المحقق” ينشر ملخصاً لواحدة من أهم الدراسات: تمكين الفظائع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والسودان (1-2)

المحقق – محمد عثمان آدم
قد تكون هذه الدراسة الأكاديمية الموثقة والتي استمرت لأكثر من عامين وغطت آلاف الحسابات والتغريدات – والتي ينشرها موقع “المحقق” الإخباري – مفتاحاً لفهم لماذا لا يحرك العالم ساكناً والإبادة تجري في دارفور والجزيرة والنيل الأبيض والخرطوم وسنار وكردفان، حيث أن كل عمل إعلامي وكل نشاط يسعى لفضح من ارتكبوا الفظائع تصحبه وتغطي عليه موجة ضخمة من العمل المضاد والضخ الاسفيري والحسابات المزيفة والاغتيال الاخلاقي، وفوق ذلك تمويل ضخم مستمر ومتصل للشبكات والناشطين والدعم المتصل بالذكاء الاصطناعي، وتستخدم فيها كل اللغات الغربية الحية الطاغية في جل – إن لم نقل كل- الشبكات ومحركات البحث والمواقع الإلكترونية.
والدراسة الأكاديمية التي أتت تحت عنوان “تمكين الفظائع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والسودان: الحسابات المزيفة والروبوتات والمعلومات الرقمية (أحداث) الضرر في زمن الحرب” ، تمت تحت إشراف و تبني منظمة دولية أممية (اليونسكو) مما يزيل عنها شبهة الغرض و الهوى وهي فوق كل دراسة أكاديمية تقع في 74 صفحة قام مؤلفها، الباحث مارك أوين جونز، بتحليل أكثر من 250.000 منشور عبر 3 شبكات متمايزة، ضمن أكثر من 27.000 حساب مزيف شمل شبكات متعددة بالعربية والإنجليزية والفرنسية والفارسية والتركية، ممتدة على مدار عامين لرصد عمليات التأثير الممنهجة، وتبدو أصابع الإمارات منتشرة في كل هذه الشبكات والحملات بشكل لافت، إذ يشير الكانب إلى أنه تم إعداد هذا التقرير تحت رعاية كرسي اليونسكو للبيانات والإعلام والمجتمع في جامعة كارولينا الجنوبية. وهو يشكل جزءًا من موضوعات بحثية حول دور أنظمة الإعلام المبنية على البيانات في تشكيل التصور السياسي والمعرفة العامة وسلامة المعلومات في السياقات المتأثرة بالنزاعات والمخاطر الفظيعة.
تركز هذه الدراسة على عمليات التأثير المنسقة واسعة النطاق في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا و تتناول الوضع في السودان كنموذج لكل ذلك، وعوضاً عن دراسة المعلومات المضللة كمحتوى معزول، يحلل المؤلف كيف يعيد بنى التوزيع الشبكية، وشبكات الحسابات الوهمية، والتضخيم الآلي، وإمكانيات المنصات، تشكيل الصورة الذهنية والمرئية في ازمان الحرب. ويوثق هذا التقرير ويحلل ثلاث شبكات واسعة النطاق ومنسقة من الحسابات الوهمية والروبوتات العاملة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع التركيز بشكل خاص على ما يسميه “النشاط المحيط بالحرب الأهلية في السودان”.
ملخص تنفيذي:
يشير التقرير على أن فهم الحرب المعلوماتية والتضليل والدعاية في سياق “خطر الفظائع” أمرًا بالغ الأهمية، نظرًا لحجم العنف في السودان واحتمالية وقوع إبادة جماعية. ويوثق هذا التقرير ويحلل ثلاث شبكات واسعة النطاق ومنسقة من الحسابات الوهمية والحسابات الآلية على منصة إكس (X) “تويتر سابقًا” العاملة في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع التركيز بشكل خاص على الحرب الأهلية السودانية، التي تدور رحاها بين قوات الدعم السريع شبه العسكرية والقوات المسلحة السودانية المدعومة من الحكومة و ينبه التقرير إلى أن أصابع الاتهام تشير إلى دولة الإمارات العربية المتحدة
إذ أنه بالاستناد إلى تحليل ثلاث شبكات متميزة تضم أكثر من 250 ألف منشور على وسائل التواصل الاجتماعي باللغات العربية والإنجليزية والفارسية والتركية والفرنسية، وعلى مدى أكثر من عامين، يحدد التقرير عمليات تأثير مستمرة تشمل أكثر من 27 ألف حساب مزيف تُستخدم للترويج لروايات جيوسياسية موالية لتلك الدولة بهدف إعادة تشكيل الفهم العام للحرب الأهلية في السودان.
