رأي

كيف فقد السودان خريطته الزراعية؟

 

مهند عوض محمود

حين تتراجع دولة في محصول معين، يمكن تفسير ذلك بموسم سيئ، أو اضطراب في الأسعار العالمية، أو أزمة تمويل عابرة. لكن حين تبدأ دولة بحجم السودان في فقدان ملامح خريطتها الزراعية نفسها، فالمشكلة لم تعد موسمية، بل استراتيجية.

السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: كم ننتج؟

السؤال الأخطر هو: هل ما زال السودان يزرع وفق خطة… أم تتم الزراعة كيفما اتفق ؟

السودان ليس بلداً فقيراً بالأرض. بل هو من أغنى دول المنطقة زراعياً، بتقديرات تقارب 200 مليون فدان صالحة للزراعة، بينما المستغل فعلياً لا يتجاوز 25%. وتاريخياً، كانت للسودان خريطة زراعية مفهومة: الجزيرة للزراعة المروية، القضارف للسمسم والذرة، كردفان ودارفور للفول السوداني والصمغ العربي والثروة الحيوانية، والشمالية للقمح والتمور والخضر، وسنار والنيل الأبيض ضمن منظومة إنتاجية متكاملة.

اليوم، هذه الصورة لم تعد واضحة.. فمن الذي يرسم الخريطة الزراعية للسودان الآن؟ هل هي الدولة بعقل التخطيط، أم السوق، أم المضاربون، أم الحرب، أم إشارات الربح السريع؟

خذ القضارف مثالاً..

هذه الولاية ليست مجرد منطقة زراعية، بل أحد أعمدة الأمن الغذائي والصادرات الزراعية السودانية. ومع ذلك، تشهد بعض مناطقها تحولات نحو محاصيل مثل حب البطيخ، لا لأن هناك قراراً استراتيجياً يقول إن هذا هو الاستخدام الأمثل للأرض، بل لأن السوق أرسل إشارة بأن هذا المحصول مربح وسريع العائد.

لكن هل هذا وحده يكفي لتغيير استخدام الأرض؟

وهل ما يحتاجه المزارع هذا الموسم هو نفسه ما يحتاجه السودان كاقتصاد؟

قد يكون حب البطيخ مربحاً لمزارع فردي، لكن هل يحقق أعلى عائد استراتيجي للدولة؟ هل يخدم الأمن الغذائي؟ هل يعزز حصائل النقد الأجنبي؟ أم أننا نعيد رسم الخريطة الزراعية بإشارات المضاربة لا بعقل التخطيط؟

في الدول التي تفكر استراتيجياً، لا تُترك هذه الأمور للمصادفة.

خذ مصر مثالاً.. فرغم اقتصاد السوق، تتدخل الدولة في إدارة التركيب المحصولي، خصوصاً في المحاصيل المرتبطة باستهلاك المياه، لأن المياه هناك قضية أمن قومي. فالدولة تربط بين ما يُزرع، وما يستهلك من موارد، وما يحقق عائداً اقتصادياً أو غذائياً.

وفي البرازيل، لم تأتِ الطفرة الزراعية لأن المزارعين تحركوا فرادى دون رؤية، بل لأن الدولة ربطت التمويل، والبحث العلمي، والبنية التحتية، والتصدير، ضمن مشروع اقتصادي واضح.

أما السودان، فيبدو وكأنه يزرع بلا بوصلة.. ومن أخطر الأمثلة على غياب التخطيط ما يحدث في إدارة السمسم.

السودان يملك واحداً من أفضل أنواع السمسم في العالم، ومع ذلك فقد جزءاً كبيراً من ميزته التنافسية، لأن الأسواق العالمية لم تعد تشتري السمسم كمحصول خام فقط، بل كمنتج غذائي حساس يخضع لمعايير صارمة في السلامة الغذائية، والنظافة، والتتبع، ومتطلبات متبقيات المبيدات.

وهنا يظهر خلل جوهري…

قرار زراعة السمسم أو الذرة أو غيرهما يُترك غالباً للمزارع وحده، دون نظام تناوب محصولي واضح، أو سجل زراعي منظم، أو توجيه فني صارم.

وهذا ليس تفصيلاً فنياً صغيراً..

لأن غياب التتبع، وضعف الإرشاد الزراعي، وعدم توثيق المعاملات المستخدمة في الأرض، قد يخلق مشاكل في متبقيات المبيدات، ويجعل المنتج عرضة للرفض في الأسواق عالية الرقابة.

أما السالمونيلا، التي أصبحت سبباً رئيسياً في التشدد الرقابي على واردات السمسم عالمياً، فهي ليست مجرد مشكلة زراعة، بل مشكلة سلسلة إنتاج كاملة: حصاد، وتجفيف، وتخزين، ونظافة، ومناولة.

بمعنى أوضح: المشكلة ليست في جودة الأرض السودانية، بل في غياب النظام الذي يحمي جودة المنتج.

ثم هناك فرصة استراتيجية ضائعة..

كم من السمسم السوداني يُنتج اليوم بشهادات عضوية معتمدة Organic Certification تستهدف الأسواق الأعلى قيمة؟

تقريباً لا شيء …

بينما دول مثل أوغندا، التي لا تملك تاريخ السودان نفسه في السمسم، نجحت في بناء سلاسل إنتاج لسمسم عضوي معتمد يستهدف أسواقاً أعلى قيمة، لأن العالم اليوم لا يشتري مجرد محصول خام، بل يشتري منتجاً نظيفاً، قابلاً للتتبع، معتمداً، ومستداماً.

الفارق ليس في الأرض..

الفارق في الإدارة.

ثم جاءت الحرب، فعقدت المشهد أكثر، لكن الخطأ أن نحمّل الحرب كل شيء، لأن الحرب كشفت أزمة أقدم: غياب التخطيط الزراعي نفسه.

مناطق واسعة من دارفور وكردفان، التي كانت قلب إنتاج الفول السوداني والصمغ العربي والثروة الحيوانية، أصبحت خارج الدورة الاقتصادية الطبيعية كلياً أو جزئياً. بعضها ينتج لكن لا يتحرك، وبعضها يتحرك لكن بكلفة مرهقة، وبعضها لم يعد القرار الاقتصادي فيه للدولة أصلاً.

لكن حتى لو توقفت الحرب غداً، فالسؤال سيبقى:

هل تملك الدولة رؤية تحدد ماذا نزرع، وأين، ولماذا، ولأي سوق، وبأي عائد؟ أم أننا ما زلنا نزرع برد الفعل؟

ثم تأتي العقدة الأقدم: وهي التمويل..

كيف تُدار الزراعة بلا تمويل حقيقي؟

القطاع الزراعي يحتاج سيولة، ومدخلات، وآليات، وتقاوي، ووقود، وتخزين، وتسويق. فإذا غاب التمويل، فلن يفكر المزارع في ما يحتاجه الاقتصاد الوطني، بل في ما يستطيع تمويله أو تصريفه بسرعة.

وهنا جوهر الأزمة..

المشكلة ليست فقط: هل نمول الزراعة؟ بل: أي زراعة نمول؟

هل نوجه التمويل للقمح، أم للسمسم، أم للذرة، أم للفول السوداني، أم للمحاصيل الأعلى عائداً، أم الأقل استهلاكاً للموارد، أم لمحاصيل الأمن الغذائي؟

هذه ليست أسئلة فنية..

هذه أسئلة دولة.

هل توجد خريطة إنتاج محدثة؟ وهل نعرف فعلياً ماذا يُزرع، وأين، ولأي سوق، وبأي عائد؟ أم أننا ما زلنا ندير الزراعة بالحدس؟

الدول الزراعية الكبرى لا تترك هذا للمصادفة، لأن الزراعة ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل أمن غذائي، وعملة صعبة، وتشغيل، واستقرار اجتماعي.

أما نحن، فيبدو أننا تركنا السوق، والحرب، والظروف، لترسم ما كان يفترض أن ترسمه الدولة.

فالدول لا تُقاس فقط بما تملك من أرض، بل بما تملك من رؤية.

والسؤال الذي يواجه السودان اليوم ليس كم يزرع… بل هل ما زال يزرع بعقل دولة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى