على الإدارة والنزاهة والقيادة.
والحقيقة أن السودان، منذ الاستقلال وحتى اليوم، لم يكن يوماً خالياً من العقول اللامعة والكفاءات المهنية الرفيعة، بل كان ممتلئاً بها إلى حد الدهشة. لكن المشكلة الحقيقية كانت دائماً في شيء آخر أكثر خطورة:
في الطريقة التي نختار بها الرجال.
فالسودان، للأسف، عاش لعقود طويلة تحت هيمنة عقلية سياسية مريضة جعلت الولاء مقدماً على الكفاءة، والانتماء السياسي أو القبلي مقدماً على النزاهة والخبرة، والطاعة مقدمة على الاستقلالية، حتى صار من المألوف أن يُقدَّم الضعيف لأنه مضمون، ويُقصَى القوي لأنه لا ينتمي إلى الدائرة الصحيحة.
وهكذا، لم تعد الوظيفة العامة في كثير من الأحيان مسؤولية وطنية، بل تحولت إلى مكافأة سياسية أو قبلية.

ومن يتأمل تاريخ الدولة السودانية منذ عام 1956 يلاحظ أن الحكومات المتعاقبة، مدنية كانت أو عسكرية، وقعت بدرجات متفاوتة في نفس الفخ:
تسييس الخدمة المدنية، وإخضاع مؤسسات الدولة لمنطق الولاءات والمحاصصات، لا لمنطق الكفاءة المجردة.

لقد ورث السودان بعد الاستقلال جهازاً إدارياً محترماً إلى حد بعيد، وكانت الخدمة المدنية تقوم نسبياً على الانضباط والتأهيل والخبرة. وكان السودان يملك قضاة وإداريين ودبلوماسيين وخبراء اقتصاد يُشار إليهم بالبنان في الإقليم كله. لكن مع الزمن بدأت الأحزاب تتعامل مع الدولة باعتبارها غنيمة سياسية، ثم تطور الأمر لاحقاً ليشمل كذلك التوازنات القبلية والجهوية.
وهنا بدأت الدولة تفقد حيادها شيئاً فشيئاً. فبدلاً من السؤال: “من الأكفأ؟” أصبح السؤال أحياناً: “من أي حزب هو؟” أو: “من أي قبيلة جاء؟”

وهذا التحول كان كارثياً، لأنه نقل السودان من دولة يفترض أن تبنى على المواطنة والكفاءة، إلى دولة تتسلل إليها عقلية المحاصصة والانتماءات الضيقة.

وفي عهد الإنقاذ الأطول عمراً منذ الاستقلال، استمر العناء من هذا المرض عبر سياسة “الصالح العام”، التي لم تكن في كثير من الحالات سوى عملية إقصاء سياسي واسعة أُبعد بموجبها آلاف الموظفين وأصحاب الخبرات من مؤسسات الدولة، لا بسبب ضعف كفاءتهم، بل بسبب الاشتباه في عدم ولائهم السياسي أو الفكري.
وكانت النتيجة الطبيعية لذلك أن خسرت الدولة السودانية خبرات تراكمت لعقود، وحلّت مكانها في كثير من الأحيان عناصر أقل خبرة لكنها أكثر قرباً من السلطة.

غير أن المأساة لم تتوقف عند ذلك، بل إن بعض الذين عارضوا تلك الممارسات أعادوا إنتاجها لاحقاً بأدوات جديدة وشعارات مختلفة. فبعد حراك 2018/2019، خرج السودانيون إلى الشوارع وهم يحلمون بدولة قانون لا دولة ولاءات، ودولة مؤسسات لا دولة محاصصات. لكن سرعان ما اكتشف كثيرون أن بعض القوى التي تصدّرت المشهد باسم الثورة وقعت في الفخ ذاته الذي كانت تدينه: استخدام الدولة أداةً لتصفية الخصوم السياسيين، وإعادة تشكيلها وفق معايير الولاء والانتماء، لا وفق الكفاءة والحياد المهني.
وهنا برزت لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 وإزالة التمكين التي تحدث باسمها القانوني وجدي صالح بوصفها واحدة من أكثر التجارب إثارة للجدل في تاريخ السودان الحديث.

فبينما رأى البعض أنها ضرورة لتفكيك إرث نظام الإنقاذ ومحاربة الفساد، رأى آخرون أنها تحولت إلى أداة فصل وإقصاء جماعي افتقدت للمعايير القانونية العادلة، وأعادت إنتاج عقلية “الصالح العام” نفسها ولكن تحت لافتة جديدة.

والمؤلم في الأمر أن السودان صار وكأنه يدور في حلقة مغلقة: كل سلطة تأتي وهي تلعن الإقصاء، ثم تمارسه؛ وتدين التمكين، ثم تستبدله بتمكين جديد.

ثم جاءت مرحلة أكثر خطورة وتعقيداً مع تفاقم المحاصصة السياسية والجهوية في أعقاب اتفاق جوبا للسلام، الذي تحوّل في نظر كثيرين من مشروع لإرساء العدالة إلى بوابة واسعة لتقاسم السلطة والمناصب وفق الانتماءات المسلحة والقبلية والجهوية.

ومن حيث المبدأ، لا أحد يعترض على إنصاف المناطق التي عانت من الحرب أو التهميش التنموي، فهذا حق مشروع. لكن الكارثة تبدأ حين يتحول مفهوم “رفع التهميش” إلى مبرر لتجاوز الكفاءة، أو حين يُختزل الإقليم كله في أبناء قبائل أو حركات محددة، وكأن بقية السودانيين لم يعرفوا المعاناة قط. فالفقر والتهميش في السودان لم يكونا حكراً على إقليم واحد ولا على قبيلة واحدة.
كم من قرى في الشمال والشرق والوسط والجزيرة والنيل الأبيض وكردفان عاشت الحرمان ذاته؟
وكم من أبناء السودان كافة هاجروا وضاعت أعمارهم هروباً من وطأة الفشل السياسي العام؟

لكن الخطاب السياسي السوداني الحديث أصبح أحياناً يتعامل مع بعض المناصب وكأنها “استحقاقات قبلية”، لا مسؤوليات وطنية.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. لأن الدولة حين تبدأ في توزيع الوظائف على أساس الانتماء القبلي أو الجهوي، فإنها لا تعالج التهميش، بل تؤسس لتهميش جديد، وتزرع في النفوس شعوراً خطيراً بأن الوطن لم يعد ملكاً للكفاءة، بل ملكاً لمن يملك السلاح أو الصوت الأعلى أو الورقة القبلية الأقوى.
والأخطر من ذلك أن هذا النهج يقتل حتى أبناء المناطق التي يُفترض أنه ينصفها، لأنه يختار منهم أحياناً الأكثر قرباً سياسياً أو قبلياً، لا الأفضل علماً وخبرة ونزاهة.

