خيارٌ: بين التدريس والرقيص !!

محجوب فضل بدري
لم يستسغ ناظر مدرسة البنات بشندي فكرةَ أن يكون أحد المعلمين في مدرسته مُطرباً يُغَنِّي في مناسبات المدينة وطالباته يَرْقُصْنَ. فأوعز إليه بالقول: (ياحسين، البنات ديل يا تَدَرِّسِنْ، يا تَرَقِّصِنْ) .
يقول المعلم الأستاذ حسين علي محمد طه، الشهير بحسين شندي، بعد ذلك وهو من قرية الدويمات أن تلك كانت لحظة فارقة في حياته الفنية ومسيرته الغنائية ، إذ لم يترك الغناء ولم يهجر التَّعلم والتعليم. ولم يكن الغناء وحده سبباً فى ذيوع صيته، لكنه أُشتهر بنداوة صوته وبهاء طلعته وبراعة طرفته وطلاوة عبارته وطيب عُشرته .
كان منزل أسرته مجاوراً لمنزل أختنا المرحومة حواء بت عباس، حرم المرحوم تاج السر محمد صالح هلالي بالقشلاق الشمالي بأم درمان، فتعرفنا عليهم عن قُرب، ولم يكن حسين قد عَرِف طريقه بعد إلى أجهزة الإعلام، أو الإذاعة تحديداً، فقد كان راديو هنا أم درمان هو الذي يشكل وجدان أهل السودان بالأغاني والمعاني ويلتف الناس على أثيره وهو يحلق بهم في فضاءات الابداع وعلم الاجتماع، فقد كان مناطاً بالإذاعة بث الأفراح في ربوع السودان كله وإن لم تنس نصيبها من الأتراح ببث أخبار الوفيات، ولن ينسى جيلنا لو نسي كل الأخبار، يوم 21 فبراير عام 1968م حين قطعت الإذاعة برامجها وبدأت فى بث تلاوات من القرآن الكريم، ثم جاء الخبر وسط تكهنات المستمعين وهو يقول (رُوِّعتْ البلاد اليوم بفقد صاحب السيادة الحسيب النسيب السيد علي الميرغني…) ولم يستمع أحدٌ لباقي الخبر، لهول الصدمة عند أتباعه الكثر. ولم يتغير يومها ولا الأيام التالية برامج الاذاعة وحدها ولكن تغيرت برامج كل الناس وعمت الأحزان في الريف فترك المزارع زراعته وترك الراعي ماشيته وسافر للمشاركة في التشييع من استطاع. وكان هذا التفاعل يوضح بجلاء الدور المحوري للاذاعة فى حياة الناس.
لهذا أصبح احتلال الإذاعة هو أول نقطة لنجاح أي انقلاب من لدن بيان الفريق إبراهيم عبود فى 17 نوفمبر 1958م، وحتى البيان الذى حمله للإذاعة يوسف عزت الماهري مستشار حميدتي فى يوم 15 أبريل 2023م، ولو نجح في إذاعة البيان لربما تغيرت أشياءُ كثيرة !!
من هذا المنبر الإعلامي الأهم في السودان اشتهر (حسين) بلقب (شندي) وراجت أغانيه الحماسية بصوته النَّدِى الشَّجِى . و قد كان مفاجئاً لمعجبيه وأنا منهم الخبر الذي انتشر في الأسافير عن إعلان حسين شندي إكماله حفظ القرآن الكريم كاملاً وهذا لعمري هو الخبر ، فالوسط الفني الذي يعيش في قلبِهِ حسين شندي قد لا يسمح لمنتسبه بغير اجراء البروفات وإقامة الحفلات وفض النزاعات بين الزملاء التي تتشكل في جو غير صحي وتقدح في رسالة الفن بصورة سالبة.
كان أهلنا قديماً يصفون المغنيين بالصُيَّاع، جمع (صايع) لأن غناء الرجال من مسقطات المروؤة في ثقافتهم حينذاك حتى برز لقب الأستاذ على المطرب في عصر ما بعد الحقيبة ولعل أول من أُطلق عليه من الفنانين لقب (أستاذ) هو الأستاذ حسن عطية، وسار اللقب على من جايله أو تلاه .
وفي الوقت الذي يتبارى فيه بعض المطربين أنصاف المشهورين على دولارات الإمارات نجد مطرباً فذاً مثل الأستاذ حسين شندي يُكمل حفظ كتاب الله، وبما أنه مطرب نَدِىَ الصوت وله العديد من التسجيلات الغنائية في مكتبة الإذاعة وبقية الوسائط فلا بد أن نفسه تحدثه عن تسجيل القرآن الكريم بصوته، ومَنْ يثابر على استظهار القرآن الكريم سيجد المتعة والفائدة في الاستزادة من علم القراءات والتجويد ما يضيف لمسيرته الفنية ما ينفعه عند الله بالقبول وعند الناس بالدعاء.
ولو كان ناظر المدرسة على قيد الحياة لفرح بما ناله المعلم حسين شندي من رِفعة، وفي حديث عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم (إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ).
ونسأل الله أن نسمع من إذاعة أم درمان ذات يوم من يقول:-
(والآن نُنصت خاشعين إلى تلاوة مباركة من القران الكريم بصوت الشيخ حسين شندي)، وما ذلك بالمستحيل على هذا الفنان المثابر، وما ذلك على الله بعزيز .
تقبل الله الطاعات ياشيخ حسين وأبشر فالماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة. أو كما قال صلَّ الله عليه وسلم .