وبينما يستعرض التقرير أنشطةً على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما في ذلك حملاتٌ استهدفت إيران وموريتانيا والمغرب والجزائر وليبيا واليمن وسوريا وتونس والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، فإن التركيز التجريبي الأساسي ينصبّ على الشبكات التي روجت لقوات الدعم السريع خلال الصراع السوداني.
وقد عملت هذه الشبكات على مدى فتراتٍ زمنيةٍ مختلفةٍ وبلغاتٍ متعددة، مما يشير إلى استمراريتها وتكيفها وإعادة استخدامها استراتيجياً بدلاً من كونها أنشطةً متقطعة. ويقول معد التقرير أنه برغم أهمية الإشارة إلى أن كلاً من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع تستخدم الدعاية والتضليل. إلا إن التركيز هنا على قوات الدعم السريع لاعتبارات المخاطر والفظائع التي ارتكبتها و العمل على إخفائها و التغبيش عليها بحيث تطمر طمراً بطوفانات من التغريدات والحسابات و السرديات الزائفة.
يُشير التقرير أيضًا إلى أن التغييرات الأخيرة في إدارة المنصات، ولا سيما أنظمة التحقق القائمة على الرصيد، وآليات التضخيم الخوارزمية، وضعف تطبيق القوانين في السياقات العربية وغير الإنجليزية، قد خفضت التكاليف التشغيلية لحملات التأثير مما جعلها تعمل علي زيادة نطاقها وشرعيتها المُتصوَّرة. وبهذا المعنى، تُسهِّل منصات التواصل الاجتماعي المعاصرة بشكل متزايد شكلًا من أشكال “الدعاية المدفوعة”، حيث يُمكن شراء الظهور والمصداقية والقدرة على تحديد الأولويات بشكل مصطنع، وتنسيقها، وتوسيع نطاقها من خلال شبكات غير موثوقة بدلًا من وظائف البحث على الإنترنت.
ملخص لأهم سمات الدراسة:
يُحلِّل هذا التقرير التكتيكات والتقنيات والإجراءات لثلاث شبكات مختلفة من الروبوتات والحسابات الوهمية وتُسلط الدراسة الضوء على أنشطة الجهات الفاعلة التي تستخدمها لتصميم حملات التضليل وتوسيع نطاقها وتنفيذها.
وكشف التحقيق عن ثلاث شبكات من الحسابات الوهمية والحسابات الآلية (بوتات) في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تضم أكثر من 27,000 حساب مزيف، نشرت مئات الآلاف من المنشورات باللغات العربية والإنجليزية والفارسية والتركية والفرنسية. وقد ركزت هذه الشبكات بشكل أساسي على الترويج لخطاب سياسي مناهض للإسلاميين، ومؤيد لمنظمة لمليشيا الدعم السريع، وهو خطاب موالٍ لدولة الإمارات العربية المتحدة.
وأماط التقرير اللثام عن أن ما يجري هو عمليات مستدامة وقابلة للتكيف، وليست انتهاكات متقطعة، من ذلك أن شبكة واحدة على الأقل استمرت (ولا تزال تواصل) لسنوات عديدة، بما في ذلك مراحل ما قبل حذف الأصول، مما يدل على صيانة طويلة الأمد، وإعادة توظيف للهوية، وتكيف استراتيجي بدلاً من حملات قصيرة الأجل.
واظهرت الشبكة ترويجاً منهجياً للسرديات متوافقة مع قوات الدعم السريع في السودان وذلك عبر مجموعات بيانات متعددة، روجت الشبكات بشكل كبير لروايات مؤيدة لقوات الدعم السريع ومعادية للقوات المسلحة السودانية وقائدها البرهان، إذ تصورً قوات الدعم السريع على أنها إنسانية، وباحثة عن السلام، وشرعية، بينما تنسب الأذى الذي لحق بالمدنيين، والمجاعة، وعرقلة المساعدات بشكل حصري تقريبًا إلى القوات المسلحة السودانية والجهات الإسلامية السودانية.
وعملت الشبكات علي تبييض الإبادة الجماعية والعنف وذلك في أعقاب أحداث الفاشر، حيث أعادت حملات الوسوم المنسقة صياغة العنف على أنه تعافٍ وتطبيع، مما يُظهر نمطًا يتوافق مع نظرية ترميم الصورة.
تم استغلال آليات الظهور على المنصات.. يُظهر تسلسل الوسوم على غرار التتابع، والنشر السريع، وانتحال الموقع، وتغيير المعرّفات، والنشر عالي السرعة، براعة الجهات الفاعلة في التلاعب بديناميكيات الظهور وتتبعها لجعل المواضيع رائجة، وتم دمج الشخصيات المُولّدة والمُساعدة بالذكاء الاصطناعي وتم تحديد شبكة متميزة من الحسابات المُولّدة أو المُساعدة بالذكاء الاصطناعي، والتي تتميز بأنماط لغوية اصطناعية، وشعارات متكررة، وسير ذاتية موحدة، وسلوك نشر غير مألوف، مما يُشير إلى الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي التوليدي في عمليات التأثير المنسقة.
وركزت هذه الحسابات أيضًا على التفاعل مع المستخدمين الحقيقيين عبر تداخل الأيديولوجيات والمناطق، فقد أظهرت بعض الروايات تداخلاً مع اليمين المتطرف، حيث تناوبت بين الدعاية التي تركز على السودان وتضخيم سرديات الحرب الثقافية الأوروبية والأمريكية الشمالية، مما أدى إلى طمس الحدود بين الجغرافيا السياسية الإقليمية والخطاب العابر للحدود.
الخطوط السردية الرئيسية – السودان:
تتمحور الأعمال المتعلقة بالسودان حول خصمين رئيسيين: عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة السوداني وقائد القوات المسلحة السودانية، ومحمد حمدان دقلو (“حميدتي”)، قائد قوات الدعم السريع، إلى جانب شخصيات سياسية مدنية مثل رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك.
تُصوَّر الأحداث المتعلقة بالسودان، عبر التغريدات، من خلال بنية سردية شديدة الاستقطاب ومتسقة داخليًا، تُقسِّم الفاعلين السياسيين إلى ثوابت أخلاقية بدلًا من مواقف متنازع عليها.
ويُصوَّر عبد الفتاح البرهان والقوات المسلحة السودانية على أنهما الفاعلان الرئيسيان للعنف والعرقلة والفشل الأخلاقي. وتُحمَّل مسؤولية إلحاق الأذى بالمدنيين والمجاعة والانهيار الدبلوماسي بشكل متكرر على عاتق البرهان، الذي يُصوَّر على أنه غير شرعي وفاسد وخاضع لجماعة الإخوان المسلمين وداعمين أجانب.
يُوصَف البرهان بشكل متواصل ومقصود باستخدام لغة أخلاقية شاملة، تتضمن أوصافًا مثل “مجرم حرب” و “إرهابي” و”خائن”، بينما تُكرر مزاعم القصف العشوائي، وتكتيكات التجويع، والتخريب المتعمد لجهود السلام كحقائق ثابتة وليست مجرد ادعاءات محل جدل.
وتماشياً مع تحليلات أخرى حول التضليل الإعلامي في السودان، غالباً ما يُصوَّر الموالون للقوات المسلحة السودانية على أنهم من النخب. ويُستخدم مصطلح “فلول” في كثير من الأحيان لوصف ونزع الشرعية عن أولئك الذين يُنظر إليهم على أنهم ما زالوا جزءاً من عهد عمر البشير.
وفي المقابل، يُصوَّر محمد حمدان دقلو (حميدتي) وقوات الدعم السريع كجهات فاعلة شرعية وإنسانية وساعية للسلام. يُصوَّر حميدتي كرجل دولة منخرط في الدبلوماسية وملتزم بحماية المدنيين، ويُوصف غالبًا بأنه “قائد سلام” و”رمز للشجاعة والإنسانية”.
ترتبط المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع بالاستقرار وتوفير الخدمات والتطبيع، مع ادعاءات متكررة بأن “الحياة تعود” وأن القوات “تحمي المدنيين وتعيد الكرامة”. غالبًا ما يُقدَّم هذا التأطير المتصالح من خلال عبارات إنسانية عاطفية ونمطية. يشيد أحد الأمثلة المتداولة على نطاق واسع بمقاتل من قوات الدعم السريع “حمل امرأة مسنة إلى السيارة كما لو كانت والدته”، مستنتجًا أن هذا الفعل يعكس “الأخلاق النبيلة لقوات الدعم السريع وما غرسه حميدتي فيها”.
وبعيدًا عن الثناء، تتناول بعض الروايات مسألة الشرعية الاستباقية، مشيرةً إلى حميدتي بألقاب شبه رسمية مثل “مشير” أو “رئيس”، ومتداولةً مزاعم حول “حكومة سلام موازية” سيتم الإعلان عنها “من داخل الخرطوم”. لا تُعدّ هذه الصيغ تعليقًا على السلطة القائمة بقدر ما هي بروفة لسيادة بديلة، تُصوّر سلطة قوات الدعم السريع على أنها حتمية ومُطبّقة بالفعل.
ويُصوّر الفاعلون السياسيون المدنيون المتحالفون مع التحول الديمقراطي، ولا سيما عبد الله حمدوك وتنسيق القوى الديمقراطية المدنية، على أنهم مكملون لشرعية قوات الدعم السريع. ويُصوّر حمدوك مرارًا وتكرارًا على أنه “صوت العقل” و “أمل المدنيين”، يعمل جنبًا إلى جنب مع جهود قوات الدعم السريع لإنهاء الحرب عبر الحوار. على النقيض من ذلك، تبدو المنظمات الدولية في معظمها غير فعّالة أو مُعرقلة، حيث يُعزى الفشل الإنساني بشكلٍ كبير إلى القوات المسلحة السودانية، المتهمة بـ”عرقلة المساعدات” و”استخدام الأسلحة لتفريق الجوع” و”قصف المستشفيات”.
يُرسّخ هذا الاتهام التفاوت الأخلاقي الجوهري في هذه الرواية. وبشكلٍ عام، يُروّج هذا الهيكل السردي لأحد طرفي النزاع من خلال التكرار والحذف واللغة العاطفية والاقتباس الانتقائي.
يُقدّم النص إطارًا تأهيليًا لقوات الدعم السريع بينما يُلقي باللوم على جهات خارجية في أعمال العنف الجماعي. والنتيجة هي شكل من أشكال التشبع السردي حيث يطغى الحجم والتأثير على التنازع والمساءلة والتعقيد.
تقدم الغالبية العظمى من التغريدات والتصريحات في هذه المجموعة قوات الدعم السريع بصورة إيجابية للغاية. تصور هذه الرواية السائدة قوات الدعم السريع على أنها مدافعون أبطال عن الشعب السوداني، وفاعلون إنسانيون ملتزمون، ورواد للإصلاح الديمقراطي يقاتلون ما يسمونه مرارًا وتكرارًا “بقايا” النظام السابق.
يظهر هذا التصوير المُتَّسق والمُشرق بشكل لافت في كل تغريدة، مما يُشير إلى حملة إعلامية مُنسَّقة تهدف إلى تشكيل الرأي العام حول هذه الجماعة شبه العسكرية بأفضل صورة مُمكنة.
كما قامت هذه الشبكات بتضخيم ودعم حسابات قوات الدعم السريع الرسمية بنشاط، قبل أن يتم تعليقها من قِبل منصة X. وشمل ذلك الحساب الرسمي لقوات الدعم السريع، والمتحدث باسمها،
ضمن المجموعة الفرعية التي تركز على السودان، حظيت الحسابات المؤيدة لـ “الدعم السريع” بأكبر قدر من الترويج، مما يؤكد دور الشبكة في تعزيز الروايات المتوافقة مع الدعم السريع بشكل منهجي قبل سحب الحسابات.
وانتقدت الدراسة استخدام الجيش والمؤيدين له ألفاظ خطاب التطهير الإقصائي حيث إن التصريحات التي تُؤكد على ضرورة “استعادة المدن وتطهيرها من قذارة – البقايا” أو أن المناطق تتطلب “تطهيرًا كاملًا” تُشير إلى نتائج شاملة بدلًا من تدخلات متناسبة أو محددة زمنيًاً..
يتبع ،،