ثم جاء مشهد آخر لا يقل غرابة، حين قام كامل إدريس، بعد توليه رئاسة الوزراء، بنشر إعلانات تلفزيونية تدعو من “يرى في نفسه الكفاءة” للتقدم لشغل مناصب حكومية عليا. وقد بدا ذلك، في نظر كثيرين، أسلوباً ساذجاً أقرب إلى الاستعراض الإعلامي منه إلى العمل المؤسسي الرصين، لأن اختيار القيادات العليا في الدول لا يتم عبر دعوات عامة مفتوحة تشبه إعلانات التوظيف التجاري، بل عبر آليات مهنية دقيقة تقوم على التقييم العميق للسيرة الشخصية والنزاهة والخبرة التراكمية والجدارات القيادية.
فالدول المتقدمة إدارياً لا تبحث عن قياداتها عبر إعلانات تلفزيونية، وإنما عبر مؤسسات تقييم متخصصة ولجان مهنية رفيعة وقواعد بيانات للكفاءات وترشيحات مدروسة تستند إلى تاريخ مهني واضح ومعلوم. أما الدعوات المفتوحة من هذا النوع، فإنها توحي، ولو بصورة غير مقصودة، وكأن الدولة تفتقر إلى أبسط أدوات المعرفة بكفاءاتها الوطنية، أو تعاني غياباً في الأداء المؤسسي السليم. ولهذا بدت تلك الخطوة، عند كثير من المراقبين، تعبيراً عن فهم مرتبك لطبيعة إدارة الدولة، ولأحد أخطر ملفاتها على الإطلاق، وهو ملف اختيار القيادات.
ثم ماذا كانت الحصيلة الفعلية لتلك الإعلانات؟
هل أحدثت تحولاً حقيقياً في فلسفة الاختيار؟
وهل أفرزت قيادات استثنائية لم تكن معروفة من قبل؟
أم أنها كانت، في جوهرها، أقرب إلى حملة علاقات عامة تمنح انطباعاً بالشفافية والانفتاح أكثر من كونها آلية جادة لبناء جهاز دولة محترف؟
بل إن كثيرين يعتقدون أن التعيينات التي جرت لاحقاً لم تعتمد في حقيقتها على تلك الطلبات الجماهيرية أصلاً، وإنما خضعت، كما جرت العادة في السودان، لتوازنات السياسة والعلاقات الشخصية والترضيات والمحاصصات، بينما بقيت الإعلانات مجرد مشهد إعلامي أنيق أمام الكاميرات.
وهنا تظهر الأزمة الفكرية العميقة في إدارة الدولة السودانية: الخلط بين “الشكل” و”المؤسسة”.
فنحن كثيراً ما ننتج مشاهد تبدو حديثة وعصرية، لكن من دون بناء حقيقي لآليات احترافية عادلة لاختيار الكفاءات.

إن أخطر ما يصيب أي دولة ليس الفساد المالي وحده، بل فساد معيار الاختيار نفسه.
لأن الدولة يمكن أن تنجو من مسؤول فاسد هنا أو هناك، لكنها لا تنجو حين تصبح المنظومة كلها قائمة على تقديم أهل الولاء والانتماء على أهل الكفاءة. فالسياسي الضعيف غالباً ما يخاف من الرجل القوي المستقل. ويفضّل حوله الشخص المطيع لا الشخص الكفء. لأن الكفاءة الحقيقية تملك رأياً قد يكون مخالفاً، بينما الولاء الأعمى لا يملك إلا التصفيق. ولهذا كثيراً ما يجد السوداني الكفؤ نفسه أمام مسؤول محدود القدرات يشغل موقعاً بالغ الحساسية، بينما يقبع أصحاب الخبرة الحقيقيون على الهامش، أو في المنافي، أو تحت وطأة الإقصاء والإحباط.

ثم نسأل بعد ذلك:
لماذا فشلت مؤسساتنا؟
ولماذا انهار الاقتصاد؟
ولماذا ضعفت الإدارة؟
ولماذا فقد المواطن ثقته في الدولة؟
والإجابة في كثير من الأحيان واضحة ومؤلمة: لأننا لم نحترم معيار الكفاءة كما يجب.

إن الأمم لا تنهض بالشعارات، ولا بالمحاصصات، ولا بإرضاء القبائل والأحزاب والحركات المسلحة، وإنما تنهض حين يصبح التعيين مسؤولية وطنية مقدسة، لا مكافأة سياسية أو قبلية.
فالسودان لا ينقصه الرجال. بل ربما كانت مشكلته الكبرى أنه كثيراً ما يُقصي أفضل رجاله. يُقصيهم لأنهم مستقلون، أو لأنهم لا ينتمون للحزب الصحيح، أو لأنهم ليسوا أبناء القبيلة المطلوبة، أو لأنهم لا يجيدون النفاق السياسي.

ولهذا فإن معركة السودان الحقيقية ليست فقط تغيير الحكومات، بل تغيير العقلية التي تدير الدولة نفسها. العقلية التي ترى المؤسسات غنائم، وترى الوظائف مكافآت، وترى القبيلة والحزب بديلاً للكفاءة. فلا مستقبل لدولة يُقدَّم فيها الضعيف لأنه مطيع، ويُؤخَّر القوي لأنه حر.
ولا نهضة لأمة تحارب أصحاب الخبرة ثم تبكي على فشل مؤسساتها. السودان لا يعاني من نقص الرجال، بل يعاني من سوء اختيارهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى