بين الإلهام والهيمنة: السودان والقوة الناعمة المصرية وسؤال الهوية المركبة

هشام يوسف عبدالرحمن
أثار مقال الدكتورة أماني الطويل حول “الإلهام والهيمنة”، الذي نشرته على صفحتها بموقع الفيسبوك بتاريخ 19 مايو 2026م، سؤالاً بالغ التعقيد يتعلق بطبيعة العلاقة الثقافية بين مصر والسودان، وحدود تأثير القوة الناعمة المصرية على النخبة السودانية ووعيها بذاتها وهويتها. غير أن تناول هذه العلاقة يقتضي الحذر من التبسيط؛ فالسودان لم يكن مجرد هامش ثقافي يتلقى من مركز مصري مهيمن، كما أن التأثير المصري نفسه لم يكن دائماً فعلاً قصدياً للهيمنة بقدر ما كان نتاجاً لتفوق أدوات الإنتاج الثقافي والإعلامي والتعليم في مصر خلال القرن العشرين.
ولا أحد يستطيع إنكار أن مصر امتلكت، لعقود طويلة، أقوى أدوات القوة الناعمة في العالم العربي. فإلى جانب السينما والمسرح والأغنية، جاءت إذاعة صوت العرب بوصفها إحدى أكثر الأدوات تأثيراً في تشكيل الوجدان العربي الحديث، خاصة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. ومن المهم هنا التمييز بين الإذاعة المصرية العامة التي بدأ إرسالها من القاهرة مساء 31 مايو 1934، وكانت موجهة أساساً إلى الداخل المصري، وبين “صوت العرب” التي أُنشئت في 4 يوليو 1953 بمشروع ورسالة مختلفين تماماً؛ إذ تأسست منذ البداية لمخاطبة المجال العربي بأسره، حاملة خطاب القومية العربية والتحرر الوطني إلى ما وراء الحدود المصرية.
وفي المقابل، ورغم أن إذاعة أم درمان السودانية تأسست مبكراً في الأول من أبريل 1940، أي قبل “صوت العرب” بسنوات، فإن تأثيرها ظل في معظمه محصوراً داخل السودان، شأنها في ذلك شأن كثير من الإذاعات الوطنية في تلك المرحلة. أما “صوت العرب” فقد امتلكت منذ نشأتها طموحاً عابراً للحدود، الأمر الذي منحها حضوراً طاغياً في المشرق العربي، وبدرجة أقل في المغرب العربي، حتى أصبحت بالنسبة لأجيال كاملة صوت العروبة والتحرر وخطاب ما بعد الاستعمار.
وفي السودان تحديداً، لم تكن “صوت العرب” مجرد محطة إذاعية، بل نافذة يومية على العالم العربي، ومن خلالها دخلت اللهجة المصرية والخطاب السياسي المصري والأغنية والدراما إلى البيوت السودانية، وأسهمت في ترسيخ صورة القاهرة بوصفها العاصمة الثقافية للعرب.
ومن هنا يمكن فهم كيف تشكلت أجيال سودانية كاملة تحت تأثير الثقافة المصرية؛ عبر التعليم، والإعلام، والاحتكاك الاجتماعي، والهجرة، والجامعات، وحتى عبر المسلسلات والأفلام التي كانت تُعرف ببساطة باسم “الأفلام العربية” رغم أنها مصرية في معظمها. غير أن هذا التأثير الواسع لا يعني أن السوداني كان مجرد متلقٍ سلبي أو ذائب في النموذج المصري، فالسودان عرف تاريخياً بثرائه الثقافي وسعة أفق متعلميه، وقد عبّرت الأوساط الثقافية العربية عن هذه الصورة عبر المقولة الشهيرة: (القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، والخرطوم تقرأ)، في إشارة إلى السمعة التي اكتسبها السودانيون بين العرب باعتبارهم من أكثر الشعوب التصاقاً بالكتاب والمعرفة. وهي عبارة لا تختزل فقط مكانة القراءة والمعرفة لدى السودانيين، بل تعكس أيضاً طبيعة الشخصية السودانية المتعلمة التي كثيراً ما تتميز، وسط التجمعات العربية أو الأجنبية، بسعة اطلاعها على الجغرافيا والتاريخ والسياسة الدولية مقارنة بكثير من البيئات الأكثر انغلاقاً على فضائها المحلي.
ولعل ما يميز السودان الشمالي، ضمن حدوده الحالية الممتدة من حلفا شمالاً إلى ما بعد كوستي جنوباً، ومن شرقه إلى غربه، هو هذا الثراء التاريخي الناتج عن موجات الهجرات والتمازج السكاني المستمر عبر قرون طويلة. فالسودان لم يكن فضاءً مغلقاً أو نقياً عرقياً بالمعنى الصارم، بل كان معبراً ومجالاً للتداخل بين شعوب وثقافات متعددة؛ عربية قادمة من الجزيرة العربية، ومصرية وتركية خلال العهدين التركي والمصري، إضافة إلى المغاربة والشناقيط وغيرهم من الجماعات التي استقرت واختلطت بالسكان المحليين عبر المصاهرة والتعايش والتفاعل اليومي. ولذلك يصعب الحديث عن مجتمع سوداني شمالي منفصل عن هذا الامتزاج التاريخي، إذ تكاد لا تخلو كثير من الأسر السودانية من روابط نسب أو مصاهرة أو ذاكرة هجرة مرتبطة بمصر أو الجزيرة العربية أو المغرب العربي أو غيرها من الفضاءات الإسلامية والإفريقية.
وهذا التداخل لم ينتج مجرد تنوع إثني أو جيني، بل أفرز شعوراً سودانياً مركباً يجمع بين العربي والإفريقي والإسلامي والمحلي في آن واحد. وربما لهذا تبدو محاولات اختزال الهوية السودانية في تعريف أحادي أمراً قاصراً عن فهم طبيعة السودان التاريخية نفسها؛ فالشخصية السودانية تشكلت عبر قرون من التفاعل والانفتاح والتلاقح الثقافي، لا عبر العزلة والانغلاق.
ولا ينبغي، عند مناقشة التأثيرات المتبادلة بين السودان ومصر، إغفال العمق الحضاري السوداني نفسه، لأن العلاقة بين البلدين لم تكن عبر التاريخ علاقة تأثير في اتجاه واحد. فالسودان لم يدخل التاريخ من بوابة التلقي فقط، بل كان أيضاً موطناً لإحدى أقدم الحضارات في وادي النيل، وهي حضارة مملكة كوش التي تركت بصمات واضحة على المجال النيلي بأسره، وأسهمت في تشكيل التفاعلات الحضارية والسياسية والثقافية في المنطقة.
ومن المعروف تاريخياً أن التواصل بين وادي النيل شماله وجنوبه كان دائماً علاقة تداخل وتأثير متبادل، لا علاقة مركز ثابت وهامش دائم. وفي هذا السياق، يبرز عهد الأسرة الخامسة والعشرين، ذات الجذور النوبية السودانية، بوصفه أحد الشواهد التاريخية على عمق الترابط بين مصر والسودان، حيث امتد نفوذ حكام نبتة إلى مصر في مرحلة مهمة من تاريخها القديم، في إطار المجال الحضاري النيلي المشترك، لا بمنطق الغلبة القومية الحديثة التي لم تكن مفاهيمها قائمة آنذاك.
والإشارة إلى هذه الحقائق التاريخية لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها محاولة للمفاخرة أو استدعاء تنافس هوياتي بين الشعبين، بل بوصفها تذكيراً بأن السودان، مثل مصر، يمتلك رصيداً حضارياً عريقاً أسهم في تشكيل تاريخ المنطقة. وربما يساعد هذا الفهم المتوازن على تجاوز السرديات التي تختزل العلاقة بين البلدين في معادلة “التأثير المصري” وحده، نحو رؤية أكثر إنصافاً تقوم على الاعتراف بالتفاعل التاريخي العميق والتأثير المتبادل بين ضفتي وادي النيل.
ولعل هذا ما يجعل العلاقة مع القوة الناعمة المصرية أكثر تعقيداً من مجرد ثنائية الهيمنة والخضوع. فالمثقف السوداني الذي درس في مصر أو خالط المصريين في المهجر أو تشكل وعيه عبر الإعلام المصري، لم يفقد بالضرورة استقلاله الفكري أو خصوصيته الثقافية، بل ظل يحمل رؤية أوسع للعالم تشكلت أيضاً بفعل الموقع الفريد للسودان عند نقطة التماس بين العالمين العربي والإفريقي.
وهنا يظهر السؤال الأكثر عمقاً: هل أزمة المثقف السوداني هي أزمة تأثر بمصر، أم أزمة تعريف للذات السودانية نفسها؟ فمنذ فجر الاستقلال، انقسمت النخب السودانية بين تيار كان يرى مستقبل السودان في الاندماج مع مصر ضمن كيان سياسي وثقافي واحد، وتيار آخر تمسك بفكرة الاستقلال الوطني وبناء شخصية سودانية مستقلة عن المركز المصري، وهو الاتجاه الذي انتصر سياسياً بقيام الدولة السودانية الحديثة.
لكن الجدل لم يتوقف عند حدود العلاقة مع مصر، بل امتد إلى سؤال الهوية الحضارية ذاته: هل السودان عربي الانتماء، أم إفريقي الجذور، أم أنه تركيب حضاري مركب يستحيل اختزاله في تعريف أحادي؟ ومن هنا ظهرت مدارس فكرية متعددة؛ فهناك التيار العروبي الذي رأى في السودان امتداداً للمجال العربي الإسلامي، وفي المقابل ظهرت مدارس حاولت إعادة الاعتبار للبعد الإفريقي، مثل مدرسة “الغابة والصحراء” التي سعت إلى التوفيق بين المكونين العربي والإفريقي، بينما ذهب مفكرون مثل النور أبكر وآخرون إلى رؤى أكثر ميلاً إلى الإفريقانية بوصفها تعبيراً عن خصوصية السودان التاريخية والثقافية.
غير أن اختزال السودان في هذه الثنائية وحدها يغفل حقيقة أكثر عمقاً تتعلق بالبنية التاريخية للمجتمع السوداني نفسه. فالسودان بحكم موقعه وتاريخه لم يكن نقياً في اتجاه واحد، بل تشكل دائماً عند نقطة التماس بين المجالين العربي والإفريقي. وربما لهذا ظل المثقف السوداني أكثر حساسية تجاه أسئلة الهوية والانتماء، وأكثر ميلاً إلى التفكير في التعدد والتداخل الحضاري لا باعتباره أزمة فقط، بل باعتباره أيضاً مصدر ثراء وتميز.
ومن هنا، فإن سؤال أماني الطويل حول “الإلهام والهيمنة” لا يمكن الإجابة عنه بمنطق الأبيض والأسود. فمصر ألهمت السودان بلا شك، وأثرت في وجدانه ونخبه وأدوات تعبيره، لكنها لم تستطع أن تلغي خصوصيته أو تذيب تعقيده الحضاري. كما أن السودان لم يكن مجرد تابع ثقافي، بل ظل فضاءً لإعادة إنتاج التأثيرات الوافدة وصهرها داخل تجربة محلية شديدة التركيب. ولذلك فإن العلاقة بين البلدين، ثقافياً وفكرياً، ليست علاقة مركز وهامش بالمعنى البسيط، بل علاقة تفاعل تاريخي طويل بين فضاءين متداخلين؛ أحدهما امتلك أدوات الإنتاج الثقافي الأقوى، والآخر امتلك قدرة استثنائية على الامتزاج وإعادة التشكيل والتأويل.



